فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

فلسطين قبل النكبة

الأسواق والتجارة في فلسطين قبل عام 1948: الأسواق الأسبوعية والحرف والتجار والموانئ وعلاقة القرية بالمدينة

الأسواق والتجارة في فلسطين قبل عام 1948: الأسواق الأسبوعية والحرف والتجار والموانئ وعلاقة القرية بالمدينة

الأسواق والتجارة في فلسطين قبل عام 1948: الأسواق الأسبوعية والحرف والتجار والموانئ وعلاقة القرية بالمدينة

ملخص

تتناول هذه الدراسة البنية الاقتصادية والاجتماعية للأسواق والتجارة في فلسطين خلال الفترة العثمانية المتأخرة وعهد الانتداب البريطاني حتى عام 1948. وتعرض أشكال السوق الفلسطيني من الأسواق المسقوفة الدائمة في المدن إلى الأسواق الأسبوعية والموسمية في الأرياف والبوادي، وتتوقف عند الحرف والصناعات التقليدية، وشبكات التجار والائتمان، ودور الموانئ الساحلية في ربط فلسطين بأسواق المتوسط وأوروبا، ثم تحلل العلاقة العضوية بين القرية والمدينة بوصفها المحور الذي دار حوله الاقتصاد الفلسطيني. وتتخذ الدراسة من نابلس ويافا والقدس وعكا نماذج تطبيقية، وتختم بقائمة مصادر ومراجع للباحثين.

أولًا: الإطار الجغرافي والتاريخي

شكّل موقع فلسطين عند ملتقى قارات آسيا وأفريقيا، وعلى الطريق بين مصر وبلاد الشام والجزيرة العربية، عاملًا حاسمًا في تكوين اقتصادها التجاري. فقد مرّت عبر أراضيها طرق القوافل القديمة، ومنها الطريق الساحلي الواصل بين غزة والشام، وطرق الحج الممتدة إلى الحجاز، والدروب التي تربط مرتفعات الداخل بموانئ البحر المتوسط.

وانقسمت البلاد اقتصاديًا إلى ثلاث بيئات متكاملة: السهل الساحلي بموانئه وبساتينه وزراعته التصديرية، والمرتفعات الوسطى بزيتونها وكرومها وقراها الكثيفة ومدنها التجارية العريقة كنابلس والقدس والخليل، والبادية الجنوبية والأغوار بما فيها من رعي وتجارة مواشٍ وحبوب. ولم تكن هذه البيئات منفصلة، بل كانت الأسواق هي الحلقة التي تربط بينها وتنظّم تبادل منتجاتها.

شهد القرن التاسع عشر تحولات عميقة؛ إذ أسهمت إصلاحات التنظيمات العثمانية، وقانون الأراضي لعام 1858، وتزايد الطلب الأوروبي على المنتجات الزراعية، في دمج فلسطين تدريجيًا في السوق العالمية. ثم جاء عهد الانتداب البريطاني (1920–1948) ليضيف طبقة جديدة من التحولات: طرق معبدة، وسكك حديدية، وموانئ حديثة، ونظام نقدي جديد، إلى جانب منافسة اقتصادية حادة أعادت تشكيل خريطة التجارة.

ثانيًا: بنية السوق في المدينة الفلسطينية

اتبعت المدينة الفلسطينية التقليدية نمط المدينة الإسلامية الشامية في تنظيم أسواقها. فالسوق يتمركز عادة قرب المسجد الجامع، ويمتد في شوارع رئيسية مسقوفة بالعقود الحجرية تحمي المتسوقين من حرّ الصيف ومطر الشتاء، وتتفرع منه أزقة تخصصية.

1. التخصص الحرفي والمكاني

اتسمت الأسواق بالتخصص؛ فلكل سلعة أو حرفة سوقها المعروف باسمها: سوق العطارين، وسوق اللحامين، وسوق الصاغة، وسوق القطانين، وسوق الحدادين، وسوق النحاسين، وسوق الخضرة، وسوق الحِسبة. وكانت الحرف الأنظف والأثمن، كالعطارة والأقمشة والصياغة، تحتل المواقع الأقرب إلى المسجد الجامع، بينما تُدفع الحرف المولّدة للضجيج أو الروائح، كالدباغة والحدادة، إلى أطراف المدينة.

