جنين من الملحمة إلى المجزرة
بين 3 و11 نيسان 2002 خاض مقاومو مخيم جنين للاجئين واحدة من أشرس معارك الانتفاضة الثانية، فصمدوا ثمانية أيام أمام الدبابات والمروحيات، وأوقعوا في كمين واحد 13 جنديًا من جنود الاحتلال. ثم أطلق الاحتلال جرافاته، فسوّى حي الحواشين في قلب المخيم بالأرض، ودمّر نحو 150 مبنى، وقتل 52 فلسطينيًا قد يكون نصفهم من المدنيين، ومنع الإسعاف عن الجرحى والعالم عن المخيم أيامًا. وقال مبعوث الأمم المتحدة تيري رود لارسن بعد دخوله المخيم إن المشهد «مروّع وصادم»، وإن ما استُخدم فيه من وسائل «مقزز أخلاقيًا». [1] [2]
عُرفت معركة مخيم جنين فلسطينيًا بـ«الملحمة»، وعُرف ما انتهت إليه بـ«المجزرة». يروي هذا المقال الحكايتين معًا: صمود المقاومين، ثم الدمار والحصار والقتل، وما بين المصادر من اختلاف في الأرقام.
مجزرة جنين في سطور
| البند | التفاصيل |
|---|---|
| التاريخ | 3–11 نيسان 2002، وانسحب الجيش في 18 نيسان [1] [3] |
| المكان | مخيم جنين للاجئين، شمال الضفة الغربية [1] |
| العملية | «السور الواقي»، التي اجتاح فيها الاحتلال مدن الضفة الغربية [1] |
| القوات المهاجمة | ألوية مشاة ووحدات كوماندوز، وأكثر من 60 دبابة، وعشرات المدرعات والمروحيات الهجومية [4] |
| الشهداء | 52 شهيدًا مؤكدًا، قد يكون نصفهم من المدنيين [1] |
| قتلى الاحتلال | 23 جنديًا، منهم 13 في كمين 9 نيسان [1] |
| الدمار | نحو 150 مبنى، و450 عائلة بلا مأوى، وحي الحواشين سُوّي بالأرض [1] |
قبل المعركة
في 29 آذار 2002 أطلق الاحتلال عملية «السور الواقي»، فاجتاح مدنها الكبرى واحدة بعد أخرى. [1] ولم يكن مخيم جنين غريبًا على الاجتياحات، فقد كانت هذه سادس مرة يُقتحم فيها المخيم والمدينة منذ بدء الانتفاضة الثانية، وآخرها قبل شهر واحد في اجتياح شباط وآذار. [5]
وكان المقاومون يعرفون أن الاقتحام آتٍ، فأعلنوا أنهم لن يسمحوا باحتلال المخيم إلا فوق جثثهم، ولن ينسحبوا منه. وتقول الرواية المتداولة إن الاحتلال حشد للعملية أكثر من 20 ألفًا من جنود الاحتياط ونحو 400 دبابة وناقلة جند، والمعروف أن رقم الـ20 ألفًا يخص عملية «السور الواقي» كلها، فيما تذكر المصادر أن أكثر من 60 دبابة وعشرات المدرعات والمروحيات الهجومية شاركت في الهجوم على جنين. [4]
الملحمة: ثمانية أيام من المقاومة
في 3 نيسان 2002 دخلت قوات الاحتلال مدينة جنين ومخيمها، وفرضت حظر تجول شاملًا على مدار الساعة. [1] وقاتل مئات المقاومين من مختلف الفصائل في أزقة المخيم الضيقة، فتعثر تقدم الاحتلال أيامًا. [4]
حوّل المقاومون المخيم إلى ساحة حرب حقيقية؛ فزرعوا العبوات الناسفة في الأزقة والساحات وعند المداخل، ونصبوا الكمائن داخل البيوت للجنود الذين كانوا يتقدمون بهدم الجدران من بيت إلى بيت. [5] وتروي الرواية المتداولة أن المقاومين لغّموا بيوتًا كاملة توقعوا دخول الجنود إليها، ومنها بيت الشهيد محمود طوالبة، الذي قُتل فيه جنديان وجُرح خمسة.
