فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

مكان أثري أريحا

مقام النبي موسى

مقام النبي موسى

مقام النبي موسى: التاريخ والعمارة وموسم النبي موسى

يُعد مقام النبي موسى من أهم المقامات في فلسطين بسبب ضخامة بنائه وشهرته الواسعة. يقع في البرية بين القدس وأريحا، حيث يضع التقليد الشعبي الإسلامي قبر النبي موسى عليه السلام. أنشأه السلطان المملوكي الظاهر بيبرس عام 668هـ (1269–1270م)، ووسّعه المماليك والعثمانيون من بعده حتى صار مجمعًا تعلوه القباب، فيه مسجد وساحات ونحو مئة غرفة. واحتضن على مدى قرون موسم النبي موسى، أكبر تجمع شعبي في فلسطين، الذي تحوّل في عهد الانتداب البريطاني إلى مناسبة وطنية. يتناول هذا الدليل تاريخ المقام وعمارته والموسم وواقعه تحت الاحتلال.

معلومات سريعة

مقام النبي موسى في سطور
الاسم بالإنجليزيةMaqam al-Nabi Musa (Shrine of Prophet Moses)
الموقعبرية القدس، جنوب أريحا وشرق القدس
المسافة8–11 كم من أريحا؛ 20–28 كم من القدس (تختلف المصادر)
المؤسسالسلطان الظاهر بيبرس، 668هـ / 1269–1270م
التوسعاتنُزل مملوكي (1470–1480م)؛ ترميمات عثمانية في القرن السادس عشر ونحو 1820م
المساحةنحو خمسة دونمات
أبرز العناصرمسجد من خمس بلاطات، غرفة الضريح، مئذنة، ساحات، نحو مئة غرفة
الموسمموسم النبي موسى السنوي في الربيع، نحو أسبوع
الإدارةوزارة الأوقاف الفلسطينية؛ ومعظم محيطه مصنف مناطق "ج"
في الجوارمقبرة المقام؛ "حجر النبي موسى" (الصخر الزيتي)

الموقع

بُني المقام في منطقة منعزلة قليلة الأشجار والأعشاب، ويرتفع فوق تلال صخرية كبريتية ورسوبية في البرية الواقعة شرق القدس وجنوب أريحا، بجوار الطريق القديمة بين المدينتين. ويبعد عن أريحا نحو 8–11 كم، وعن القدس نحو 20–28 كم بحسب اختلاف المصادر. ومن أعلى مئذنته يرى الصاعد أريحا والبحر الميت وصحراء واسعة ممتدة وجبال شرق الأردن.

وقد بُني المقام في الصحراء الممتدة نحو البحر الميت، التي اشتهرت بأديرة النصارى وقلاليهم، ويرى مؤرخون أن من أهم أسباب بنائه بهذه الضخامة إظهار إسلامية برية القدس.

قبر موسى في الروايات

يضع التقليد الشعبي الإسلامي قبر النبي موسى في هذا الموضع، وإن كان جمهور العلماء يرون أن موضع قبره على وجه التحديد غير معروف. وفي صحيح البخاري أن موسى سأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة "رمية بحجر"، وأن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم قال: "فلو كنت ثَمّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر". أما التوراة فتذكر أن موسى مات في أرض موآب شرق الأردن، و"لم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم" (التثنية 34: 6). ويُروى أن الحجاج الأوائل كانوا يتخذون هذا الموضع مطلًّا على وادي الأردن وجبل نيبو.