2. الخانات والوكالات والقيساريات

الخان مبنى مربع غالبًا، يتوسطه فناء مكشوف، تُخصص طبقته السفلى لتخزين البضائع وإيواء الدواب، والعليا لمبيت التجار الوافدين. أما الوكالة فكانت أقرب إلى مستودع تجارة الجملة، والقيسارية سوق مغلق يُقفل ليلًا تُباع فيه السلع الثمينة كالأقمشة الفاخرة. وقد مثّلت هذه المنشآت البنية التحتية للتجارة البعيدة المدى.

3. التنظيم والرقابة: المحتسب وشيخ الكار

خضعت الأسواق لرقابة المحتسب الذي يراقب الموازين والمكاييل والأسعار وجودة البضائع ونظافة السوق. أما الحرفيون فانتظموا في أصناف أو طوائف حرفية، لكل منها شيخ الكار الذي يمثل أبناء الحرفة أمام السلطة، ويشرف على انتقال الصبي إلى صانع ثم إلى معلّم، ويفصل في النزاعات بين أبناء المهنة. وارتبطت بالسوق وظائف أخرى معروفة، مثل الدلّال الذي يتوسط في البيع بالمزاد، والقبّان الذي يتولى وزن البضائع الثقيلة، والصرّاف الذي يبدّل العملات المتعددة المتداولة.

شارع النصارى في القدس القديمة بمحلاته التجارية وروّاده
شارع النصارى (حارة النصارى) في القدس القديمة، أحد الشوارع التجارية المرتبطة بتجارة الحجاج والتحف، نحو 1900–1920. المصدر: مجموعة ماتسون، مكتبة الكونغرس (LC-DIG-matpc-00861)، ملكية عامة.

ثالثًا: الأسواق الأسبوعية والمواسم

إلى جانب الأسواق الدائمة في المدن، عرفت فلسطين شبكة من الأسواق الأسبوعية التي تُقام في يوم محدد من الأسبوع، في بلدة مركزية أو عند ملتقى طرق، فيقصدها أهالي القرى والبادية لبيع منتجاتهم وشراء حاجاتهم. وكثيرًا ما حمل السوق اسم اليوم الذي يُعقد فيه، كسوق الخميس أو سوق الجمعة، وصار اليوم نفسه موعدًا اجتماعيًا يلتقي فيه الناس ويتبادلون الأخبار وتُعقد فيه الصفقات والمصاهرات.

سوق بئر السبع

يُعدّ سوق بئر السبع من أشهر الأسواق الأسبوعية في جنوب فلسطين؛ فبعد أن أسست الدولة العثمانية بلدة بئر السبع مطلع القرن العشرين مركزًا إداريًا لقضاء النقب، غدا سوقها الأسبوعي (سوق يوم الخميس) ملتقى رئيسيًا لقبائل النقب وتجار غزة والخليل. وكانت تُعرض فيه الإبل والأغنام والماعز، والحبوب ولا سيما الشعير، والصوف والسمن، مقابل الأقمشة والسكر والقهوة والأدوات المعدنية الواردة من المدن.

منظر عام لبلدة بئر السبع عام 1917
منظر عام لبلدة بئر السبع عام 1917، المركز الإداري والتجاري لقضاء النقب. المصدر: قسم التصوير في المستعمرة الأمريكية، مجموعة ماتسون، مكتبة الكونغرس، عبر ويكيميديا كومنز، ملكية عامة.
تجمع للبدو في بئر السبع يوم 30 حزيران 1930
تجمّع للبدو في بئر السبع في 30 حزيران/يونيو 1930، ويعكس مكانة البلدة ملتقًى لقبائل النقب. المصدر: مجموعة ماتسون، مكتبة الكونغرس (LC-DIG-matpc-15605)، ملكية عامة.