وكان من أبرز قادة المعركة محمود طوالبة، قائد سرايا القدس في المخيم، الذي رفض مغادرة المخيم رغم إلحاح رفاقه، واستشهد في 8 نيسان مع رفيقيه شادي النوباني وعبد الرحيم فرج، ويوسف ريحان «أبو جندل»، الذي كان ينتقل من موقع إلى موقع يحث المقاتلين على الصمود. [5] وتقول الرواية المتداولة إن خسائر الاحتلال دفعت قيادته إلى تغيير قادة العملية الميدانيين أكثر من مرة.
وعجز الاحتلال عن اقتحام المخيم أيامًا، فكثّف القصف بالمروحيات والصواريخ، وتقدمت الجرافات أمام الدبابات، وقُصفت البيوت التي صعب اقتحامها وهُدمت. [5] [1] وكان أعنف القتال بين 5 و9 نيسان. [1]
كمين التاسع من نيسان
في 9 نيسان 2002 وقع جنود الاحتلال في كمين داخل المخيم، فقُتل منهم 13 جنديًا دفعة واحدة، وقُتل جندي آخر في موقع آخر من المخيم في اليوم نفسه. [1] وصار «كمين الـ13» اللحظة الفاصلة في المعركة. [5] وبلغ مجموع قتلى الاحتلال في جنين 23 جنديًا. [1] [6]
المجزرة: الجرافات وحي الحواشين
بعد الكمين صعّد الاحتلال هجومه. وبحلول 11 نيسان كان القتال قد انتهى. [1] وكانت الجرافات العسكرية تتقدم في الصفوف الأمامية، فتهدم البيوت وتفتح الطرق للدبابات. [5] [4]
ودُمّر حي الحواشين في قلب المخيم تدميرًا كاملًا، حتى «سُوّي بالأرض فعليًا» بحسب تقرير الأمين العام للأمم المتحدة. ودُمّر نحو 150 مبنى، وصارت مبانٍ كثيرة أخرى آيلة للسقوط، وبقيت نحو 450 عائلة بلا مأوى، وقُدّرت الأضرار بنحو 27 مليون دولار. [1] وتقول المصادر إن الجرافات هدمت بيوتًا على رؤوس ساكنيها. [4]
الحصار: الجرحى والمستشفى
في 4 نيسان أغلقت قوات الاحتلال مستشفى جنين، ومنعت من فيه من الفلسطينيين من الخروج حتى 15 نيسان. ومُنعت وكالات الأمم المتحدة من دخول المخيم أيامًا، ولم يدخل الهلال الأحمر والصليب الأحمر إلا في 15 نيسان، بمرافقة عسكرية، فانتشلوا سبع جثث ثم انسحبوا. [1] وبقي الجرحى في البيوت والأزقة أيامًا بلا إسعاف. [1]
وفي 18 نيسان رُفع حظر التجول وانسحب الجيش، فانتقد كبار مسؤولي الأمم المتحدة رفض الاحتلال السماح «بوصول كامل وآمن إلى السكان المتضررين». [1]
شهادات الصحفيين والأمم المتحدة
دخل مبعوث الأمم المتحدة للشرق الأوسط، تيري رود لارسن، المخيم في 18 نيسان، فقال إن المشهد «مروّع وصادم»، وإن «رائحة الجثث المتحللة تحت الأنقاض فظيعة»، وإن المخيم «يبدو كأن زلزالًا ضربه». ووصف الوسائل التي استُخدمت بأنها «غير مقبولة إطلاقًا ومقززة أخلاقيًا». [2] وتتداول المصادر العربية كلامه بصيغة: «إنها تفوق الخيال والوصف».
ووصف الصحفي الفرنسي بيار باربانسي، من صحيفة «لومانيتيه»، تطويق وسط المخيم بأنه «يشبه ما حدث في برلين عام 1945»، وقال إنه شمّ رائحة الجثث، وروى أن جثثًا أُلقيت في حفرة كبيرة في ساحة الحواشين ثم غُطيت بالركام وسُوّيت. [7] ووصف صحفيون آخرون جثثًا متفحمة تحت الركام، ومنهم مراسل صحيفة «إل مانيفستو» الإيطالية الذي رأى خمس جثث متفحمة مكدسة في غرفة واحدة. [7] وتنقل الرواية المتداولة أيضًا العثور على 14 جثة تحت أنقاض أحد المنازل.
