فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

مجزرة 22 تموز 1946

تفجير فندق الملك داوود في القدس من قبل عصابة الأرغون الصهيونية

تفجير فندق الملك داوود في القدس من قبل عصابة الأرغون الصهيونية

تفجير فندق الملك داود في القدس على يد عصابة الأرغون الصهيوني

في 22 تموز/يوليو 1946، نفذ تنظيم الأرغون تسفاي لئومي (إتسل) الصهيوني المسلح، بقيادة مناحيم بيغن، واحدًا من أكثر الهجمات دموية خلال فترة الانتداب البريطاني، عندما فجّر الجناح الجنوبي من فندق الملك داود في القدس.

وكان الجزء المستهدف من الفندق يضم المكاتب المركزية لإدارة الانتداب البريطاني، بما في ذلك سكرتارية حكومة فلسطين وأجزاء من مقر القيادة العسكرية البريطانية. وأدى الانفجار الهائل إلى انهيار جزء كبير من الجناح الجنوبي، ومقتل 91 شخصًا، كان عدد كبير منهم من الموظفين المدنيين والعاملين والزوار.

وكان بين القتلى 41 عربيًا و28 بريطانيًا و17 يهوديًا وخمسة أشخاص من جنسيات أخرى.

ومن منظور التاريخ الفلسطيني، يشكل التفجير حدثًا مهمًا في السنوات الأخيرة من الحكم البريطاني، إذ يكشف مدى التطور التنظيمي والعسكري الذي وصلت إليه التنظيمات الصهيونية المسلحة، وقدرتها على ضرب مركز السلطة البريطانية نفسها، في الوقت الذي كانت فيه المؤسسات الصهيونية السياسية والاقتصادية والعسكرية تتوسع استعدادًا للمرحلة التي انتهت بقيام دولة إسرائيل والنكبة الفلسطينية.

فندق الملك داود في ظل الحكم البريطاني

افتُتح فندق الملك داود في القدس في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، وأصبح واحدًا من أفخم وأشهر فنادق المدينة.

وخلال الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، بدأت السلطات البريطانية استخدام أجزاء من المبنى للأغراض الرسمية.

وبحلول أربعينيات القرن العشرين، كان معظم الجناح الجنوبي قد تحول إلى مركز رئيسي للسلطة البريطانية في فلسطين، إذ ضم سكرتارية الحكومة، وأجزاء من القيادة العسكرية، ومكاتب مرتبطة بأجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية.

ولم يبقَ سوى أقل من ثلث غرف الفندق تقريبًا متاحًا للاستخدام المدني العادي.

وهكذا أصبح الفندق يجمع بين وظيفتين مختلفتين: فقد ظل فندقًا مدنيًا يعمل ويستقبل النزلاء والزوار، بينما كانت أجزاء واسعة منه في الوقت نفسه مركزًا بالغ الأهمية للإدارة السياسية والعسكرية البريطانية في فلسطين.

التمرد الصهيوني المسلح ضد بريطانيا

بحلول عام 1946، كانت العلاقة بين بريطانيا والحركة الصهيونية قد دخلت مرحلة من التوتر الحاد.

وعارضت المؤسسات الصهيونية بشدة القيود التي فرضتها بريطانيا على الهجرة اليهودية بموجب الكتاب الأبيض لعام 1939، ولا سيما بعد انكشاف حجم المحرقة النازية والأوضاع المأساوية التي عاشها الناجون اليهود في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

وكانت ثلاثة تنظيمات صهيونية مسلحة رئيسية تنشط في فلسطين في تلك المرحلة:

  • الهاغاناه، وهي أكبر التنظيمات العسكرية الصهيونية.
  • الأرغون تسفاي لئومي (إتسل) بقيادة مناحيم بيغن.
  • ليحي، التي كانت السلطات البريطانية تطلق عليها اسم «عصابة شتيرن».

ولفترة بعد الحرب العالمية الثانية، نسقت التنظيمات الثلاثة بعض عملياتها ضد الحكم البريطاني من خلال إطار عُرف باسم حركة المقاومة العبرية.

وشملت العمليات تخريب خطوط السكك الحديدية والجسور ومراكز الشرطة والمنشآت العسكرية وغيرها من المواقع التابعة للسلطة البريطانية.

