برتقال يافا قبل النكبة: من البيارة إلى موانئ أوروبا
برتقال يافا، أو البرتقال الشموطي، كان أشهر منتج فلسطيني في العالم قبل نكبة 1948، وأكبر صادرات البلاد. زرعه أهل يافا وقراها في بيارات تسقيها آبار قريبة الماء، وقطفوه ولفّوه بالورق وعبّأوه في صناديق خشبية، ثم حملته الفلوكات من ميناء يافا إلى السفن المتجهة إلى ليفربول ولندن وموانئ أوروبا. وفي منتصف الثلاثينيات كانت الحمضيات تشكّل نحو 79% من قيمة الصادرات الزراعية والصناعية لفلسطين. [1]
يروي هذا المقال رحلة البرتقالة اليافاوية من البيارة إلى موانئ أوروبا: كيف نشأت البيارات، ومن عمل فيها، وكيف كانت الثمرة تُقطف وتُعبّأ وتُشحن، وماذا حلّ بهذا العالم عام 1948.
برتقال يافا بالأرقام
تُظهر الأرقام كيف تحوّل برتقال يافا خلال قرن من محصول محلي إلى صناعة تصديرية كبرى:
| السنة | المؤشر | المصدر |
|---|---|---|
| 1856 | تصدير نحو 20 مليون برتقالة | [2] |
| 1880 | تصدير نحو 36 مليون برتقالة | [2] |
| 1881 | نحو 500 بيارة فيها قرابة 800 ألف شجرة حول يافا | [3] |
| 1890 | 7,500 دونم من البيارات، و60 محركًا بخاريًا لسحب المياه | [2] |
| 1895 | تصدير 260 ألف صندوق | [2] |
| 1905 | تصدير 500 ألف صندوق | [2] |
| 1913–1914 | نحو 1.5 مليون صندوق، أكثر من 80% منها من بيارات عربية، وأكثر من 30 ألف دونم من البيارات | [2] |
| 1930–1931 | تصدير 2.47 مليون صندوق من الحمضيات | [1] |
| 1935–1937 | الحمضيات نحو 79% من قيمة الصادرات الزراعية والصناعية | [1] |
| 1937–1938 | تصدير 11.44 مليون صندوق، 85% منها برتقال | [1] |
البرتقال الشموطي: ثمرة يافا
عُرف برتقال يافا في فلسطين باسم «الشموطي»، وهو الصنف الذي شكّل معظم إنتاج البلاد وصادراتها. [1] تميّز بقشرته السميكة التي تحفظ الثمرة طازجة مدة طويلة، فصار مثاليًا للشحن البحري إلى أسواق بعيدة. [4] وإلى جانبه زرع الفلسطينيون البرتقال «البلدي» للاستهلاك المحلي. [3]
وبلغت شهرة البرتقال اليافاوي حدًّا جعل القنصل الأمريكي في القدس، هنري غيلمان، يشيد به عام 1886 ويقترح على مزارعي فلوريدا تعلّم أساليب الفلسطينيين في زراعته. [4]
البيارة اليافاوية: البئر والبركة والبستان
البيارة هي بستان البرتقال الفلسطيني، وأخذت اسمها من «البئر» الذي يسقيها. وقد ساعد يافا على ذلك أن مياهها الجوفية قريبة من السطح، على عمق أمتار قليلة، فكان حفر الآبار سهلًا نسبيًا. [3]

وتصف المصادر البيارة التقليدية هكذا: [3]
- البئر والساقية: في البداية كان الماء يُرفع بساقية يجرّها جمل أو ثور.
- البركة: يتجمع فيها الماء قبل توزيعه.
- القنوات: مبطّنة بالحجر، تنقل الماء إلى صفوف الأشجار المستقيمة.
- السياج: من نبات الصبر يحيط بالبيارة.
ومع أواخر القرن التاسع عشر دخلت المحركات البخارية لسحب المياه، وبلغ عددها 60 محركًا عام 1890. [2] ثم انتشرت المضخات الآلية في العشرينيات، فصار لكل بيارة بئرها الخاص وتضاعف عدد البيارات. [3]
من 500 بيارة إلى سهل كامل
استثمر تجار يافا أموالهم في البيارات، وتركّزت بيارات كثيرة قرب نهر العوجا شمال المدينة. وانضم إليهم مستثمرون من نابلس والقدس ولبنان. وكانت قبيلة أبو كشك تسيطر على منطقة العوجا ومطاحنها، وتنقل صناديق البرتقال بقوافل الجمال إلى الميناء. [3]
وفي عام 1881 وصف القنصل البريطاني زراعة الحمضيات بأنها أربح استثمار في البلاد، وأحصت القنصلية الأمريكية نحو 500 بيارة فيها قرابة 800 ألف شجرة، تضاعفت أربع مرات خلال ثلاثة عقود. [3] واتسعت مساحة البيارات حول يافا من 7,500 دونم عام 1890 إلى 12 ألف دونم عام 1904، ثم إلى أكثر من 30 ألف دونم عام 1914. [2]
حتى الحرب العالمية الأولى كانت البيارات العربية مصدر أكثر من 80% من صناديق البرتقال المصدّرة. [2] لكن خلال الانتداب البريطاني توسعت المستعمرات الصهيونية في زراعة الحمضيات، حتى صار نحو 60% من مساحتها مملوكًا لليهود بحلول 1937، وكان جزء كبير من هذه المساحة الجديدة لم يبلغ سن الإثمار بعد. [1]
موسم القطاف
كان موسم البرتقال مناسبة وطنية في يافا منذ القرن التاسع عشر. [4] يبدأ قطف البرتقال عادة في منتصف تشرين الثاني، ويبلغ ذروته بين كانون الأول وآذار. [1]

