عصابات الهاجاناة والبالماخ الصهيونية ترتكب أول عملية تطهير عرقي في قرية قيسارية، قضاء حيفا
احتلال قيسارية وتهجير سكانها: إحدى المراحل المبكرة للنكبة الفلسطينية
في شباط/فبراير 1948، قبل نحو ثلاثة أشهر من انتهاء الانتداب البريطاني وإعلان إقامة دولة إسرائيل، احتلت وحدة من البلماح، القوة الضاربة التابعة لتنظيم الهاغاناه الصهيوني المسلح، قرية قيسارية الفلسطينية الساحلية في قضاء حيفا، وأُفرغت القرية من سكانها الفلسطينيين.
وتكتسب قيسارية أهمية خاصة في تاريخ النكبة لأن تهجيرها لم يكن مجرد نتيجة عارضة للمواجهات العسكرية. فبحسب ما تنقله المصادر التاريخية، وُصفت العملية بأنها أول عملية طرد مخططة مسبقًا ومنظمة لمجتمع عربي نفذتها الهاغاناه سنة 1948.
ومن منظور التاريخ الفلسطيني، تمثل قيسارية واحدة من أوضح المراحل المبكرة لعملية التهجير المنظم التي اتسعت خلال الأشهر التالية، مع توسع احتلال فلسطين والنكبة الفلسطينية سنة 1948.
قيسارية قبل عام 1948
كانت قيسارية قرية فلسطينية تقع على ساحل البحر المتوسط، على مسافة نحو 37 كيلومترًا جنوب مدينة حيفا.
وقامت القرية بين آثار مدينة قيسارية القديمة، وهي من أبرز المواقع الأثرية والتاريخية على الساحل الفلسطيني. وعاشت في القرية الحديثة عائلات عربية فلسطينية مسلمة ومسيحية، وشكلت مجتمعًا مستقرًا حول الموقع الأثري والساحل والأراضي الزراعية المحيطة.
ووفق الإحصاءات الرسمية لعام 1944/1945، بلغ عدد سكان الوحدة الإحصائية لقيسارية 1,120 نسمة، منهم 960 عربيًا و160 يهوديًا. وكان السكان العرب يتألفون من نحو 930 مسلمًا و30 مسيحيًا.
وبلغت مساحة الأراضي المسجلة في الوحدة الإحصائية نحو 31,786 دونمًا، توزعت على النحو الآتي:
- 20,959 دونمًا بملكية فلسطينية.
- 874 دونمًا بملكية يهودية.
- 9,953 دونمًا من الأراضي العامة.
واعتمد سكان القرية بصورة أساسية على الزراعة، فزرعوا الحبوب والحمضيات والموز والبساتين والأراضي المروية، كما استخدموا الآبار لتأمين المياه للاستعمالات المنزلية والزراعية.
وكانت في قيسارية مدرسة ابتدائية للبنين تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، وهو ما يعكس استمرارية الحياة الاجتماعية والتعليمية في القرية قبل النكبة بمدة طويلة.
الطريق إلى تهجير قيسارية
مع بداية عام 1948، كانت عمليات العصابات الصهيونية تتوسع في فلسطين بعد قرار الأمم المتحدة تقسيم البلاد الصادر في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947.
وأصبحت القرى الفلسطينية الساحلية أكثر تعرضًا للغارات والتهديد والهجمات العسكرية، في وقت كانت فيه التنظيمات الصهيونية المسلحة تسعى إلى توسيع سيطرتها على المناطق التي اعتبرتها ضرورية لإقامة الدولة اليهودية المقترحة وربط مناطق سيطرتها بعضها ببعض.
وكانت قيسارية تقع ضمن منطقة الساحل الأوسط التي اكتسبت أهمية استراتيجية كبيرة في الخطط العسكرية الصهيونية.
وكان بعض سكان القرية قد بدأوا بمغادرتها قبل دخول البلماح، نتيجة الخوف من هجوم وشيك وتدهور الوضع الأمني، ولجأ بعضهم إلى قرى فلسطينية مجاورة.