عملية أغاثا والقرار باستهداف الفندق

وقع تصعيد كبير في 29 حزيران/يونيو 1946، عندما أطلقت القوات البريطانية عملية واسعة ضد المؤسسات والتنظيمات الصهيونية المسلحة، عُرفت بريطانيًا باسم عملية أغاثا (Operation Agatha)، وأصبحت تُعرف داخل المجتمع اليهودي في فلسطين باسم «السبت الأسود».

وخلال العملية، داهمت القوات البريطانية مكاتب الوكالة اليهودية، واعتقلت عددًا من القادة الصهاينة، وصادرت أسلحة وكميات كبيرة من الوثائق التي اعتقدت أجهزة الأمن البريطانية أنها تثبت وجود صلات بين المؤسسات السياسية الصهيونية والتنظيمات العسكرية السرية.

ويُعتقد أن بعض الوثائق التي صودرت نُقلت إلى المكاتب البريطانية الموجودة داخل فندق الملك داود.

وأصبح تدمير مركز الإدارة البريطانية، إلى جانب احتمال تدمير الوثائق التي استولت عليها السلطات، أحد الأهداف المرتبطة بخطة استهداف الفندق.

التنسيق مع حركة المقاومة العبرية

لم تنشأ فكرة الهجوم على فندق الملك داود في بدايتها بمعزل كامل عن إطار التنسيق العسكري الصهيوني الأوسع.

ففي 1 تموز/يوليو 1946، أرسل موشيه سنيه، وهو من كبار قادة الهاغاناه ومن الشخصيات المشاركة في قيادة حركة المقاومة العبرية، رسالة إلى مناحيم بيغن تضمنت موافقة على تنفيذ عملية ضد فندق الملك داود، الذي كان يُشار إليه باسم رمزي في المراسلات السرية.

ووضع الخطة التنفيذية بصورة رئيسية عميحاي باغلين، مسؤول العمليات في الأرغون، وجرى خلال مراحل التخطيط تنسيق جوانب منها مع ممثلين في إطار المقاومة الصهيونية المشترك.

لكن مع تغير الظروف السياسية، طلب قادة في الهاغاناه لاحقًا تأجيل العمليات. وأصبحت العلاقة بين الموافقة المبكرة وبين قرار الأرغون تنفيذ التفجير في 22 تموز/يوليو موضع خلاف حاد لاحقًا بين الأرغون والقيادة الصهيونية الرئيسية.

الهجوم في 22 تموز/يوليو 1946

قبيل ظهر 22 تموز/يوليو، وصلت مجموعة من أفراد الأرغون إلى مدخل الخدمات في فندق الملك داود.

وتنكر عدد من أفراد المجموعة بملابس عمال عرب، بينما ارتدى قائد العملية ملابس شبيهة بزي أحد العاملين السودانيين في الفندق.

ودخل المهاجمون منطقة الخدمات واحتجزوا عددًا من موظفي الفندق تحت تهديد السلاح.

ثم حملوا عدة أوعية كبيرة للحليب مملوءة بالمتفجرات إلى مطعم في الطابق السفلي كان يُعرف باسم La Régence.

ووُضعت المتفجرات بالقرب من الأعمدة الإنشائية التي كانت تحمل الطوابق الواقعة فوقها.

وخلال انسحاب المجموعة، واجه أفرادها ضابطًا بريطانيًا حاول التدخل، فأُطلق عليه النار وأصيب إصابة قاتلة.

وسرعان ما أُطلق إنذار، ووقع تبادل لإطلاق النار بين أفراد الأمن البريطاني والمهاجمين المنسحبين، وأصيب عدد من أفراد الأرغون أثناء فرارهم من المنطقة.

التحذيرات الهاتفية

أصبحت مسألة التحذيرات التي سبقت التفجير واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ العملية.

وتشير الأدلة إلى أن اتصالات هاتفية تحذيرية أُجريت مع فندق الملك داود والقنصلية الفرنسية وصحيفة Palestine Post قبل وقوع الانفجار.

