فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

خط زمني 22 تشرين الثاني 1967

قرار مجلس الأمن رقم 242 بعد احتلال فلسطين عام 1967

قرار مجلس الأمن رقم 242 بعد احتلال فلسطين عام 1967

قرار مجلس الأمن رقم 242 بعد احتلال فلسطين عام 1967

في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1967، اعتمد مجلس الأمن الدولي بالإجماع القرار رقم 242، الذي أصبح واحدًا من أهم الوثائق الدبلوماسية التي صدرت في أعقاب احتلال إسرائيل لما تبقى من الأراضي الفلسطينية وأراضٍ عربية أخرى في حزيران/يونيو 1967.

فقبل ذلك بنحو خمسة أشهر، كانت القوات الإسرائيلية قد احتلت الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، أي نحو 22 في المئة من مساحة فلسطين الانتدابية التي بقيت خارج السيطرة الإسرائيلية بعد النكبة واحتلال معظم فلسطين سنة 1948.

كما احتلت إسرائيل شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية.

وجاء القرار 242 في محاولة لوضع إطار سياسي ودبلوماسي للتعامل مع الواقع الإقليمي الجديد الذي نتج عن هذا الاحتلال.

وانطلق القرار من مبدأ أساسي هو عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، وربط الوصول إلى تسوية عادلة ودائمة بانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتُلت في النزاع، وبإنهاء حالة الحرب وإقامة علاقات تستطيع فيها جميع دول المنطقة العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها.

وخلال العقود اللاحقة، أصبح القرار 242 أحد أهم المراجع التي قامت عليها الدبلوماسية العربية الإسرائيلية، ثم أصبح لاحقًا جزءًا من الإطار الذي استندت إليه المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

لكن القرار حمل، من المنظور الفلسطيني، قصورًا أساسيًا: فلم يذكر الشعب الفلسطيني بوصفه شعبًا صاحب حقوق وطنية وسياسية، ولم يشر إلى حق تقرير المصير أو إلى إقامة دولة فلسطينية، واكتفى بصياغة عامة تدعو إلى إيجاد «تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين».

السياق السياسي بعد احتلال فلسطين عام 1967

تغيرت الخريطة السياسية والعسكرية للمنطقة بصورة جذرية في حزيران/يونيو 1967.

فأصبحت الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة بكاملها تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، وبذلك وقعت المناطق الفلسطينية التي بقيت خارج السيطرة الإسرائيلية بعد سنة 1948 تحت الاحتلال أيضًا.

وفقدت مصر شبه جزيرة سيناء، بينما احتلت إسرائيل هضبة الجولان السورية.

كما تعرض مئات آلاف الفلسطينيين للتهجير خلال العمليات العسكرية وفي الأسابيع التي أعقبت الاحتلال، وعبر عدد كبير منهم من الضفة الغربية إلى الأردن.

وكان من بينهم فلسطينيون أصبحوا لاجئين أصلًا خلال نكبة 1948، فتعرضوا للتهجير مرة ثانية خلال أقل من عشرين عامًا.

وأصبح المجتمع الدولي أمام واقع جديد لا يتعلق فقط بموازين القوى العسكرية، بل أيضًا بالسؤال عن مصير الأراضي التي احتُلت، ووضع سكانها، والأسس السياسية والقانونية التي يمكن أن تقوم عليها أي تسوية لاحقة.

قرار مجلس الأمن 242 – 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1967

اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 242 بالإجماع خلال جلسته رقم 1382 في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1967.

وقدمت بريطانيا الصيغة النهائية لمشروع القرار بعد أشهر من المفاوضات والمشاورات بين أعضاء مجلس الأمن والدول المعنية.

ووضع القرار في مقدمته مبدأ أصبح لاحقًا أحد أكثر مبادئ القانون والدبلوماسية الدولية ارتباطًا باحتلال عام 1967:

«عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب.»

ثم أكد أن إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط تتطلب تطبيق مبدأين مترابطين.

  • انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من أراضٍ احتُلت في النزاع الأخير.
  • إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب، واحترام سيادة كل دولة في المنطقة وسلامة أراضيها واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها.

كما دعا القرار إلى ضمان حرية الملاحة في الممرات المائية الدولية في المنطقة، والتوصل إلى تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، وضمان سلامة أراضي دول المنطقة واستقلالها السياسي.

الأساس الذي عُرف لاحقًا باسم «الأرض مقابل السلام»

لا ترد عبارة «الأرض مقابل السلام» حرفيًا في نص القرار 242.

لكن المصطلح ظهر لاحقًا باعتباره اختصارًا دبلوماسيًا للعلاقة بين المبدأين الرئيسيين الواردين فيه.

فمن جهة، كان المطلوب معالجة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي جرى الاستيلاء عليها سنة 1967، ومن جهة أخرى كان القرار يدعو إلى إنهاء حالة الحرب والاعتراف بسيادة الدول وحقها في العيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها.

وخلال العقود اللاحقة، أصبحت صيغة «الأرض مقابل السلام» مرتبطة على نطاق واسع بالقرارين 242 و338، وأصبحت جزءًا رئيسيًا من الخطاب الدبلوماسي المتعلق بالتسوية في المنطقة.

الخلاف حول بند الانسحاب

أصبح بند الانسحاب في القرار 242 واحدًا من أكثر بنود الدبلوماسية الدولية بشأن فلسطين والمنطقة إثارة للخلاف.

فالنص الإنجليزي للقرار يدعو إلى:

«انسحاب القوات المسلحة الإسرائيلية من أراضٍ احتُلت في النزاع الأخير.»

ولا يحتوي النص الإنجليزي على أداة التعريف قبل كلمة «أراضٍ» بالصياغة التي كانت ستعني بصورة حرفية «الأراضي المحتلة» أو «جميع الأراضي المحتلة».

واستندت حكومات إسرائيلية ودبلوماسيون غربيون إلى هذه الصياغة لاحقًا للدفاع عن تفسير يقول إن القرار لا يفرض بالضرورة انسحابًا من كل شبر من جميع الأراضي التي احتلت سنة 1967، وإن الحدود النهائية يمكن أن تكون موضع تفاوض.

ورفضت الدول العربية هذا التفسير.

واستندت إلى مبدأ القرار نفسه بشأن عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، ورأت أن التسوية تتطلب انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية التي احتلتها سنة 1967.

النص الفرنسي للقرار

زاد الخلاف اللغوي تعقيدًا بسبب الصياغة الفرنسية الرسمية للقرار، التي تستخدم العبارة:

retrait des forces armées israéliennes des territoires occupés lors du récent conflit

وقد تُرجمت هذه الصياغة عادة إلى الانسحاب من الأراضي التي احتُلت خلال النزاع الأخير.

واستندت الدبلوماسية العربية والفلسطينية بصورة متكررة إلى النص الفرنسي، إلى جانب مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، للدفاع عن تفسير يطالب بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة سنة 1967.

لكن وجود الصيغتين الرسميتين لا يعني أن النص الفرنسي وحده يحسم الخلاف القانوني؛ فالنصوص الرسمية المعتمدة للقرار يجب أن تُقرأ معًا في إطار القرار بأكمله ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.

كما أن القرار لم يرسم خريطة للانسحاب ولم يضع آلية تنفيذ تفصيلية، وهو ما سمح باستمرار القراءات السياسية والدبلوماسية المختلفة لعقود.

وهكذا أصبح القرار 242 في الوقت نفسه إطارًا دبلوماسيًا مشتركًا ومصدرًا مستمرًا للخلاف حول حدود الانسحاب المطلوب.

لا ذكر لدولة فلسطينية

بالنسبة إلى الفلسطينيين، لم تكن مشكلة القرار 242 مقتصرة على صياغة بند الانسحاب.

فالمشكلة الأكثر جوهرية تمثلت في غياب الشعب الفلسطيني تقريبًا بوصفه طرفًا سياسيًا مستقلًا.

فقد صيغ القرار بصورة أساسية لتنظيم العلاقات بين الدول القائمة في المنطقة.