يقطف «القصّاصون» الثمار بالمقصّات، ويساعد كل واحد منهم حمّالان. وكانت الثمرة تُعامل بلطف شديد حتى لا تُكدم، لأن الكدمة تفسدها في رحلة البحر الطويلة. [3]
الفرز واللف والتعبئة
كان لكل بيارة تقريبًا مخزن تعبئة خاص بها، وجرى العمل فيه يدويًا على مراحل منفصلة. [1]

- الفرز: يختار «الناقد» الثمار الصالحة للتصدير، وتُصنّف في ثلاث درجات. [3] [1]
- الختم: تُختم الثمرة بعلامة التاجر. [1]
- اللف: تُلف كل برتقالة بورقة رقيقة، وكان اللفّاف الماهر يلف نحو 10 آلاف ثمرة في اليوم. [3]
- التعبئة: تُرصّ الثمار في صناديق خشبية يصنعها النجّارون، يتسع الصندوق لنحو 120 برتقالة كبيرة أو 180 متوسطة أو 210 صغيرة، ويُكتب عليه بالإنجليزية العدد والصنف والوجهة وعبارة «Jaffa Oranges». [3]

وكان فريق يعبّئ مئة صندوق في اليوم يضم فارزَين وخاتمًا ولفّافَين ومعبّئًا ونجّارًا ومساعدًا. ويزن الصندوق المصدّر نحو 30 كيلوغرامًا. [1] وكانت المخازن تنتج بين 200 و700 صندوق يوميًا أو أكثر. [3]
عمال البيارات والسكنات
شغّلت البيارات آلاف العمال. ففي مطلع القرن العشرين عمل نحو 5 آلاف شخص موسميًا في فرز البرتقال وتغليفه، ونحو 3 آلاف عامل دائم في البيارات. [2]

وجذب العمل في الحمضيات عمالًا من مصر والسودان وسوريا ولبنان والأردن والعراق واليمن. سكن هؤلاء أولى الضواحي خارج أسوار يافا، التي عُرفت بـ«السكنات»، مثل سكنة درويش وسكنة أبو كبير، وبلغ عددها نحو ثلاثين. [3] وكان المخزن الواحد يشغّل بين 60 و70 عاملًا في الموسم. [3]
من البيارة إلى الميناء: الجمال والفلوكات
كانت صناديق البرتقال تُنقل من البيارات على ظهور الجمال، ثم بالسيارات لاحقًا، إلى ميناء يافا. وهناك يفحصها مفتشو دائرة الزراعة قبل الشحن. [3]

ولم يكن في يافا رصيف عميق ترسو عنده السفن الكبيرة، فكانت الصناديق تُحمَّل في «الفلوكات»، وهي قوارب صغيرة ينقلها البحارة إلى البواخر الراسية في عرض البحر. [2] [1] وفي موسم 1937–1938 مرّ عبر ميناء يافا نحو 34% من صادرات الحمضيات، وعبر ميناء حيفا العميق نحو 55%. [1]