وادعى الأرغون لاحقًا أن السلطات البريطانية حصلت على مهلة كافية، تراوحت وفق رواياته بين نحو 25 و30 دقيقة، لإخلاء المبنى، وأن مسؤولين بريطانيين تجاهلوا التحذير عمدًا.

لكن الدراسات التاريخية اللاحقة تقدم صورة أكثر تعقيدًا. فهناك خلاف بشأن التوقيت الدقيق الذي وصلت فيه التحذيرات إلى الفندق، وبشأن ما إذا كانت قد وصلت إلى المسؤولين الإداريين والعسكريين القادرين على إصدار أمر فوري بإخلاء المكاتب.

كما أن تعدد الإنذارات الكاذبة السابقة، والإجراءات الأمنية، والارتباك، وفشل الاتصالات الداخلية، كلها عوامل أسهمت في عدم إخلاء المبنى قبل الانفجار.

ولذلك تدعم الأدلة التاريخية وجود تحذيرات قبل التفجير، لكنها لا تثبت بصورة قاطعة الرواية المبسطة التي تقول إن مسؤولين بريطانيين تلقوا تحذيرًا واضحًا وفي وقت كاف ثم تعمدوا إبقاء مئات الأشخاص داخل المبنى.

وفي الوقت نفسه، فإن إصدار تحذير مسبق لا يغيّر حقيقة أن كمية كبيرة من المتفجرات وُضعت أسفل مبنى كان يضم موظفين مدنيين وعمال فندق وزوارًا إلى جانب المسؤولين الحكوميين والعسكريين.

الانفجار

في نحو الساعة 12:37 ظهرًا، انفجرت العبوات الموضوعة في الطابق السفلي.

وأدى الانفجار إلى تدمير جزء واسع من الجناح الجنوبي لفندق الملك داود، وانهارت عدة طوابق من الحجر والخرسانة والمكاتب والغرف بعضها فوق بعض.

واستمرت فرق الإنقاذ في البحث بين الأنقاض لعدة أيام.

وبلغ العدد النهائي للقتلى 91 شخصًا:

  • 41 عربيًا.
  • 28 بريطانيًا.
  • 17 يهوديًا.
  • أرمنيان اثنان.
  • روسي واحد.
  • يوناني واحد.
  • مصري واحد.

وشملت قائمة الضحايا مسؤولين حكوميين وموظفين وكتبة وسكرتيرات وعمالًا في الفندق والمطعم وجنودًا ورجال شرطة ومدنيين كانوا موجودين داخل المبنى أو بالقرب منه لحظة التفجير.

وعلى الرغم من أن الفندق كان يضم مكاتب حكومية وعسكرية بريطانية مهمة، فإن عددًا كبيرًا من القتلى كانوا من الموظفين المدنيين والعاملين والزوار.

وتورد بعض الروايات اللاحقة رقم 92 قتيلًا، إلا أن هذا الرقم يشمل أحد أفراد الأرغون الذي توفي متأثرًا بجروح أُصيب بها خلال العملية. أما العدد المعتمد عمومًا لضحايا التفجير نفسه فهو 91 قتيلًا.

الأرغون يتبنى المسؤولية

أقر تنظيم الأرغون بمسؤوليته عن تنفيذ التفجير، لكنه حاول تحميل السلطات البريطانية مسؤولية ارتفاع عدد القتلى، بحجة أنها لم تتعامل مع التحذيرات التي أرسلها بجدية.

وظل مناحيم بيغن، خلال السنوات التالية، يدافع عن العملية باعتبار أن هدفها كان مركز الإدارة الاستعمارية البريطانية وليس قتل المدنيين بصورة متعمدة.

لكن هذا التفسير ظل موضع خلاف تاريخي.

فمن جهة، كان الفندق يضم بالفعل مؤسسات مركزية للإدارة والقيادة العسكرية البريطانية؛ ومن جهة أخرى، كان المبنى يضم أيضًا أعدادًا كبيرة من الموظفين المدنيين والعاملين والنزلاء والزوار. ولذلك أدى التفجير، بغض النظر عن الهدف السياسي المعلن للعملية، إلى حصيلة كبيرة من الضحايا المدنيين.

مناحيم بيغن والأرغون

يكتسب التفجير أهمية تاريخية إضافية بسبب المسار السياسي اللاحق لـمناحيم بيغن.