قرار مخطط مسبقًا بتهجير القرية وهدمها
تكمن إحدى أهم دلالات ما حدث في قيسارية في أن قرار تدمير منازل القرية سبق احتلالها.
فقد اتُّخذ قرار هدم المنازل في أوائل شباط/فبراير 1948 خلال اجتماع لهيئة الأركان التابعة للهاغاناه.
وهذا يعني أن تدمير القرية لم يكن تصرفًا عفويًا وقع في خضم اشتباك عسكري، بل كان قرارًا عسكريًا متعمدًا يتعلق بمستقبل السكان الفلسطينيين ومنازلهم بعد السيطرة على القرية.
وتنقل PalQuest، استنادًا إلى بحث تاريخي لاحق، أن يتسحاق رابين، الذي كان آنذاك ضابطًا في البلماح ومشاركًا في العمليات بالمنطقة، اعترض على هدم القرية.
كما اعترض مسؤول من حركة مبام اليسارية، مشيرًا إلى أن سكان قيسارية كانوا قد بذلوا جهودًا للحفاظ على علاقات هادئة داخل القرية ومحيطها.
لكن هذه الاعتراضات لم تمنع تنفيذ قرار الهدم.
تدمير قيسارية في 20 شباط/فبراير 1948
في 20 شباط/فبراير 1948، أي بعد خمسة أيام من احتلال القرية، عادت وحدة من البلماح لتدمير منازل قيسارية.
واستخدمت المتفجرات لهدم 30 منزلًا.
وبقيت ستة منازل قائمة، بحسب الروايات التاريخية، لأن القوة المنفذة نفدت منها المتفجرات.
وأدى الهدم إلى تدمير الأساس المادي لاستمرار المجتمع الفلسطيني في القرية، وجعل عودة السكان الذين غادروها أو أُجبروا على مغادرتها أكثر صعوبة.
ومن المنظور الفلسطيني، فإن الجمع بين الاحتلال والتهجير ثم التدمير المتعمد للمنازل يمثل عنصرًا أساسيًا لفهم ما حدث في قيسارية؛ فلم يكن السكان مجرد أشخاص غادروا نتيجة المواجهات، بل جرى هدم قريتهم بعد أن أحكمت القوات الصهيونية السيطرة عليها.
تهجير الساحل الفلسطيني
لم يقع تدمير قيسارية بمعزل عن التطورات التي كانت تجري في المناطق الفلسطينية المحيطة.
فقد جاء ضمن عملية أوسع لتوسيع السيطرة العسكرية الصهيونية على أجزاء من السهل الساحلي خلال الأشهر الأولى من عام 1948.
وفي الأسابيع التالية، تعرضت قرى فلسطينية عديدة في المنطقة الساحلية للغارات والهجمات والطرد والتهديد. وفي بعض الحالات طُرد السكان مباشرة، بينما غادر آخرون بعد وصول أخبار الهجمات التي تعرضت لها القرى والمناطق المجاورة.
وكانت سلطات الانتداب البريطاني ما تزال رسميًا مسؤولة عن الأمن والنظام في فلسطين، لكنها كانت تتجه نحو الانسحاب، ولم تمنع عملية تهجير قرى فلسطينية عدة خلال هذه المرحلة.
وبحلول آذار/مارس ونيسان/أبريل 1948، كان إفراغ مناطق من الساحل الفلسطيني من سكانها قد اتسع بصورة كبيرة.
هل كانت قيسارية أول عملية تطهير عرقي؟
لم تستخدم الهاغاناه أو سلطات الانتداب البريطاني في وثائقها المعاصرة مصطلح «التطهير العرقي» لوصف ما حدث في قيسارية.
لكن حقيقه ما جرى واجتماع عناصر واضحة فيه: إزالة سكان مدنيين من قريتهم، والاستيلاء العسكري عليها، ثم تدمير منازلهم بصورة متعمدة لمنع استمرار وجودهم فيها.
سدوت يام وأراضي قيسارية
بدأ الاستيطان الصهيوني على أراضٍ مرتبطة تاريخيًا بقيسارية قبل تدمير القرية الفلسطينية.