إلى موانئ أوروبا
منذ القرن التاسع عشر كانت صناديق البرتقال تتجه إلى مصر واسطنبول ولندن وليفربول. [4] وبدأ تصدير كميات كبيرة إلى أوروبا منذ عام 1875. [2] وظلت بريطانيا السوق الرئيسية طوال عهد الانتداب، وكان نحو 45% من البرتقال المعروض فيها يُباع بالمزاد. [1]
وفي أواخر الثلاثينيات كانت فلسطين ثاني أكبر مصدّر للحمضيات في العالم بعد إسبانيا، رغم أنها خامس منتج عالمي، وكانت شحناتها تفوق شحنات الولايات المتحدة بكثير. [1]
الثورة والحرب: سنوات صعبة
لم يكن الطريق ممهدًا دائمًا. فبعد الثورة الفلسطينية الكبرى (1936–1939)، استغلت المؤسسات الصهيونية غياب بعض الملاك الفلسطينيين لشراء أراضٍ منهم. [4] ثم جاءت الحرب العالمية الثانية فعطّلت الملاحة في البحر المتوسط، وأتلفت مساحات واسعة من البيارات بعد أن كان يُتوقع أن يبلغ التصدير 25 مليون صندوق. [4]
النكبة: البيارات بلا أصحابها
في نكبة 1948 هُجّر معظم أهل يافا وقراها، وانتقلت البيارات العربية إلى سيطرة الدولة الجديدة. ويذكر المؤرخ والصيدلاني اليافاوي فخري جدي أن أعدادًا كبيرة من البيارات اقتُلعت بعد طرد أهلها، وأن السكنات هُدمت في العام نفسه. [3]
ويروي الشيخ إسماعيل أبو شحادة، أحد أبناء يافا، أن بيارة عائلته في كرم الدلق، ومساحتها 18 دونمًا، صودرت بلا تعويض، وأن بيارة أخرى في دوّار أبو كبير، مساحتها 22 دونمًا، صودرت عام 1965 مقابل مبلغ زهيد، وتقوم عليها اليوم مدرسة. [3]
واستمرت علامة «Jaffa» بعد النكبة، لكنها صارت تُسوَّق باسم الدولة التي قامت على أنقاض المدينة، فيما تشتّت المزارعون والعمال الذين بنوا شهرتها في المنافي والمخيمات. [4]
البرتقال في الذاكرة الفلسطينية
صار البرتقال رمزًا للفقد الفلسطيني. وأشهر تعبير عن ذلك مجموعة غسان كنفاني القصصية «أرض البرتقال الحزين» التي صدرت عام 1962، وكتب قصتها الرئيسية في الكويت عام 1958. [4] وما زال اللاجئون من يافا يحتفظون بصور البيارات وقصص الآبار والسواقي، ويروونها لأبنائهم وأحفادهم.
اقرأ أيضًا في موقعنا: الصناعات الفلسطينية قبل النكبة، والصيد قبل النكبة: سمك وفير وزمن جميل على شواطئ فلسطين، ومسجد البحر في يافا.
خاتمة
كان برتقال يافا ثمرة جهد فلسطيني امتد أكثر من قرن: آبار تُحفر، وبيارات تُغرس، وأيدٍ تقطف وتلف وتعبّئ، وفلوكات تحمل الصناديق إلى البواخر. وحين وقعت النكبة لم تخسر فلسطين بيارات فقط، بل خسرت مدينة كاملة بنت اقتصادها وهويتها حول هذه الثمرة.
أسئلة شائعة عن برتقال يافا
ما هو برتقال يافا؟
برتقال يافا هو البرتقال الشموطي الذي زُرع في بيارات يافا والسهل الساحلي الفلسطيني، وتميّز بقشرته السميكة التي تحفظه طازجًا مدة طويلة. وكان أشهر منتج فلسطيني وأكبر صادرات فلسطين قبل نكبة 1948.
لماذا سُمّيت البيارة بهذا الاسم؟
سُمّيت البيارة نسبة إلى البئر الذي يسقيها. فقد كانت المياه الجوفية في يافا قريبة من السطح، فيُحفر لكل بستان بئر يُرفع ماؤه بساقية يجرها جمل أو ثور، ثم بالمحركات البخارية والمضخات الآلية لاحقًا.
كم كانت صادرات برتقال يافا قبل 1948؟
ارتفعت الصادرات من 260 ألف صندوق عام 1895 إلى نحو 1.5 مليون صندوق في 1913–1914، ثم إلى 11.44 مليون صندوق من الحمضيات في موسم 1937–1938. وشكّلت الحمضيات نحو 79% من قيمة الصادرات الزراعية والصناعية في 1935–1937.
إلى أين كان يُصدَّر برتقال يافا؟
صُدّر إلى مصر واسطنبول وأوروبا، وكانت بريطانيا سوقه الرئيسية، خاصة موانئ ليفربول ولندن. وفي أواخر الثلاثينيات كانت فلسطين ثاني أكبر مصدّر للحمضيات في العالم بعد إسبانيا.
كيف كان البرتقال يُشحن من ميناء يافا؟
لم يكن في يافا رصيف عميق للسفن الكبيرة، فكانت صناديق البرتقال تُحمَّل في قوارب صغيرة تُسمى الفلوكات، ينقلها البحارة إلى البواخر الراسية في عرض البحر.
ماذا حدث لبيارات يافا بعد النكبة؟
هُجّر معظم أهل يافا عام 1948، وانتقلت البيارات العربية إلى سيطرة الدولة الجديدة. واقتُلعت بيارات كثيرة وهُدمت السكنات، وصودرت بيارات أخرى في السنوات اللاحقة، بينما استمر تسويق علامة «Jaffa» دون أصحابها.
المصادر والمراجع
- وزارة الزراعة الأمريكية، The Citrus Industry of Palestine (صناعة الحمضيات في فلسطين)، كانون الأول 1938.
- محمود يزبك، «يافا ما قبل النكبة: مدينة تنبض بالحياة»، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 93، 2013.
- وديع عواودة، «برتقال يافا أطيب من قصب السكر وبياراتها شكّلت أهم الاستثمارات»، القدس العربي، 23 آب 2018.
- روى سابا، «كاد يكون علَم البلاد بلونه.. برتقال يافا، رمز فلسطين»، عربي بوست، 13 تشرين الثاني 2023.
معرض الصور
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.