وتحدث عن سيادة «كل دولة في المنطقة» وسلامة أراضيها واستقلالها السياسي، لكنه لم يعترف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ولم يتحدث عن دولة فلسطينية مستقلة، ولم يحدد السيادة الفلسطينية على الضفة الغربية وقطاع غزة.

ولم يرد اسم الفلسطينيين في نص القرار.

وكانت الصياغة الوحيدة ذات الصلة المباشرة بأحد الجوانب الأساسية للقضية الفلسطينية هي:

«تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.»

ومن المنظور الفلسطيني، جعلت هذه الصياغة قضية شعب وأرض وحقوق وطنية تظهر داخل القرار أساسًا باعتبارها مشكلة لاجئين تحتاج إلى تسوية إنسانية وسياسية.

من شعب إلى «مشكلة لاجئين»

بحلول عام 1967، لم يكن الفلسطينيون مجرد مجموعة من اللاجئين المحتاجين إلى المساعدة الإنسانية.

كانوا شعبًا قُسم وطنه بعد النكبة سنة 1948، ثم أصبحت الأراضي الفلسطينية التي بقيت خارج السيطرة الإسرائيلية بعد النكبة خاضعة للاحتلال سنة 1967.

وكان مئات آلاف الفلسطينيين يعيشون لاجئين خارج فلسطين، بينما بقي آخرون داخل الأراضي التي أصبحت تحت السيطرة الإسرائيلية سنة 1948، أو في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة.

ومع ذلك، لم يتضمن القرار 242 إشارة صريحة إلى الحقوق السياسية والوطنية الفلسطينية.

ولم يذكر منظمة التحرير الفلسطينية، أو حق تقرير المصير، أو إقامة دولة فلسطينية.

وأصبح هذا الغياب أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت منظمة التحرير إلى رفض القرار خلال السنوات التالية لصدوره.

الرفض الفلسطيني الأول للقرار 242

رفضت منظمة التحرير الفلسطينية القرار 242 في المرحلة الأولى بعد صدوره.

وأكد المجلس الوطني الفلسطيني هذا الموقف في أكثر من دورة خلال أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات.

وفي دورته الخامسة التي عقدت في القاهرة في شباط/فبراير 1969، رفض المجلس القرار 242 ضمن ما اعتبره مشروعات وحلولًا لا تحقق كامل الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وأعيد تأكيد الرفض في دورات لاحقة.

وفي الدورة الطارئة للمجلس الوطني التي عقدت في عمّان في آب/أغسطس 1970، أحال المجلس صراحة إلى قرارات دوراته السابقة الرافضة للقرار 242 وجدّد موقفه منه.

لماذا رفضت منظمة التحرير القرار؟

كان للرفض الفلسطيني أكثر من سبب، كما تطور تفسيره مع تطور الحركة الوطنية الفلسطينية.

ففي المراحل الأولى، ارتبط جزء من الاعتراض بأن القرار دعا إلى الاعتراف بسيادة وسلامة أراضي جميع دول المنطقة وحقها في العيش داخل حدود آمنة ومعترف بها، وهو ما اعتُبر آنذاك قبولًا ضمنيًا بوجود إسرائيل ضمن تسوية لم تكن تعترف بالحقوق الفلسطينية كما كانت تعرفها منظمة التحرير.

لكن مع صعود منظمة التحرير بوصفها الممثل السياسي المركزي للفلسطينيين، أصبح نقد آخر أكثر حضورًا: القرار تعامل مع فلسطين بوصفها جزءًا من نزاع بين دول، بينما لم يعترف بالفلسطينيين شعبًا صاحب حقوق وطنية وسياسية مستقلة.

وبهذا حصر القرار القضية الفلسطينية بصورة أساسية في جانب اللاجئين، بينما ترك العملية السياسية بيد الدول القائمة.

القرار 338 يعيد القرار 242 إلى مركز الدبلوماسية

أعادت المواجهة بين مصر وسورية وإسرائيل في تشرين الأول/أكتوبر 1973 القرار 242 إلى مركز الدبلوماسية الدولية.