المواسم الدينية والشعبية بوصفها أسواقًا

لم تقتصر الحياة التجارية على الأسواق المنتظمة، بل امتدت إلى المواسم الدينية والشعبية التي كانت تجمع آلاف الناس، فتنشأ حولها أسواق مؤقتة. ومن أشهرها موسم النبي موسى قرب أريحا الذي ينطلق من القدس في الربيع، وموسم النبي روبين جنوب يافا الذي كانت العائلات اليافية والقروية تقيم فيه أسابيع في الصيف، فتُنصب الخيام والمقاهي ودكاكين الحلويات والأقمشة والألعاب. وقد مثّلت هذه المواسم فرصة لتصريف منتجات الحرفيين والباعة الجوّالين.

الباعة الجوّالون

وأكمل الباعة الجوّالون (البِسْطاوية والكلّاسين والعطّارون المتجولون) هذه الشبكة، إذ كانوا يحملون على دوابهم الأقمشة والخرز والأدوات المنزلية والتوابل إلى القرى النائية، ويقايضونها أحيانًا بالقمح والبيض والزيت، في صورة تكشف استمرار المقايضة جنبًا إلى جنب مع الاقتصاد النقدي حتى أوائل القرن العشرين.

رابعًا: نابلس، مدينة التجار والصابون

احتلت نابلس موقعًا متميزًا في الاقتصاد الفلسطيني، حتى لُقبت بـ"دمشق الصغرى" لكثرة أسواقها وخاناتها وحيوية تجارتها. وتقع المدينة في وادٍ بين جبلي عيبال وجرزيم، على الطريق بين القدس والجليل وبين الساحل وشرقي الأردن، مما جعلها سوقًا مركزيًا لعشرات القرى في "جبل نابلس".

الأسواق والخانات

امتدت الأسواق النابلسية في البلدة القديمة على محاور رئيسية، وتفرّعت منها أسواق متخصصة للأقمشة والعطارة والصاغة والحلويات. ومن أبرز معالمها خان التجار الذي يعود إلى العهد العثماني وكان مركزًا لتجارة الأقمشة والبضائع الواردة. كما اشتهرت المدينة بصناعة الحلويات، وفي مقدمتها الكنافة النابلسية، وبتجارة القطن والزيت والصابون.

صناعة الصابون: الذهب الأبيض

كانت صناعة الصابون من زيت الزيتون عماد الاقتصاد النابلسي. ويعتمد الصابون النابلسي على ثلاثة مكونات: زيت الزيتون الذي توفره قرى جبل نابلس، والقِلْي (رماد نبات الشنان أو الأشنان) الذي كان يُجلب من البادية شرقي نهر الأردن، والماء. وتمر الصناعة بمراحل الطبخ في الحَلّة الكبيرة، ثم البسط على أرضية "المفرش"، فالتقطيع والختم بعلامة المصبنة، ثم التجفيف في أبراج مخروطية، وأخيرًا التغليف.

شهدت هذه الصناعة توسعًا كبيرًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ تشير الدراسات إلى أن عدد المصابن في المدينة تضاعف بين عامي 1860 و1882، وأن امتلاك مصبنة صار رمزًا للثروة والوجاهة الحضرية، فارتبطت المصابن بأسماء عائلات نابلسية معروفة. وكان الصابون يُصدّر إلى مصر وسورية وشرقي الأردن والحجاز.

غير أن الصناعة تعرضت لانتكاسات في عهد الانتداب؛ فقد دمّر زلزال عام 1927 عددًا من المصابن، ثم فرضت مصر وسورية، وهما من أهم أسواق الصابون النابلسي، رسومًا جمركية على الصابون المستورد، فتراجع الإنتاج مع مطلع الثلاثينيات، وأصبحت شرقي الأردن السوق الرئيسية له.

