برك سليمان: عبقرية مائية فلسطينية صمدت ألفي عام
برك سليمان: عبقرية مائية فلسطينية صمدت ألفي عام
برك سليمان قرب بيت لحم: النظام المائي وقلعة البرك ومخطط الاستيلاء عام 2026
في التلال جنوب مدينة بيت لحم، في أعلى وادي أرطاس وعلى الطريق التاريخي بين القدس والخليل، تقف برك سليمان (برك المرجيع) شاهدة على نظام مائي صمد أكثر من ألفي عام. ثلاث برك متدرجة تتسع لأكثر من ربع مليون متر مكعب، كانت قلب شبكة قنوات نقلت المياه إلى القدس، منها قناة السبيل، أطول قناة مائية في فلسطين. بُنيت البركتان الأوليان في الفترة الرومانية، وأضاف المماليك البركة الثالثة، ورمّم العثمانيون القنوات وبنوا قلعة لحراستها، والبرك مسجلة وقفًا إسلاميًا منذ العهد العثماني. وفي 2026 اقتحمها وزير المالية الإسرائيلي ومستوطنون وهددوا بالاستيلاء عليها، رغم وقوعها في المنطقة "أ" الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، فهبّ الفلسطينيون لحمايتها. يتناول هذا الدليل تاريخها وهندستها ومعالمها وواقعها اليوم.
معلومات سريعة عن برك سليمان
| الاسم بالإنجليزية | Solomon's Pools |
|---|---|
| اسم آخر | برك المرجيع |
| الموقع | أعلى وادي أرطاس، نحو 3.5–4 كم جنوب بيت لحم |
| العدد | ثلاث برك متدرجة تمتد نحو 500 م من الغرب إلى الشرق |
| الأبعاد | الطول 116–177 م؛ العمق حتى 15 م وأكثر |
| السعة | أكثر من 250 ألف م³ |
| التأريخ | بركتان رومانيتان (37 ق.م–325م)؛ البركة الثالثة مملوكية (1460م) |
| قناة السبيل | نحو 68 كم، أطول قناة مائية في فلسطين، تصل إلى الحرم الشريف |
| قلعة البرك | عثمانية، 1617م بحسب وزارة السياحة الفلسطينية |
| الملكية والوضع | وقف إسلامي منذ العهد العثماني؛ المنطقة "أ" |
التسمية
تُعرف البرك محليًا أيضًا باسم "برك المرجيع". ويرجّح المؤرخون أن اسم "برك سليمان" يعود إلى السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي رمّم قنوات المياه التي تزود القدس فسُمّيت البرك باسمه، فيما ربطها التراث الشعبي بالنبي سليمان دون دليل أثري، وسمّى وادي أرطاس المجاور "حدائق سليمان".
الموقع
تقع البرك في أعلى وادي أرطاس جنوب مدينة بيت لحم، على بعد نحو 3.5–4 كم منها، قرب قرية أرطاس، وعلى ارتفاع نحو 800 متر فوق سطح البحر، شرق طريق القدس–الخليل. وقد اختير موقعها في وادٍ تتجمع فيه المياه طبيعيًا، فصار مركزًا مثاليًا لتخزينها ونقلها.
التاريخ عبر العصور
- الفترة الرومانية: أُنشئ النظام المائي في أعلى وادي أرطاس ببناء بركتين، في الفترة الممتدة من عام 37 ق.م حتى 325م، وكان يمد القدس بالمياه.
- العهد المملوكي: أُضيفت البركة الثالثة الكبيرة في عهد السلطان المملوكي الملك الظاهر خوشقدم عام 1460م.
- العهد العثماني: رمّم السلطان سليمان القانوني قنوات المياه التي تزود القدس، وبُنيت قلعة بجوار البرك لحماية المياه وقوافل الحجاج، وسُجّلت البرك وقفًا إسلاميًا.
- الانتداب البريطاني: منذ 1919 استُبدلت القنوات الفخارية بأنابيب معدنية ومضخات لنقل المياه إلى القدس، وظل النظام يغذي القدس حتى نهاية الانتداب.