ففي 22 تشرين الأول/أكتوبر 1973، اعتمد مجلس الأمن القرار رقم 338.

ودعا القرار إلى وقف إطلاق النار، وإلى البدء فورًا في تنفيذ القرار 242 بجميع أجزائه، وإلى بدء مفاوضات بهدف إقامة سلام عادل ودائم.

ومنذ ذلك الوقت، أصبح من الشائع في الدبلوماسية الدولية الحديث عن القرارين 242 و338 معًا.

وأصبحا إطارًا أساسيًا للمفاوضات المتعلقة بالأراضي العربية والفلسطينية التي احتلت سنة 1967.

التحول السياسي الفلسطيني

تغيرت الاستراتيجية السياسية الفلسطينية بصورة كبيرة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين.

وفي عام 1974، اعترفت القمة العربية في الرباط بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

وفي العام نفسه، ألقى ياسر عرفات خطابًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحصلت منظمة التحرير لاحقًا على صفة مراقب في الأمم المتحدة.

وأصبحت الدبلوماسية الفلسطينية تركز بصورة متزايدة على انتزاع الاعتراف الدولي بالفلسطينيين لا بوصفهم لاجئين فقط، بل شعبًا له حقوق وطنية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير والتمثيل السياسي المستقل.

ومع هذا التحول، بدأ الموقف الفلسطيني من القرار 242 يتغير تدريجيًا.

لماذا أصبح القرار 242 مفيدًا لاحقًا للدبلوماسية الفلسطينية؟

المفارقة أن القرار نفسه الذي رفضته منظمة التحرير لسنوات أصبح لاحقًا ذا أهمية استراتيجية للدبلوماسية الفلسطينية.

فمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب، إلى جانب بند الانسحاب من الأراضي التي احتلت سنة 1967، وفرا أساسًا دوليًا يمكن الاستناد إليه للمطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة.

ومع انتقال السياسة الفلسطينية تدريجيًا نحو المطالبة بإقامة دولة مستقلة في الأراضي المحتلة سنة 1967، أصبح القرار 242 قابلًا للاستخدام داخل استراتيجية فلسطينية لم تكن قائمة بالشكل نفسه عندما صدر القرار سنة 1967.

الانتفاضة الأولى والتحول السياسي سنة 1988

أدى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى في كانون الأول/ديسمبر 1987 إلى تحول عميق في السياسة الفلسطينية والدبلوماسية الدولية.

وأظهرت الانتفاضة اتساع المعارضة الشعبية للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأعادت القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي.

وفي تموز/يوليو 1988، أعلن الأردن فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية، ما عزز دور منظمة التحرير باعتبارها الممثل السياسي للفلسطينيين في الأرض المحتلة.

ومهدت هذه التطورات الطريق لتحول كبير في الدبلوماسية الفلسطينية.

إعلان الاستقلال الفلسطيني

عقد المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر دورته في الجزائر بين 12 و15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988.

وفي 15 تشرين الثاني، اعتمد إعلان الاستقلال الفلسطيني وأعلن قيام دولة فلسطين والقدس عاصمتها.

واستند الإعلان إلى الحقوق التاريخية والقانونية للشعب الفلسطيني، وحق تقرير المصير، والشرعية الدولية، ومبادئ التسوية السلمية للنزاعات.

لكن إعلان الاستقلال نفسه لم يذكر القرارين 242 و338 بالرقم.

أما القبول الصريح بهما، فجاء في وثيقة منفصلة لكنها صدرت عن الدورة نفسها للمجلس الوطني: البيان السياسي للمجلس الوطني الفلسطيني.

منظمة التحرير تقبل القرارين 242 و338

في البيان السياسي الصادر في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988، دعا المجلس الوطني إلى عقد مؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة وعلى أساس قراري مجلس الأمن 242 و338.

وفي الوقت نفسه، شدد البيان على ضرورة الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.

كما طالب صراحة بـ:

انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها سنة 1967، بما فيها القدس العربية.