التجار والفلاحون في جبل نابلس

تكشف دراسة المؤرخ بشارة دوماني عن جبل نابلس أن العلاقة بين تجار المدينة وفلاحي القرى كانت قائمة على شبكة معقدة من الائتمان والقرابة والمصالح. فقد كان التاجر يقدّم للفلاح سلفة نقدية قبل الموسم مقابل التزامه بتسليم كمية محددة من الزيت أو القطن أو الحبوب بعد الحصاد بسعر متفق عليه، وهو ما يُعرف بعقد السَّلَم. وأتاح هذا النظام للتجار التحكم في تدفق المحاصيل نحو الأسواق والمصابن، وأسهم في تحويل الفائض الريفي إلى رأس مال تجاري حضري.

خامسًا: يافا، الميناء والبيارات

كانت يافا بوابة فلسطين البحرية الرئيسة لقرون، ومنها كان يدخل الحجاج المتجهون إلى القدس، وتخرج المنتجات الزراعية نحو موانئ المتوسط. وقد تحولت المدينة في أواخر العهد العثماني وعهد الانتداب إلى أكبر المدن الفلسطينية العربية وأكثرها حيوية من الناحية الاقتصادية والثقافية.

الميناء والمراكبية

لم يكن ميناء يافا ميناءً عميقًا بالمعنى الحديث، إذ كانت السفن الكبيرة ترسو بعيدًا عن الشاطئ بسبب الصخور، فيتولى المراكبية نقل الركاب والبضائع بالقوارب (الصنادل) بين السفن والرصيف. وشكّلت هذه المهنة مصدر رزق لمئات العائلات اليافية، ونشأت حولها تنظيمات وأعراف مهنية خاصة.

عربة تنقل صناديق البرتقال إلى ميناء يافا
نقل صناديق البرتقال بالعربات إلى ميناء يافا في مطلع القرن العشرين (صورة ملوّنة لاحقًا). المصدر: ويكيميديا كومنز، مشروع بيكيويكي.

برتقال يافا

ارتبط اسم يافا عالميًا بالبرتقال، وبخاصة صنف الشَّموطي ذي القشرة السميكة التي تحتمل الشحن البحري الطويل. وانتشرت البيارات حول المدينة وفي قرى السهل الساحلي، وكانت البيارة وحدة إنتاجية متكاملة تضم البئر والبركة وغرفة الضخ وبيت الحارس ومخزن الفرز والتغليف. وتوسعت زراعة الحمضيات وتصديرها بسرعة منذ أواخر القرن التاسع عشر، وبلغت ذروتها في أواخر الثلاثينيات حين صارت الحمضيات أهم صادرات فلسطين على الإطلاق، وكانت بريطانيا السوق الأكبر لها.

وقد أوجدت هذه التجارة شبكة واسعة من المهن: عمال القطاف، والفرّازين، واللفّافات اللواتي يلففن كل حبة بورق خاص، والنجارين الذين يصنعون الصناديق، والنقّالين، وأصحاب العربات والمراكب، والوسطاء ووكلاء الشحن.

أسواق يافا

تركزت الحياة التجارية في يافا حول ساحة الساعة التي شُيّد برجها مطلع القرن العشرين، وفي الأسواق المحيطة بها كسوق الدير وسوق البلابسة وسوق الإسكافية، فضلًا عن شارع جمال باشا (شارع الملك جورج لاحقًا) وشارع بسترس. وعزز خط سكة حديد يافا–القدس، الذي افتُتح عام 1892، دور يافا ميناءً لمدينة القدس والحجاج.

سادسًا: القدس، أسواق المدينة المقدسة

تميز اقتصاد القدس بخصوصية نابعة من مكانتها الدينية؛ فإلى جانب كونها مركزًا إداريًا وسوقًا لقرى المنطقة، كانت تعتمد اعتمادًا كبيرًا على اقتصاد الحج والزيارة والأوقاف والمؤسسات الدينية من مختلف الطوائف.