التاريخ عبر العصور

  • العهد الأيوبي: تربط الروايات الشعبية الموقع وموسمه بصلاح الدين الأيوبي بعد تحرير القدس عام 1187م، لكن المؤرخين ينسبون البناء عمومًا إلى بيبرس.
  • العهد المملوكي: أنشأ السلطان الظاهر بيبرس قبة الضريح والمسجد عام 668هـ (1269–1270م)، كما يشهد نقش ما زال قائمًا في المقام، واكتمل نُزل الحجاج بين 1470 و1480م.
  • العهد العثماني: رُمّم المجمع في منتصف القرن السادس عشر، وأُعيد بناؤه بالكامل تقريبًا نحو عام 1820م، فاتخذ شكله الحالي، وتولّت آل الحسيني في القدس سدانته.
  • الانتداب البريطاني: تحوّل الموسم إلى تجمع وطني حاشد، وسعت سلطات الانتداب إلى تقييده، خاصة بعد أحداث القدس في نيسان 1920، ثم تراجع بعد ثورة 1936–1939 ونفي مفتي القدس.
  • 1948–1967: بعد احتلال فلسطين عام 1948 توقفت الاحتفالات مؤقتًا، ثم عادت بحسب الرواية الفلسطينية في الخمسينيات، فيما تذكر مصادر أخرى أن التجمعات الكبيرة في القدس عُلّقت منذ 1951.
  • منذ 1967: منعت سلطات الاحتلال الاحتفالات، ثم سُمح بها عام 1987 ومُنعت مجددًا مع الانتفاضة الأولى، واستُؤنفت في عهد السلطة الفلسطينية عام 1997، وتوقفت مع انتفاضة الأقصى عام 2000، ثم تجددت عام 2007.

العمارة

يمتد المقام على مساحة تقارب خمسة دونمات، ويشمل ثلاثة طوابق والتسوية الأرضية، وتعلوه قباب بيضاء. ويتوسطه مسجد ضخم مكوّن من خمس بلاطات، وغرفة ضريح واسعة تحوي القبر وتتوسط بناء المقام. ويحوي المقام مئة غرفة ما بين مفتوحة ومغلقة، كانت تؤوي الحجاج خلال الموسم، وتدور حول المسجد وغرفة الضريح ساحات مركزية تتسع لأعداد كبيرة من الناس. وترتفع فوقه مئذنة متوسطة الارتفاع تشرف على المنطقة المحيطة.

مقام النبي موسى بقبابه البيضاء في برية أريحا
مقام النبي موسى في البرية قرب أريحا.

وحول المقام مقبرة كان أهل المنطقة يدفنون فيها موتاهم تبركًا بجوار النبي. وفي محيطه صخور زيتية سوداء تُعرف بـ"حجر النبي موسى"، تشتعل إذا أوقدت، وكان البدو يستخدمونها وقودًا ويحملونها تمائم.

موسم النبي موسى.. احتفال وأهازيج

امتد الموسم نحو أسبوع كل ربيع، يبدأ في الجمعة السابقة للجمعة العظيمة بحسب التقويم الأرثوذكسي، أي في نيسان غالبًا، وكان من أغراضه تعزيز الحضور الإسلامي في القدس خلال موسم حج المسيحيين في عيد الفصح.