ودعا كذلك إلى إلغاء إجراءات الضم والاستيلاء وإزالة المستوطنات التي أقيمت في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ سنة 1967.

وكان ذلك تحولًا كبيرًا في الموقف الدبلوماسي الرسمي لمنظمة التحرير.

من الرفض إلى أداة دبلوماسية فلسطينية

كان التحول عميقًا ففي أواخر الستينيات، رفضت منظمة التحرير القرار 242 لأنه لم يعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية وتعامل مع القضية الفلسطينية في إطار قضية اللاجئين والعلاقات بين الدول.

أما بحلول عام 1988، فأصبحت المنظمة تستخدم القرار نفسه ضمن استراتيجية دبلوماسية تسعى إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967 وإقامة سيادة فلسطينية عليها.

لم يتغير نص القرار.

الذي تغير كان الاستراتيجية السياسية الفلسطينية وطريقة استخدام القرار.

ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة في جنيف

تعزز التحول الفلسطيني في كانون الأول/ديسمبر 1988.

فبعد رفض الولايات المتحدة منح ياسر عرفات تأشيرة دخول إلى نيويورك لإلقاء خطابه أمام الجمعية العامة، نقلت الأمم المتحدة مناقشتها للقضية الفلسطينية مؤقتًا إلى جنيف.

وفي 13 كانون الأول/ديسمبر 1988، تحدث عرفات أمام الجمعية العامة وقدم المبادرة السياسية الجديدة لمنظمة التحرير.

وأكد أن منظمة التحرير تسعى إلى تسوية شاملة ضمن مؤتمر دولي وعلى أساس القرارين 242 و338، بما يضمن حقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال الوطني وحق الأطراف في المنطقة في العيش بسلام وأمن.

وفي اليوم التالي، خلال مؤتمر صحافي في جنيف، أوضح بصورة أكثر مباشرة قبول المنظمة بالقرارين وموقفها من العنف السياسي.

الولايات المتحدة تفتح حوارًا مع منظمة التحرير

في 14 كانون الأول/ديسمبر 1988، أعلنت إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان أن الولايات المتحدة ستبدأ حوارًا رسميًا وموضوعيًا مع ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية.

وشكل القرار تحولًا دبلوماسيًا مهمًا في العلاقة بين واشنطن والمنظمة.

وكانت الولايات المتحدة قد اشترطت لسنوات قبل بدء حوار رسمي مع منظمة التحرير قبول القرارين 242 و338، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود بسلام وأمن، واتخاذ موقف واضح من استخدام العنف والإرهاب.

وبذلك مثلت قرارات ومواقف سنة 1988 انتقالًا من الرفض الفلسطيني الطويل للقرار 242 إلى الدخول رسميًا في مسار سياسي دولي أصبح القرار أحد أسسه.

القرار 242 ومؤتمر مدريد

جاءت المرحلة التالية مع مؤتمر مدريد للسلام الذي عقد برعاية الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في تشرين الأول/أكتوبر 1991.

وجعلت دعوة المؤتمر القرارين 242 و338 أساسًا للمفاوضات بين إسرائيل والدول العربية وبين إسرائيل والفلسطينيين.

وأصبحت العملية مرتبطة على نطاق واسع بمبدأ «الأرض مقابل السلام».

لكن منظمة التحرير لم تشارك رسميًا في مدريد باسمها.

وشارك الفلسطينيون ضمن وفد أردني فلسطيني مشترك، مع فرض شروط وقيود على الأشخاص الذين يمكنهم تمثيل الجانب الفلسطيني رسميًا.

ومع ذلك، كان الوفد الفلسطيني ينسق بصورة وثيقة مع قيادة منظمة التحرير، وفتح مؤتمر مدريد الباب أمام أول عملية تفاوض مباشرة ومستمرة بين ممثلين إسرائيليين وفلسطينيين.

من مدريد إلى أوسلو

حققت المفاوضات العلنية التي أعقبت مدريد تقدمًا محدودًا.