ففي عام 1940، أُنشئ كيبوتس سدوت يام على أراضٍ كانت تُعد تقليديًا من أراضي قيسارية، على مسافة تقارب كيلومترًا واحدًا جنوب موقع القرية.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية عند تتبع التغيرات التي طرأت على أنماط ملكية الأرض والاستيطان في المنطقة قبل النكبة وبعدها.
أور عكيفا وأراضي القرية بعد النكبة
في عام 1951، أُنشئت مستعمرة أور عكيفا شمال شرقي موقع القرية المدمرة.
وتوسعت المستعمرة لاحقًا على أراضٍ تعود إلى قيسارية وإلى التجمع الفلسطيني المجاور المعروف باسم برّة قيسارية.
أما التجمع الإسرائيلي الحديث المعروف باسم قيسارية (Qesarya)، فقد حصل على اعتراف رسمي لاحقًا سنة 1977.
ما الذي بقي من قيسارية؟
دُمّر معظم منازل قيسارية الفلسطينية بعد احتلال القرية.
وخضع الموقع لاحقًا لعمليات تنقيب أثرية واسعة، وتحول إلى منطقة سياحية تركز بصورة أساسية على آثار قيسارية الرومانية والبيزنطية والصليبية القديمة.
وأدى هذا التحول إلى تغيير واسع في المشهد المادي للمكان الذي قامت فيه القرية الفلسطينية الحديثة حتى سنة 1948.
وتشير الأوصاف الميدانية المنشورة إلى تحويل عدد من الأبنية الفلسطينية القليلة التي نجت من الهدم إلى مطاعم ومرافق تجارية.
كما بقي مسجد القرية قائمًا، لكنه استُخدم لاحقًا لأغراض تجارية.
قيسارية والمراحل المبكرة للنكبة الفلسطينية
أُفرغت قيسارية من سكانها قبل نحو ثلاثة أشهر من إعلان إقامة دولة إسرائيل، وقبل دخول جيوش الدول العربية المجاورة إلى فلسطين.
ويكتسب هذا التسلسل الزمني أهمية مركزية في فهم النكبة الفلسطينية، لأنه يوضح أن تهجير الفلسطينيين كان قد بدأ قبل انتهاء الانتداب البريطاني وقبل 15 أيار/مايو 1948.
وبحلول ربيع عام 1948، أصبح النمط الذي ظهر مبكرًا في قيسارية—الخوف، ثم الاحتلال العسكري، والتهجير، وهدم المنازل، ومنع العودة—يتكرر على نطاق أوسع في قرى ومدن فلسطينية عديدة.
واتسعت هذه العملية خلال احتلال فلسطين سنة 1948 والنكبة الفلسطينية، لتنتهي بتهجير مئات آلاف الفلسطينيين وإفراغ وتدمير مئات المدن والقرى والتجمعات الفلسطينية.
قيسارية في الذاكرة الفلسطينية
تمثل قيسارية في الذاكرة الفلسطينية أكثر من مجرد قرية مدمرة.
فهي توثق مرحلة مبكرة اجتمعت فيها الخطة العسكرية والتهجير والتدمير المادي لمجتمع فلسطيني ضمن عملية منظمة واحدة.
وتنبع أهميتها التاريخية تحديدًا من أن القرية أُفرغت من سكانها ودُمّرت منازلها بصورة متعمدة في شباط/فبراير 1948، أي قبل أن تبلغ النكبة ذروتها خلال الأشهر التالية.
واليوم ما تزال آثار قيسارية القديمة بارزة ومحفوظة بوصفها موقعًا أثريًا وسياحيًا، بينما اختفى جانب كبير من المشهد المادي للمجتمع الفلسطيني الحديث الذي عاش بين تلك الآثار حتى عام 1948.
ومن هذا المنظور، أصبحت قيسارية واحدة من أوائل الأمثلة الموثقة على الاقتلاع المنظم الذي رافق النكبة واحتلال فلسطين سنة 1948: قرية أُفرغت من أهلها، ودُمّرت منازلها، وحُرم سكانها من العودة إلى مجتمعهم وأرضهم.
```معرض الصور
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
1 تعليق
-
زائر
رحم الله شهداء فلسطين
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.