البرك الثلاث
تتكون برك سليمان من ثلاث برك متدرجة تمتد من الغرب إلى الشرق مسافة نحو 500 متر، ترتفع كل واحدة عن التي تليها بنحو ستة أمتار، وتصب العليا في الوسطى ثم السفلى:
- البركة العليا: طولها نحو 116 مترًا وعرضها الأقصى 72 مترًا، وعمقها بين 6 و12 مترًا، وتتسع لنحو 85 ألف متر مكعب.
- البركة الوسطى: طولها نحو 129 مترًا وعرضها 76 مترًا وعمقها نحو 12 مترًا، وتتسع لنحو 90 ألف متر مكعب.
- البركة السفلى (المملوكية): أكبرها، بطول نحو 177 مترًا وعرض 86 مترًا وعمق نحو 15 مترًا، وتتسع لنحو 113 ألف متر مكعب.
وتتجاوز السعة الإجمالية ربع مليون متر مكعب، وقد شُيّدت بأسلوب يجمع بين نحت الصخر والبناء بالحجارة، معتمدة على الانحدار الطبيعي دون أي مضخات.
النظام المائي والقنوات
لم تكن البرك مجرد خزانات، بل قلب شبكة قنوات تجمع المياه من الينابيع والوديان وتنقلها إلى القدس، مسافة يسيرها الماء تبلغ نحو 44 كيلومترًا:
- قناة السبيل: نحو 68 كم، أطول قناة مائية في فلسطين، تنطلق من البركة السفلى عبر بيت لحم، وتمر بنفق قرب صور باهر، وتعبر وادي جيحون، لتصل إلى الحرم الشريف.
- قناة العرّوب: نحو 40 كم، تجلب المياه من عين كوزيبا وتلال الخليل إلى البرك.
- القناة العليا: تسير على مستوى أعلى بنحو 30 مترًا نحو القدس.
- قناة وادي البيار: تنقل المياه إلى البرك من الجنوب الغربي.
- الينابيع: منها عين عطن وعين البالوع وعين القلعة، التي تغذي البرك ووادي أرطاس.
واعتمد النظام على حسابات دقيقة في الانحدار، إذ تقع منابعه في وادي العرّوب (810 م) ووادي البيار (870 م) والبرك على ارتفاع 800 م، ما يعكس معرفة هندسية متقدمة.
قلعة البرك
شمال البركة العليا، شرق طريق القدس–الخليل، تقوم قلعة البرك (المعروفة أيضًا بقلعة مراد)، التي بُنيت بحسب وزارة السياحة والآثار الفلسطينية عام 1617م في عهد السلطان العثماني عثمان الثاني، فيما تنسبها مصادر أخرى إلى السلطان مراد الرابع عام 1622م، لحماية البرك ومصادر المياه وقوافل الحجاج من اللصوص وقطاع الطرق. وهي قلعة مستطيلة بطول 70 مترًا وعرض 45 مترًا، ومساحة نحو 3,528 مترًا مربعًا، لها مدخل رئيس في الجدار الغربي يعلوه نقش يحمل تاريخ البناء، وأربعة أبراج مربعة بطابقين في زواياها، ونحو خمسين غرفة صغيرة لمبيت الجنود، ومسجد صغير في ركنها الجنوبي الغربي، وساحة داخلية، وعين ماء خاصة بها. وقد رُمّمت ضمن مشروع سياحي في المنطقة.
التراجع بعد 1967 والترميم
بعد احتلال الضفة الغربية عام 1967 توقف النظام القديم عن تزويد القدس بالمياه، وهُجرت محطة الضخ من عهد الانتداب، ومرّ الموقع بفترات من الإهمال. وتدير الأوقاف الإسلامية والجهات الفلسطينية الموقع، وقد رُمّمت قلعة البرك ضمن مشروع سياحي، لكن حجب سلطات الاحتلال لعائدات الضرائب الفلسطينية حرم دائرة الأوقاف من تمويل خطط تطويره سياحيًا.
حملة الاستيلاء والهبّة الشعبية عام 2026
رغم وقوع البرك في المنطقة "أ" الخاضعة للسيطرة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو الثاني (1995)، وتسجيلها وقفًا إسلاميًا منذ العهد العثماني بوثائق رسمية لدى وزارة الأوقاف، تعرضت عام 2026 لحملة متصاعدة:
- 22 نيسان 2026: اقتحم مستعمرون البرك بحماية جيش الاحتلال، بحسب وكالة وفا.