وفي الوقت نفسه، بدأت في النرويج مفاوضات سرية مباشرة بين ممثلين إسرائيليين ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وأدت تلك المفاوضات إلى إعلان المبادئ بشأن ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي، المعروف باتفاق أوسلو، الذي وُقع في واشنطن في 13 أيلول/سبتمبر 1993.

وقبل ذلك بأربعة أيام، في 9 أيلول/سبتمبر، تبادلت إسرائيل ومنظمة التحرير رسائل الاعتراف المتبادل.

وأكد ياسر عرفات في رسالته إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين بصورة صريحة أن:

«منظمة التحرير الفلسطينية تقبل قراري مجلس الأمن 242 و338.»

وفي المقابل، أعلنت الحكومة الإسرائيلية اعترافها بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها ممثلة للشعب الفلسطيني ووافقت على التفاوض معها.

القرار 242 داخل إطار أوسلو

لم يختف القرار 242 من العملية السياسية بعد توقيع أوسلو.

فقد نص إعلان المبادئ نفسه على أن ترتيبات المرحلة الانتقالية تهدف إلى الوصول إلى تسوية دائمة تقوم على قراري مجلس الأمن 242 و338.

وكان من المفترض أن تعالج مفاوضات الوضع النهائي قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية وغيرها من المسائل التي تُركت من دون حل.

كما أنتج مسار أوسلو الإطار الذي أُنشئت من خلاله السلطة الوطنية الفلسطينية في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة.

لكن الاتفاق لم يؤسس بحد ذاته دولة فلسطينية ذات سيادة، ولم يحدد الحدود النهائية بين فلسطين وإسرائيل.

القرار 242 وحدود الدولة الفلسطينية

لم يشر القرار 242 بصورة صريحة إلى إقامة دولة فلسطينية، كما لم يحدد حدود فلسطين.

لكن خلال العقود التالية، أصبحت خطوط ما قبل حزيران/يونيو 1967 المرجع الإقليمي الدولي الرئيسي لمعظم المبادرات المتعلقة بحل يقوم على دولتين.

وأصبحت الدبلوماسية الفلسطينية تفسر تنفيذ القرارين 242 و338، إلى جانب قرارات أممية لاحقة، باعتباره يتطلب انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية التي احتلت سنة 1967، بما فيها القدس الشرقية.

وبذلك تركز الموقف الفلسطيني الرسمي تدريجيًا على إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس الشرقية.

وتمثل هذه الأراضي نحو 22 في المئة من مساحة فلسطين الانتدابية.

حدود القرار 242 بالنسبة إلى الفلسطينيين

على الرغم من الأهمية الدبلوماسية التي اكتسبها القرار لاحقًا، فإنه لم يعالج بصورة كاملة الاعتراضات الفلسطينية الأساسية التي ظهرت عند صدوره.

فهو لم يذكر الشعب الفلسطيني بالاسم.

ولم ينص على حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

ولم يدعُ إلى إقامة دولة فلسطينية.

كما أشار إلى اللاجئين بصياغة عامة هي «تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين»، من دون تحديد حق العودة أو التعويض أو الإشارة إلى قرار الجمعية العامة 194.

وظلت صياغة بند الانسحاب نفسها خاضعة لتفسيرات متنافسة.

لكن قرارات أممية لاحقة وتطورات في القانون الدولي أعطت اعترافًا أكثر وضوحًا بحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير والحق في إقامة دولة مستقلة.

الاستيطان واستمرار الاحتلال

لم يمنع الإطار السياسي والدبلوماسي الذي نشأ بعد سنة 1967 إسرائيل من إنشاء المستوطنات المدنية وتوسيعها داخل الأرض الفلسطينية المحتلة.

وبدأ الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس الشرقية بعد وقت قصير من الاحتلال.

وأكدت قرارات لاحقة لمجلس الأمن، ومنها القرار 2334 الصادر سنة 2016، أن المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967، بما فيها القدس الشرقية، ليس لها أي شرعية قانونية وتشكل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي.

ومع ذلك، استمر النشاط الاستيطاني وتوسع خلال السنوات التالية.