الأسواق التاريخية

تضم البلدة القديمة منظومة أسواق متصلة، أبرزها:

  • الأسواق الثلاثة المتوازية: سوق العطارين وسوق اللحامين وسوق الخواجات، وهي أسواق مسقوفة متجاورة في قلب المدينة يعود تخطيطها إلى العصور الوسطى.
  • سوق القطانين: من أجمل الأسواق المملوكية، شيّده الأمير تنكز في القرن الرابع عشر الميلادي، ويؤدي مباشرة إلى المسجد الأقصى، وقد ارتبط بتجارة القطن والأقمشة.
  • سوق خان الزيت: الشريان التجاري الممتد من باب العامود جنوبًا، وارتبط اسمه بتجارة الزيت والمواد الغذائية.
  • سوق باب السلسلة وسوق الباشورة وسوق أفتيموس الذي بني مطلع القرن العشرين في منطقة الموارستان.
شارع يافا في القدس بين 1898 و1914 بمحلاته ولافتاته التجارية
شارع يافا، الشريان التجاري للقدس الجديدة خارج الأسوار، بين 1898 و1914. المصدر: مجموعة ماتسون، مكتبة الكونغرس (LC-DIG-matpc-06541)، ملكية عامة.

التوسع خارج الأسوار

مع أواخر القرن التاسع عشر امتد النشاط التجاري خارج الأسوار، ولا سيما في محيط باب الخليل وعلى طول طريق يافا، حيث افتُتحت فنادق ووكالات سفر ومصارف ومتاجر حديثة تخدم السياح والحجاج والجاليات الأجنبية. وأسهم ذلك في تكوّن مركز تجاري جديد إلى جانب الأسواق التقليدية.

صناعات مرتبطة بالقدس ومحيطها

نشأت حول القدس صناعات ارتبطت بالحج، أبرزها صناعة التحف الدينية من خشب الزيتون والصدف في بيت لحم، كالمسابح والصلبان والنماذج المصغرة للأماكن المقدسة، وقد صدّرها تجار بيت لحم إلى أوروبا والأمريكتين، وأسسوا لها شبكات تجارية في المهجر.

سابعًا: عكا، الخانات وتجارة القطن

عرفت عكا أوج ازدهارها التجاري في القرن الثامن عشر، حين اتخذها ظاهر العمر الزيداني مركزًا لحكمه، فأعاد إعمارها وجعل منها ميناءً رئيسيًا لتصدير القطن والحبوب من الجليل إلى أوروبا، ولا سيما إلى فرنسا عبر تجار مرسيليا. وقد سعى ظاهر العمر إلى احتكار تجارة القطن، فجعل نفسه وسيطًا بين المزارعين والتجار الأوروبيين.

وواصل خلفه أحمد باشا الجزار هذه السياسة، وشيّد منشآت تجارية ضخمة، أبرزها خان العُمدان (نحو 1784–1785) قرب الميناء، بطابقيه وأعمدته الغرانيتية المنقولة من قيسارية، وكان مخصصًا لإيواء التجار وتخزين البضائع. وتضم عكا كذلك خان الإفرنج وخان الشونة وخان الشواردة، والسوق الأبيض والسوق التركي، وهي شواهد على حيوية المدينة التجارية.

ثم أخذ دور عكا يتراجع في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لصالح حيفا، بسبب ضحالة مينائها وعدم قدرته على استقبال السفن البخارية الكبيرة، ولكنها بقيت سوقًا مهمًا لقرى الجليل الغربي ومركزًا لصيد الأسماك والحرف التقليدية.

ثامنًا: الموانئ وطرق التجارة

توزعت التجارة الخارجية الفلسطينية على عدد من الموانئ الساحلية، لكل منها ظهير زراعي يغذّيه:

  • يافا: ميناء وسط فلسطين والقدس، ومنفذ الحمضيات الرئيس.
  • حيفا: صعد نجمها مع وصول فرع سكة حديد الحجاز إليها عام 1905، ثم مع افتتاح الميناء الحديث عام 1933، فأصبحت الميناء الأول في البلاد، ومحطة لأنابيب نفط العراق.
  • عكا: ميناء الجليل التاريخي وتجارة القطن والحبوب.
  • غزة: منفذ الجنوب، واشتهرت بتصدير الشعير إلى بريطانيا حيث استُخدم في صناعة الجعة، إلى جانب تجارتها البرية مع مصر والنقب.