- 25 أيار 2026: اقتحم وزير المالية الإسرائيلي البرك وهدد بضمها، واصفًا إبقاءها تحت السيطرة الفلسطينية بأنه "أحد الأخطاء الفادحة" لاتفاقيات أوسلو، وأمر الشرطة بطرد الفلسطينيين من المكان ليُصوَّر وهو يسبح في البركة الوسطى. ودانت وزارة الأوقاف الفلسطينية الاقتحام.
- حزيران 2026: اقتحمت قوات الاحتلال البرك في 12 حزيران، وفي 26 حزيران اعتدت على مواطنين في الموقع، بحسب وفا.
- 10 تموز 2026: داهم جنود الاحتلال الموقع وأطلقوا الغاز المسيل للدموع بينما كان أطفال يسبحون فيه.
- آب–تشرين الأول 2026: تواصلت اقتحامات المستوطنين، وأدّوا طقوسًا تلمودية في الموقع بحماية الجيش، بحسب أخبار النجاح.
وفي مواجهة ذلك انطلقت هبّة شعبية: يتوافد الفلسطينيون من بيت لحم ومحافظات أخرى بأعداد متزايدة إلى البرك للسباحة والاستجمام، تأكيدًا للوجود الفلسطيني وحمايةً للموقع، فيما حذّر نائب رئيس مجلس قروي أرطاس من قرار إسرائيلي بالسيطرة على المواقع الأثرية ومصادر المياه في الضفة الغربية، وشكّل محافظ بيت لحم لجنة رسمية وأهلية لمواجهة المخططات.
الحماية القانونية واليونسكو
في 2026 أُدرجت برك سليمان، ضمن "نظام مياه القدس: قناة السبيل"، على القائمة التمهيدية الفلسطينية للتراث العالمي لدى اليونسكو. وبوصفها جزءًا من أرض محتلة، تشملها حماية اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية، اللتين تمنعان دولة الاحتلال من الاستيلاء على الممتلكات الثقافية أو تغييرها، فيما تضع اتفاقيات أوسلو المنطقة "أ" تحت السلطة المدنية والأمنية الفلسطينية.
الأسئلة الشائعة عن برك سليمان
أين تقع برك سليمان؟
في أعلى وادي أرطاس، على بعد نحو 3.5–4 كم جنوب بيت لحم، شرق طريق القدس–الخليل.
من بنى برك سليمان؟
بُنيت البركتان الأوليان في الفترة الرومانية بين 37 ق.م و325م، وأضاف السلطان المملوكي الظاهر خوشقدم البركة الثالثة عام 1460م، ورمّم سليمان القانوني القنوات فسُمّيت باسمه.
ما سعة برك سليمان؟
تتجاوز سعة البرك الثلاث معًا ربع مليون متر مكعب، وأكبرها البركة السفلى المملوكية بنحو 113 ألف متر مكعب.
ما هي قناة السبيل؟
أطول قناة مائية في فلسطين، بطول نحو 68 كم، تنطلق من البركة السفلى عبر بيت لحم وتصل إلى الحرم الشريف في القدس.
لماذا برزت برك سليمان في الأخبار عام 2026؟
لأن وزير المالية الإسرائيلي ومستوطنين اقتحموها وهددوا بضمها رغم وقوعها في المنطقة "أ" وتسجيلها وقفًا إسلاميًا، فانطلقت هبّة شعبية فلسطينية لحمايتها.
الخاتمة
طوال ألفي عام جمعت برك سليمان مياه تلال بيت لحم وأرسلتها بالجاذبية وحدها إلى القدس، فأضاف إليها المماليك بركتها الكبرى، ورمّم العثمانيون قنواتها وبنوا قلعتها، وأوقفوها للمسلمين. واليوم، بينما يتوعد وزراء الاحتلال بضمها، يحمي الفلسطينيون بحضورهم وأجسادهم موقعًا ينتمي إلى تاريخ أرضهم.
معرض الصور
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.