تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964: استعادة الكيان السياسي الفلسطيني
مثّل تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 نقطة تحول رئيسية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، إذ أعاد للفلسطينيين إطارًا سياسيًا ومؤسساتيًا يحمل اسمهم وقضيتهم بعد ستة عشر عامًا من النكبة وتشتت الشعب الفلسطيني بين الوطن واللجوء والشتات.
وفي الفترة الممتدة من 28 أيار/مايو إلى 2 حزيران/يونيو 1964، انعقد في القدس المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول بمشاركة أكثر من أربعمئة شخصية فلسطينية جاءت من الضفة الغربية وقطاع غزة وعدد من الدول العربية ومجتمعات الشتات، وأعلن المؤتمر قيام منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها إطارًا يمثل الشعب الفلسطيني ويقود نضاله من أجل تحرير وطنه.
وأقر المؤتمر الميثاق القومي الفلسطيني والنظام الأساسي للمنظمة والنظام الأساسي للصندوق القومي الفلسطيني، وانتخب أحمد الشقيري رئيسًا لأول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. كما اعتبر المؤتمر نفسه، بكامل أعضائه، أول مجلس وطني فلسطيني للمنظمة.
فلسطين بعد النكبة وغياب الكيان السياسي المستقل
جاء تأسيس منظمة التحرير في سياق سياسي تشكّل بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، التي أدت إلى تهجير نحو ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من مدنهم وقراهم، وإقامة إسرائيل على القسم الأكبر من فلسطين التاريخية.
أما الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، فأصبحت تحت الحكم الأردني، بينما خضع قطاع غزة للإدارة المصرية، في حين بقي الفلسطينيون الذين تمكنوا من البقاء داخل الأراضي التي قامت عليها إسرائيل تحت الحكم العسكري الإسرائيلي حتى عام 1966.
وبذلك لم تقم بعد حرب عام 1948 دولة فلسطينية مستقلة، ولم يكن للفلسطينيين إطار سياسي موحد يمتلك مؤسسات وطنية مستقلة وقادرة على تمثيل مختلف تجمعاتهم في الداخل والشتات.
وكانت حكومة عموم فلسطين التي أُعلنت في غزة عام 1948 قد فقدت معظم قدرتها السياسية والتنفيذية تدريجيًا، بينما أصبحت القضية الفلسطينية خلال الخمسينيات وبداية الستينيات تُدار بدرجة كبيرة داخل النظام الرسمي العربي وعبر جامعة الدول العربية.
الحفاظ على الهوية الفلسطينية بعد 1948
على الرغم من فقدان الوطن والتشتت الجغرافي، لم تختفِ الهوية الوطنية الفلسطينية بعد النكبة.
ففي مخيمات اللاجئين والجامعات والمدن العربية، ظهرت اتحادات طلابية ونقابية وأطر سياسية وتنظيمات فلسطينية جديدة، وبدأ جيل جديد من الفلسطينيين يطرح ضرورة استعادة المبادرة الوطنية بدل انتظار الجيوش والأنظمة العربية وحدها لحل القضية.
ومن بين هذه التحولات ظهور حركة التحرير الوطني الفلسطيني «فتح» في أواخر الخمسينيات، إلى جانب حركة القوميين العرب وتنظيمات وتيارات فلسطينية أخرى، وهي قوى ستصبح لاحقًا جزءًا رئيسيًا من الحركة الوطنية الفلسطينية ومنظمة التحرير نفسها.
أزمة مياه نهر الأردن والقمة العربية الأولى
كان أحد العوامل المباشرة التي سرعت إنشاء إطار فلسطيني جديد هو الصراع على مياه نهر الأردن والمشروع الإسرائيلي لتحويل جزء من مياهه.
ودعا الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى عقد أول مؤتمر قمة عربي في القاهرة بين 13 و17 كانون الثاني/يناير 1964، لبحث المشروع الإسرائيلي والتحديات السياسية والعسكرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
واتخذت القمة قرارات تتعلق بتنظيم الشعب الفلسطيني وتمكينه من القيام بدوره في تحرير وطنه وتقرير مصيره، وكلفت أحمد الشقيري، الذي كان يمثل فلسطين في جامعة الدول العربية، بالاتصال بالدول العربية والفلسطينيين من أجل وضع الأسس اللازمة لتنظيم الشعب الفلسطيني.