  • جمعة المناداة: يبدأ الموسم قبل موعده المقرر بأسبوع، في يوم الجمعة الذي يوجَّه فيه النداء إلى المواطنين استعدادًا للنزول إلى مقام النبي موسى. ويتم النداء في القدس بعد صلاة الجمعة مباشرة من قاعة المحكمة الشرعية في باب السلسلة، بحضور قاضي ومأمور أوقاف القدس الشريف والعلماء والوجهاء. وكان على سكان القدس أن يجهّزوا أنفسهم لاستقبال الضيوف، ويُحضروا الطبول والكاسات والبيارق.
  • البيارق والكاسات: كانت هناك عدة بيارق لآل الحسيني والعلمي والقزاز، يمتاز بيرق كل عائلة بلون خاص، ويُكتب عليه بعض الآيات القرآنية، ومنها البيرق الأخضر المكتوب عليه "لا إله إلا الله". أما الكاسات فتشبه الصحون المجوّرة من النحاس، يحملها دقاق الكاس ويضرب بعضها ببعض بنغمات موسيقية مع دق الطبل، فتخرج نغمات متناسقة يتمايل على صوتها الموكب السائر وراء البيرق، وهو يردد الأهازيج الدينية والوطنية متوجهًا نحو "دار البيرق" في البلدة القديمة.
  • دار البيرق: كانت دار الحاج أمين الحسيني دارًا للبيرق حتى خروجه من فلسطين عام 1937، ومنها يتوجه الموكب إلى ساحة الحرم الشريف. وكانت النساء يشاركن بإطلاق الزغاريد تحية للجماهير، أو يرششن ماء الورد أو الملبّس على الموكب.
  • وفود القرى: تبقى مواكب القدس في ساحة الحرم، وتشارك وفود قرى القدس المجاورة بإحضار بيارقها، ومنها لفتا والمالحة وقالونيا التي هُجّرت عام 1948، وبيت صفافا، والقرى الشمالية والشرقية: عناتا وحزما وجبع والرام وسلوان وأبو ديس والعيزرية.
موكب البيارق في موسم النبي موسى بالقدس
موكب البيارق في موسم النبي موسى.

وتبدأ الدلعونا والدبكات الشعبية والسحجات، ويدخل موكب الخليل ويردد: "نحنا الخلاليلة دوبنا لفينا، في صخرة الله والحرم صلينا". ويحضر وفد نابلس مثل باقي الوفود، ويتوقف عند مشارف القدس، فتستقبله الجماهير المصطفة بالترحيب، وينشد: "نحنا ولاد جبل النار، شوكة بحلق الاستعمار".

حشود موسم النبي موسى في القدس
حشود موسم النبي موسى.

وبعد وصول وفدَي نابلس والخليل في يومين مختلفين تبدأ بهجة الموسم، فكانت عائلات القدس ومختلف الوفود تقضي النهار كله في ساحات الأقصى، تفترش الساحات الخضراء الكبيرة وتحضر معها الكبة والفلافل والجبنة، وتشتري "الكبدة واللية" من اللحامين والباعة المتجولين. ويوم الجمعة تكتمل الوفود وتتوجه نحو باب الأسباط للنزول إلى مقام النبي موسى، حيث تقضي أيامًا قبل أن تعود إلى القدس.

الحجاج في مقام النبي موسى خلال الموسم
الزوار في المقام خلال الموسم.

من موسم ديني إلى مناسبة وطنية

ظلت الشعائر والاحتفالات الدينية تقام في المقام منذ قرون، وكانت وفود القرى والمدن تتسابق وتتنافس في الوصول إلى القدس ثم الخروج إلى المقام والعودة منه. وفي عهد الانتداب البريطاني صار الموسم منبرًا للمطالب الوطنية الفلسطينية في وجه الانتداب والمشروع الصهيوني. ففي نيسان 1920 تزامن الموسم مع مواجهات في القدس، شددت بعدها سلطات الانتداب قبضتها على المواكب. وأضفى مفتي القدس الحاج أمين الحسيني على الموسم طابعًا وطنيًا واضحًا، وتعكس أهازيج "جبل النار" و"الاستعمار" روح تلك المرحلة. ومع ثورة 1936–1939 وخروج المفتي عام 1937، فقد الموسم كثيرًا من زخمه.

تحت الاحتلال منذ 1967

احتل جيش الاحتلال المنطقة عام 1967 ومنع الاحتفالات الدينية الإسلامية في المقام، وأُقيمت لاحقًا مستوطنات قرب المقام على أراضٍ من وقفه. وبعد اتفاقية أوسلو انتقل المقام إلى إدارة السلطة الفلسطينية عام 1995، لكن نحو 98% من الأراضي المحيطة به صُنّفت مناطق "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، فبات الوصول إليه رهينًا بطرق يتحكم بها الاحتلال. وفي كانون الأول 2020 أثارت حفلة موسيقية أُقيمت في جناح النُّزل في المقام غضبًا شعبيًا واسعًا، فشكّلت الحكومة الفلسطينية لجنة تحقيق وتعهدت بصون الطابع الديني للموقع.