أما الطرق البرية فقد ربطت المدن الفلسطينية بدمشق وبيروت والقاهرة وشرقي الأردن. وكانت القوافل من الجمال والبغال والحمير وسيلة النقل الأساسية حتى مطلع القرن العشرين، ثم دخلت السكك الحديدية والعربات والشاحنات والحافلات، فأحدثت تحولًا في سرعة النقل وكلفته وأعادت رسم العلاقة بين المراكز والأطراف.

تاسعًا: الحرف والصناعات التقليدية

قامت الحرف الفلسطينية على المواد الخام المحلية، وتوزعت جغرافيًا بحسب توفر هذه المواد وتقاليد كل مدينة. ومن أبرزها:

الحرفةالمراكز الرئيسيةالمادة الخام والأسواق
صناعة الصابوننابلس، ومن قبلها القدس والخليل ويافا والرملةزيت الزيتون والقلي؛ تُصدّر إلى مصر والشام وشرقي الأردن
الزجاجالخليلالرمل والقلي؛ أساور وقناديل وأوانٍ تُباع في فلسطين والبلاد المجاورة
الفخارغزة والخليل وقرى عديدةالطين المحلي؛ جرار وأباريق وأوانٍ منزلية
النسيجالمجدل وغزة ونابلسالقطن والحرير؛ أقمشة "المجدلاوي" للأثواب الفلاحية
الصدف وخشب الزيتونبيت لحم وبيت جالاخشب الزيتون والصدف المستورد؛ تحف دينية للحجاج والتصدير
التطريزالقرى الفلسطينية عمومًاخيوط الحرير والقطن؛ لكل منطقة طرازها المميز
عصر الزيت والسمسمالقرى والمدنالزيتون والسمسم؛ معاصر حجرية ومطاحن للطحينة والحلاوة
الدباغة والأحذيةالخليل والقدس ونابلسجلود المواشي؛ أحذية وسروج وقِرَب

وكانت هذه الحرف تنتقل بالوراثة داخل العائلات، حتى ارتبطت أسماء عائلات بحرفها (كالزجاج والنحاس والدباغ والصباغ). كما أدّت المرأة الريفية دورًا اقتصاديًا مهمًا في التطريز وصناعة السلال والقش والفخار اليدوي وإنتاج الألبان، ثم في العمل المأجور في بيارات الحمضيات خلال عهد الانتداب.

عاشرًا: التجار وشبكات الائتمان

تدرّج الهرم التجاري الفلسطيني من كبار التجار الذين يعملون في الاستيراد والتصدير ويمتلكون الخانات والمصابن والبيارات، إلى تجار الجملة في الأسواق المركزية، ثم أصحاب الدكاكين، وصولًا إلى الباعة الجوالين. وكان كثير من كبار التجار ينتمون إلى عائلات حضرية متنفذة جمعت بين التجارة وملكية الأراضي والمناصب الإدارية والدينية.

اعتمدت التجارة على الثقة والسمعة والعلاقات العائلية أكثر من العقود المكتوبة، وانتشرت أشكال الائتمان التقليدية كالسلم والدَّين المؤجل حتى الموسم. وتعاملت الأسواق بعملات متعددة: القرش والمجيدي العثمانيين، والجنيه المصري الذي ساد بعد الحرب العالمية الأولى، حتى أصدرت سلطات الانتداب الجنيه الفلسطيني عام 1927.

وفي عهد الانتداب ظهرت مؤسسات اقتصادية حديثة، منها الغرف التجارية العربية في المدن الكبرى، والبنك العربي الذي أسسه عبد الحميد شومان في القدس عام 1930، إلى جانب الشركات المساهمة وجمعيات التعاون الزراعي، مما يدل على محاولة الطبقة التجارية الفلسطينية مواكبة الأشكال الحديثة لرأس المال.