ولم ينص قرار القمة بصورة صريحة على تأسيس منظمة باسم «منظمة التحرير الفلسطينية»، لكن الشقيري تحرك في الأشهر التالية باتجاه إنشاء كيان فلسطيني مؤسساتي، وأجرى جولة واسعة من المشاورات مع التجمعات والشخصيات الفلسطينية والدول العربية.
أحمد الشقيري والتحضير للمؤتمر الفلسطيني
كان أحمد الشقيري قد أصبح ممثل فلسطين في مجلس جامعة الدول العربية عام 1963، كما ترأس الوفد الفلسطيني إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في خريف العام نفسه.
وبعد تكليفه من القمة العربية، بدأ الشقيري جولة بين البلدان العربية والتجمعات الفلسطينية لبحث شكل الكيان الجديد واختيار ممثلين للمؤتمر الوطني المزمع عقده.
وشكّل لجانًا تحضيرية تولت إعداد قوائم المشاركين، وكان معظم أعضاء المؤتمر من الشخصيات الفلسطينية العامة وأعضاء البرلمانات والمجالس المحلية والنقابيين والمهنيين ورجال الأعمال، إضافة إلى عدد محدود من المنتمين إلى الحركات السياسية الفلسطينية الذين شارك بعضهم بصفات شخصية.
اختيار القدس لعقد المؤتمر
كان لانعقاد المؤتمر التأسيسي في القدس دلالة وطنية وسياسية كبيرة.
فقد كانت المدينة آنذاك تحت الحكم الأردني، واستضافت المؤتمر برعاية الملك حسين، واجتمع المشاركون ابتداءً من 28 أيار/مايو 1964.
وشارك في المؤتمر أكثر من أربعمئة شخصية تمثل تجمعات فلسطينية في الضفة الغربية وشرق الأردن وقطاع غزة وسورية ولبنان والكويت والعراق ومصر وقطر وليبيا والجزائر وغيرها.
وكان الهدف بناء إطار قادر على جمع الفلسطينيين سياسيًا رغم تشتتهم بين دول متعددة وخضوع الأراضي الفلسطينية المتبقية لأنظمة سياسية مختلفة.
28 أيار/مايو 1964: افتتاح المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول
افتُتح المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول في القدس يوم 28 أيار/مايو 1964، واستمرت أعماله حتى 2 حزيران/يونيو.
وفي ختام أعماله أعلن المؤتمر تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية، واعتبر نفسه أول مجلس وطني فلسطيني للمنظمة.
ووصف القرار المنظمة باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني وقائدة لنضاله من أجل تحرير وطنه، وهو ما منح الفلسطينيين للمرة الأولى منذ النكبة مؤسسة سياسية تحمل بصورة رسمية اسم فلسطين وتعمل باسم شعبها على المستوى العربي والدولي.
الميثاق القومي الفلسطيني لعام 1964
كان إقرار الميثاق القومي الفلسطيني من أهم قرارات المؤتمر.
وأكد الميثاق أن فلسطين، ضمن الحدود التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني، تشكل وحدة إقليمية لا تتجزأ، وربط القضية الفلسطينية بالانتماء العربي والنضال القومي العربي.
كما اعتبر وعد بلفور وصك الانتداب وتقسيم فلسطين وإقامة إسرائيل إجراءات باطلة من المنظور الذي تبناه الميثاق، وأكد حق الشعب الفلسطيني في استعادة وطنه وحريته وتقرير مصيره.
وكانت إحدى السمات الأساسية للميثاق الأول الجمع بين الهوية الفلسطينية والانتماء القومي العربي؛ إذ اعتبر تحرير فلسطين والوحدة العربية هدفين متكاملين، يقوم كل منهما بدعم الآخر.
النظام الأساسي لمنظمة التحرير
إلى جانب الميثاق، أقر المؤتمر النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، الذي وضع البنية المؤسسية للكيان الجديد.
وأصبحت المنظمة تقوم على مؤسسات رئيسية، في مقدمتها:
- المجلس الوطني الفلسطيني: الهيئة التمثيلية العليا التي تقر السياسات والبرامج العامة.
- اللجنة التنفيذية: الجهاز التنفيذي الذي يتولى إدارة شؤون المنظمة وتنفيذ قرارات المجلس الوطني.
- الصندوق القومي الفلسطيني: المؤسسة المالية التي أنشئت لتمويل نشاطات منظمة التحرير.
ونص النظام الأساسي للصندوق القومي على إنشاء صندوق خاص لتمويل المنظمة، تديره هيئة يعينها الجهاز التنفيذي، في محاولة لتوفير قاعدة مالية مستقلة للمؤسسات الفلسطينية الجديدة.