ساحة مقام النبي موسى
من داخل مجمع المقام.

المقام اليوم (2026)

يحيط بالمقام توسع استيطاني متسارع في المنطقة الممتدة بين القدس والأغوار. ففي 27 تموز 2026 أقام مستوطنون بؤرة استيطانية جديدة قرب المقام، تهدف بحسب محافظة القدس إلى فرض "وقائع جديدة على الأرض" وتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية. وتواجه التجمعات البدوية القريبة، كتلك المحيطة بالمعرجات شمال غرب أريحا، موجة من البؤر الجديدة والاعتداءات منذ 2025، إذ ترافقت حرب الإبادة على غزة مع تصاعد اعتداءات المستوطنين في أنحاء الضفة الغربية.

الحماية القانونية

بوصفه موقعًا دينيًا وتاريخيًا في أرض محتلة، يتمتع المقام بحماية اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية واتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على دولة الاحتلال نقل سكانها إلى الأرض المحتلة، فيما يؤكد قرار مجلس الأمن 2334 (2016) أن المستوطنات لا شرعية قانونية لها.

الأسئلة الشائعة عن مقام النبي موسى

أين يقع مقام النبي موسى؟

في البرية بين القدس وأريحا، على بعد نحو 8–11 كم جنوب أريحا و20–28 كم شرق القدس.

من بنى مقام النبي موسى؟

أنشأه السلطان المملوكي الظاهر بيبرس عام 668هـ (1269–1270م)، ووُسّع في العهد المملوكي، وأعاد العثمانيون بناءه إلى حد كبير نحو عام 1820م.

هل النبي موسى مدفون فعلًا في المقام؟

يضع التقليد الشعبي الإسلامي قبره هنا، لكن جمهور العلماء يرون أن موضعه غير معروف على وجه التحديد، فيما تضع التوراة وفاته في أرض موآب شرق الأردن.

ما هو موسم النبي موسى؟

موسم ربيعي يمتد نحو أسبوع، تجتمع فيه المواكب بالبيارق والطبول والأهازيج في ساحات الأقصى ثم تنزل إلى المقام، وقد صار مناسبة وطنية في عهد الانتداب البريطاني.

ما الذي يهدد المقام اليوم؟

معظم الأراضي المحيطة به مصنفة مناطق "ج" تحت السيطرة الإسرائيلية، وقد أقام مستوطنون بؤرة استيطانية جديدة قربه في تموز 2026.

الخاتمة

على مدى أكثر من سبعة قرون ظلت قباب النبي موسى البيضاء قائمة في البرية بين القدس وأريحا، مقامًا جمع الفلسطينيين من المدن والقرى في موسم من الإيمان والأهازيج والاعتزاز الوطني. واليوم، وقد أحاطت به البؤر الاستيطانية، يبقى شاهدًا على الهوية الإسلامية والفلسطينية لبرية القدس.

المصادر والمراجع

  • فلسطيننا – أريحا
  • فلسطيننا – مقام النبي موسى (المقال الأصلي)
  • ويكيبيديا – Nabi Musa
  • اكتشف الفن الإسلامي (متحف بلا حدود) – مقام النبي موسى
  • صحيح البخاري – كتاب الجنائز؛ سفر التثنية 34
  • وفا – مستعمرون يقيمون بؤرة جديدة قرب النبي موسى (27 تموز 2026)
  • الجزيرة نت – بؤرة استيطانية جديدة قرب أريحا (تموز 2025)
  • ميدل إيست آي – الحفلة في موقع النبي موسى (كانون الأول 2020)
  • اتفاقية لاهاي 1954؛ اتفاقية جنيف الرابعة؛ قرار مجلس الأمن 2334

آخر تحديث:

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.