حادي عشر: العلاقة بين القرية والمدينة

شكّلت العلاقة بين الريف والمدينة جوهر الاقتصاد الفلسطيني قبل 1948، إذ كان أغلب السكان من الفلاحين، وكانت المدينة سوقهم ومركز إدارتهم وقضائهم ومصدر حاجاتهم المصنّعة.

التبادل السلعي

كان الفلاحون يحملون إلى أسواق المدن منتجاتهم: القمح والشعير والعدس والسمسم، وزيت الزيتون، والعنب والتين والدبس، والمواشي والألبان والبيض والحطب والفحم. وفي المقابل يشترون الأقمشة والسكر والأرز والقهوة والكاز والأدوات المعدنية والملح. وكانت النساء القرويات يحملن سلال الخضار والفاكهة على رؤوسهن إلى الأسواق، مشهدًا يوميًا مألوفًا عند أبواب القدس ونابلس ويافا.

علاقة غير متكافئة

لم تكن العلاقة بين الطرفين متكافئة دائمًا؛ فقد عانى كثير من الفلاحين من المديونية للتجار والمرابين، بسبب تقلّب المواسم والضرائب وارتفاع الفوائد. وأظهرت التقارير الرسمية في عهد الانتداب حجم هذه المديونية، وكانت أحد الأسباب التي دفعت بعض الفلاحين إلى بيع أراضيهم أو رهنها، أو الهجرة إلى المدن للعمل المأجور في الموانئ والبيارات والمعسكرات.

تكامل وتداخل اجتماعي

ومع ذلك، لم تكن الحدود بين القرية والمدينة حادة؛ فكثير من العائلات المدينية ملكت أراضي في القرى، وكثير من القرويين أقاموا علاقات مصاهرة وشراكة مع تجار المدن. وكانت المدينة تتبنى منتجات القرية وتعيد تصنيعها، كما في تحويل زيت القرى إلى صابون نابلسي يُصدّر إلى الخارج، في نموذج واضح على التكامل الاقتصادي بين الطرفين.

ثاني عشر: التحولات في عهد الانتداب

أحدث الانتداب البريطاني تحولات بنيوية في الاقتصاد الفلسطيني، يمكن إجمالها في الآتي:

  • تحديث البنية التحتية: شق طرق جديدة، وتوسيع شبكة السكك الحديدية، وإنشاء ميناء حيفا الحديث، مما سهّل حركة البضائع لكنه أعاد توزيع الثقل التجاري بين المدن.
  • السياسات الجمركية: تعرضت بعض الصناعات الحرفية للمنافسة من البضائع المستوردة الرخيصة، بينما خسرت صناعات أخرى أسواقها الإقليمية بفعل الحدود والرسوم الجديدة، كما حدث للصابون النابلسي.
  • ازدواجية الاقتصاد: نشأ تدريجيًا اقتصاد يهودي منفصل يقوم على رأس مال وافد ومؤسسات خاصة، وتبنّى سياسات تفضيل العمالة والمنتجات اليهودية، ما وضع التجار والعمال العرب أمام منافسة غير متكافئة.
  • الإضراب الكبير (1936): شهدت البلاد إضرابًا عامًا استمر نحو ستة أشهر، أغلقت خلاله الأسواق والموانئ العربية، وكان له أثر اقتصادي بالغ، إذ تزامن مع تعزيز موانئ ومرافق بديلة.
  • الحرب العالمية الثانية: أدت حاجات الجيوش البريطانية إلى انتعاش مؤقت في بعض القطاعات، رافقه غلاء وتقنين ونظام رقابة على الأسعار والمواد.

ثالث عشر: النكبة ونهاية المشهد التجاري

جاءت نكبة عام 1948 لتضع حدًا لهذا العالم التجاري المتكامل. فقد هُجّر معظم سكان المدن الساحلية العربية، وفي مقدمتها يافا وحيفا وعكا والمجدل واللد والرملة، وفقدت الأسواق تجارها وحرفييها وزبائنها. وانقطعت الصلة بين مدن الداخل كنابلس والخليل والقدس الشرقية وبين الموانئ التي كانت منافذها إلى العالم، كما فُصلت كثير من القرى عن مدنها وأسواقها التقليدية.