وحتى عام 2026، استمرت تقارير الأمم المتحدة في توثيق إقرار ودفع مخططات استيطانية جديدة في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.

القرار 242 بعد أكثر من نصف قرن

بعد أكثر من نصف قرن على اعتماده، ما يزال القرار 242 واحدًا من أكثر الوثائق تأثيرًا وإثارة للنقاش في الدبلوماسية المتعلقة بفلسطين والمنطقة.

فقد أكد مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب.

ودعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتُلت سنة 1967.

وربط الانسحاب بإطار أوسع يقوم على إنهاء حالة الحرب والعيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها.

ثم أصبح، إلى جانب القرار 338، مرتبطًا بمفهوم الأرض مقابل السلام، واستُخدم أساسًا في مؤتمر مدريد ومسار أوسلو ومبادرات سياسية أخرى.

لكنه عكس كذلك حدود الطريقة التي تعامل بها المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية سنة 1967.

فالشعب الفلسطيني، الذي كان معظم وطنه قد أصبح تحت السيطرة الإسرائيلية سنة 1948 ثم احتلت إسرائيل ما بقي من أرضه في حزيران/يونيو 1967، لم يظهر في القرار بوصفه شعبًا مستقلًا صاحب حقوق وطنية وسياسية.

من الرفض إلى مرجعية سياسية

يعكس تاريخ علاقة الفلسطينيين بالقرار 242 التحول الأوسع في السياسة الفلسطينية خلال العقود التي أعقبت الاحتلال.

فرفضته منظمة التحرير في البداية لأنه همّش الحقوق الوطنية الفلسطينية وحصر القضية إلى حد كبير بين مشكلة اللاجئين والعلاقات بين الدول.

وبعد نحو عقدين، قبلت المنظمة القرارين 242 و338 ضمن استراتيجية سياسية جديدة تهدف إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي احتلت سنة 1967 وإقامة دولة فلسطينية عليها.

وبذلك تحول القرار، في السياسة الفلسطينية الرسمية، من وثيقة اعتُبرت غير كافية إلى أداة ومرجعية دبلوماسية يمكن الاستناد إليها للمطالبة بإنهاء الاحتلال.

السؤال الذي لم يُحسم

صدر القرار 242 في تشرين الثاني/نوفمبر 1967 استجابة لتحول إقليمي وقع قبل ذلك بأشهر قليلة.

وكان الهدف المعلن منه المساعدة في إقامة سلام عادل ودائم.

لكن القضية الإقليمية الفلسطينية الرئيسية التي نتجت عن احتلال عام 1967 لم تُحل حتى اليوم.

فالضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، ما تزال ضمن الأرض الفلسطينية المحتلة، كما تستمر الأمم المتحدة في اعتبار قطاع غزة جزءًا من الأرض الفلسطينية المحتلة ووحدة إقليمية واحدة مع الضفة الغربية والقدس الشرقية.

واستمر النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، ولم تُبرم حتى اليوم تسوية فلسطينية إسرائيلية نهائية تحسم قضايا الحدود والقدس واللاجئين والمستوطنات والأمن والسيادة.

ومن المنظور الفلسطيني، يحمل القرار 242 لذلك إرثًا مزدوجًا.

فمن جهة، ما يزال يمثل تأكيدًا دوليًا لمبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة، ومرجعية دبلوماسية مرتبطة بإنهاء الاحتلال الذي بدأ سنة 1967.

ومن جهة أخرى، فإن غيابه الأصلي عن الاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية والسياسية يكشف مدى تهميش الفلسطينيين في الإطار الدبلوماسي الذي تشكل مباشرة بعد احتلال ما تبقى من فلسطين سنة 1967.

ولهذا لم يكن الصراع الفلسطيني حول القرار 242 صراعًا على تفسير الأراضي والحدود فقط.

بل كان أيضًا جزءًا من مسار أطول هدفه تحويل الفلسطينيين في الدبلوماسية الدولية من «مشكلة لاجئين» إلى شعب صاحب حق في تقرير المصير والسيادة وإقامة دولة مستقلة.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.