فقد أصبح بيغن قائدًا للأرغون في عامي 1943–1944، وقاد التنظيم خلال حملته المسلحة ضد الحكم البريطاني.

وبعد قيام دولة إسرائيل سنة 1948، حُل تنظيم الأرغون ودُمج عدد كبير من أفراده في الجيش الإسرائيلي الجديد.

ثم دخل بيغن العمل السياسي، وقاد حركة حيروت، التي أصبحت لاحقًا أحد المكونات الرئيسية في تشكيل حزب الليكود.

وفي عام 1977، أصبح مناحيم بيغن رئيسًا لوزراء إسرائيل.

تفجير فندق الملك داود من منظور فلسطيني

من منظور التاريخ الفلسطيني، يكشف تفجير فندق الملك داود عن مفارقة مهمة في السنوات الأخيرة من الانتداب البريطاني.

فعلى مدى عقود، وفرت بريطانيا الإطار السياسي والقانوني الذي توسعت في ظله الهجرة والاستيطان والمؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية الصهيونية في فلسطين.

لكن بحلول منتصف أربعينيات القرن العشرين، بدأت تنظيمات صهيونية مسلحة توجه جانبًا متزايدًا من عملياتها ضد السلطة البريطانية نفسها، عندما أصبحت السياسات البريطانية، وخصوصًا القيود المفروضة على الهجرة، تتعارض مع أهدافها السياسية.

وكان العرب الفلسطينيون داخل هذا التحول في قلب الأحداث، لا على هامشها.

فإلى جانب استمرار مطالبهم بالاستقلال الوطني بعد عقود من الحكم الاستعماري البريطاني، كانوا أيضًا أكبر مجموعة قومية بين ضحايا تفجير فندق الملك داود؛ إذ كان 41 من أصل 91 قتيلًا من العرب.

وغالبًا ما يصبح هؤلاء الضحايا أقل حضورًا في الروايات التي تعرض التفجير أساسًا باعتباره مواجهة بين التنظيمات الصهيونية المسلحة وبريطانيا.

لكن الفلسطينيين لم يكونوا مجرد متفرجين على تلك المواجهة؛ فقد كانت فلسطين وطنهم الذي كان مستقبله السياسي والسيادي والديموغرافي موضع تنازع وإعادة تشكيل في تلك المرحلة.

إشارة إلى اقتراب نهاية الانتداب البريطاني

أصبح تفجير فندق الملك داود واحدًا من أبرز الرموز على تدهور قدرة بريطانيا على السيطرة على فلسطين في السنوات الأخيرة من الانتداب.

وأظهر الهجوم أن التنظيمات الصهيونية المسلحة امتلكت شبكات استخبارات، ومتفجرات، وأفرادًا، وقدرات لوجستية وتنظيمية أتاحت لها تنفيذ عملية معقدة ضد أحد أهم مراكز السلطة البريطانية وأكثرها حماية في القدس.

ولم يكن تفجير الفندق وحده سببًا في قرار بريطانيا إنهاء وجودها في فلسطين، لكنه كان جزءًا من حملة مسلحة أوسع أسهمت في زيادة الضغوط العسكرية والسياسية والمالية التي واجهتها إدارة الانتداب.

وبعد أقل من عام، أحالت بريطانيا قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة.

وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181، الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، مع وضع القدس تحت نظام دولي خاص.

ومع اقتراب نهاية الحكم البريطاني، دخلت فلسطين مرحلة الحرب، وأدت التنظيمات العسكرية الصهيونية، ومن بينها الهاغاناه والأرغون وليحي، أدوارًا رئيسية في العمليات العسكرية التي رافقت احتلال أجزاء واسعة من فلسطين والنكبة الفلسطينية عام 1948.

ومن هذا المنظور، لا ينتمي تفجير فندق الملك داود إلى تاريخ المواجهة الصهيونية مع بريطانيا فحسب، بل إلى السنوات المضطربة الأخيرة من الانتداب، حين كانت التنظيمات الصهيونية المسلحة توسع قدرتها العسكرية والمؤسساتية قبل وقت قصير من التهجير الجماعي للفلسطينيين وإقامة دولة إسرائيل على القسم الأكبر من فلسطين.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.