وتحولت أسواق كثيرة إلى أطلال أو أعيد توظيفها، بينما حمل اللاجئون معهم حرفهم وخبراتهم التجارية إلى المنافي ومخيمات اللجوء، فأسهموا في اقتصادات البلدان المضيفة، وبقيت ذاكرة الأسواق الفلسطينية القديمة حيّة في الروايات الشفوية والصور والوثائق.

خاتمة

تكشف دراسة الأسواق والتجارة في فلسطين قبل عام 1948 عن مجتمع حيّ ومتكامل اقتصاديًا، تفاعلت فيه المدينة مع القرية والبادية، وارتبط فيه الداخل الجبلي بالساحل والموانئ، والسوق المحلي بالأسواق الإقليمية والعالمية. فمن مصابن نابلس إلى بيارات يافا، ومن أسواق القدس المسقوفة إلى خانات عكا، ومن سوق بئر السبع الأسبوعي إلى مواسم النبي روبين والنبي موسى، تتشكل صورة لاقتصاد فلسطيني عربي ذي جذور عميقة وقدرة على التكيف مع التحولات.

وتبقى هذه الموضوعات حقلًا خصبًا للبحث، يحتاج إلى مزيد من العمل على سجلات المحاكم الشرعية، وأرشيفات الغرف التجارية، ودفاتر العائلات التجارية، والتاريخ الشفوي لمن عاصروا تلك المرحلة، قبل أن تغيب شهاداتهم.

المصادر والمراجع المقترحة للباحثين

بالعربية

  1. الدباغ، مصطفى مراد. بلادنا فلسطين. أجزاء متعددة، طبعات مختلفة.
  2. النمر، إحسان. تاريخ جبل نابلس والبلقاء. نابلس، أجزاء متعددة.
  3. دوماني، بشارة. إعادة اكتشاف فلسطين: أهالي جبل نابلس 1700–1900. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1998.
  4. شولش، ألكسندر. تحولات جذرية في فلسطين 1856–1882: دراسات حول التطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ترجمة كامل جميل العسلي. عمّان: الجامعة الأردنية.
  5. الخالدي، وليد. قبل الشتات: التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876–1948. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
  6. بلدية نابلس. مصابن نابلس. نابلس، 1999.

بالإنجليزية

  1. Doumani, Beshara. Rediscovering Palestine: Merchants and Peasants in Jabal Nablus, 1700–1900. Berkeley: University of California Press, 1995.
  2. Schölch, Alexander. Palestine in Transformation, 1856–1882. Washington: Institute for Palestine Studies, 1993.
  3. Philipp, Thomas. Acre: The Rise and Fall of a Palestinian City, 1730–1831. New York: Columbia University Press, 2001.
  4. Yazbak, Mahmoud. Haifa in the Late Ottoman Period, 1864–1914: A Muslim Town in Transition. Leiden: Brill, 1998.
  5. Kark, Ruth. Jaffa: A City in Evolution, 1799–1917. Jerusalem: Yad Izhak Ben-Zvi, 1990.
  6. Seikaly, Sherene. Men of Capital: Scarcity and Economy in Mandate Palestine. Stanford: Stanford University Press, 2016.
  7. Government of Palestine. A Survey of Palestine. Jerusalem, 1946.

أرشيفات بصرية ورقمية

  • مجموعة ماتسون للصور (G. Eric and Edith Matson Photograph Collection)، مكتبة الكونغرس الأمريكية: أكثر من 23 ألف صورة لفلسطين بين 1898 و1946، وأغلبها في الملكية العامة.
  • أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي: صور ووثائق عائلية وتجارية، منها صور مصابن نابلس.
  • موسوعة "فلسطين: سؤال وجواب" (PalQuest) الصادرة عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.