أما مدير مستشفى جنين، محمد أبو غالي، فأكد في 18 نيسان وجود 36 جثة، وقدّر أن العدد قد يصل إلى 200–400. [6]
الحصيلة: ماذا تقول المصادر؟
| المصدر | الشهداء | ملاحظات |
|---|---|---|
| مستشفى جنين (تقرير الأمم المتحدة) | 52 مؤكدًا حتى نهاية أيار 2002 | قد يكون نصفهم من المدنيين [1] |
| هيومن رايتس ووتش | 22 مدنيًا على الأقل من بين الشهداء | بحسب تقرير الأمم المتحدة [1] |
| مدير مستشفى جنين (18 نيسان) | 36 جثة مؤكدة | وتقدير بأن العدد قد يصل إلى 200–400 [6] |
كانت التقديرات الفلسطينية الأولى للشهداء بالمئات، لأن المخيم بقي مغلقًا أيامًا، والجثث تحت الأنقاض، والمفقودون بالعشرات. ثم استقر الرقم المؤكد على 52، مع بقاء خلاف حول عدد المدنيين بينهم. [1] [6] لكن الحصيلة لا تختصر المجزرة: حيّ كامل سُوّي بالأرض، ومستشفى مغلق، وجرحى تُركوا ينزفون، وآلاف من أهل المخيم بلا مأوى.
التحقيق الذي لم يحدث
في 22 نيسان 2002 شكّل الأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان، فريقًا لتقصي الحقائق في جنين. لكن الاحتلال أثار «مخاوف» منعت الفريق من الانتشار، فاضطر الأمين العام إلى حله في 3 أيار، وكتب أن اعتراضات إسرائيل صارت «جوهرية في طبيعتها». [1] وهكذا لم يجرِ أي تحقيق دولي ميداني في ما حدث في مخيم جنين.
اقرأ عن جنين، والمجازر الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني.
خاتمة
كانت جنين في نيسان 2002 ملحمة ومجزرة في آن: مخيم صغير صمد ثمانية أيام أمام جيش كامل، وأوقع فيه خسائر لم يتوقعها، ثم دفع الثمن حيًا كاملًا سُوّي بالأرض، وعشرات الشهداء، وجرحى تُركوا بلا إسعاف، وتحقيقًا دوليًا مُنع من الحدوث. وما يزال اسم «مخيم جنين» منذ ذلك الربيع رمزًا للصمود في الذاكرة الفلسطينية.
أسئلة شائعة عن مجزرة جنين 2002
متى وقعت مجزرة جنين؟
وقعت خلال اجتياح مخيم جنين بين 3 و11 نيسان 2002، ضمن عملية «السور الواقي»، وانسحب جيش الاحتلال في 18 نيسان.
كم عدد شهداء مجزرة جنين 2002؟
تأكد استشهاد 52 فلسطينيًا بحسب مستشفى جنين وتقرير الأمم المتحدة، قد يكون نصفهم من المدنيين، فيما كانت التقديرات الفلسطينية الأولى بالمئات.
ما هو كمين الـ13 في جنين؟
هو الكمين الذي نصبه المقاومون لقوات الاحتلال داخل المخيم في 9 نيسان 2002، فقُتل فيه 13 جنديًا، وصار لحظة فاصلة في المعركة.
ماذا حدث لحي الحواشين؟
سوّته جرافات الاحتلال بالأرض، ضمن نحو 150 مبنى دُمّرت في المخيم، وبقيت نحو 450 عائلة بلا مأوى.
لماذا لم تحقق الأمم المتحدة في مجزرة جنين؟
شكّل الأمين العام فريقًا لتقصي الحقائق في 22 نيسان 2002، لكن إسرائيل منعت انتشاره، فحُلّ الفريق في 3 أيار 2002.
المصادر والمراجع
- «تقرير الأمين العام للأمم المتحدة عن الأحداث في جنين والمدن الفلسطينية الأخرى» (A/ES-10/186)، 30 تموز 2002 (بالإنجليزية).
- نص بث «سي إن إن»، 18 نيسان 2002 (بالإنجليزية).
- «مجزرة مخيم جنين، 2002»، مركز المعلومات الوطني الفلسطيني (وفا).
- «مجزرة جنين»، موسوعة المعرفة.
- مازن وليد، «معركة مخيم جنين 2002.. ومضات من حرب لم تنتهِ»، منصة إطار، 23 أيلول 2023.
- «الشرق الأوسط، 18 نيسان 2002»، PBS NewsHour (بالإنجليزية).
- «مخيم جنين الشاهد والشهيد»، صحيفة البيان، 22 أيار 2002.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.