انتخاب أحمد الشقيري
انتخب المؤتمر أحمد الشقيري رئيسًا لأول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكُلّف باختيار اثني عشر عضوًا للعمل معه في اللجنة.
وبذلك أصبح الشقيري أول رئيس فعلي للمنظمة وقاد مرحلة بناء مؤسساتها الأولى، وافتتاح مكاتبها في عدد من البلدان، ومحاولة تثبيت حضورها في جامعة الدول العربية وعلى المستوى الدولي.
جيش التحرير الفلسطيني
كان إنشاء قوة عسكرية فلسطينية من أبرز المشروعات المرتبطة بقيام المنظمة.
وفي القمة العربية الثانية التي انعقدت في الإسكندرية بين 5 و11 أيلول/سبتمبر 1964، رحبت الدول العربية بتأسيس منظمة التحرير باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني في العمل من أجل قضيته على المستويين العربي والدولي.
كما وافقت القمة على إنشاء جيش التحرير الفلسطيني، على أن يجري تشكيله وتسليحه وتدريبه وفق خطة تضعها القيادة العربية الموحدة بمشاركة منظمة التحرير الفلسطينية.
لكن الجيش لم يكن في سنواته الأولى قوة فلسطينية مستقلة استقلالًا كاملًا عن الدول العربية؛ إذ توزعت وحداته أساسًا في مصر وسورية والعراق، وظل مرتبطًا بدرجات مختلفة بجيوش الدول التي استضافته.
الاعتراف العربي بمنظمة التحرير
لم يكن تأسيس المنظمة خاليًا من الخلافات العربية.
فبعض الحكومات كانت قلقة من أن يتحول الكيان الفلسطيني الجديد إلى سلطة مستقلة تتعارض مع سيادتها أو مصالحها، وظهرت بصورة خاصة حساسيات مرتبطة بوضع الضفة الغربية التي كانت مرتبطة بالمملكة الأردنية آنذاك.
ومع ذلك، نجحت منظمة التحرير في الحصول على اعتراف عربي مهم خلال القمة العربية الثانية في الإسكندرية في أيلول/سبتمبر 1964، التي رحبت بقيامها بوصفها ممثلة للشعب الفلسطيني في تحمل مسؤوليات القضية الفلسطينية عربيًا ودوليًا.
لكن وصف منظمة التحرير بأنها «الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني» لم يُعتمد عربيًا في عام 1964؛ فهذا الاعتراف جاء لاحقًا في قمة الرباط عام 1974.
العلاقة المعقدة مع الأردن
شكّلت العلاقة مع الأردن إحدى أكثر القضايا حساسية عند تأسيس المنظمة، لأن الضفة الغربية والقدس الشرقية كانتا آنذاك تحت الحكم الأردني، وكان عدد كبير من الفلسطينيين يحملون الجنسية الأردنية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن السلطات الأردنية اشترطت قبل انعقاد المؤتمر ألّا يناقش تنظيم الفلسطينيين وتسليحهم داخل الأردن، وألّا يؤدي قيام الكيان الفلسطيني الجديد إلى المطالبة بسيادة مستقلة على الضفة الغربية.
وعكست هذه الشروط التوتر المبكر بين فكرة بناء كيان وطني فلسطيني مستقل وبين المصالح والسياسات الإقليمية للدول العربية التي كان يعيش الفلسطينيون داخل حدودها.
فتح تبدأ عملياتها العسكرية عام 1965
بعد أشهر فقط من إنشاء منظمة التحرير، أعلنت حركة فتح بدء عمليات جناحها العسكري «العاصفة» في مطلع كانون الثاني/يناير 1965.
ومثّل ظهور العمل الفدائي المستقل تحديًا تدريجيًا للطابع الرسمي الذي اتسمت به منظمة التحرير في مرحلتها الأولى.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن تأسيس منظمة التحرير دفع فتح أيضًا إلى تسريع بناء مؤسساتها العسكرية والسياسية كي تحافظ على مشروعها القائم على استقلال القرار الفلسطيني عن الأنظمة العربية.
احتلال ما تبقى من فلسطين عام 1967
أدى احتلال إسرائيل ما تبقى من فلسطين في حزيران/يونيو 1967، بما يشمل الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، إلى تغيير جذري في البيئة السياسية التي كانت منظمة التحرير تعمل داخلها.
فقد انتهت السيطرة الأردنية على الضفة الغربية والإدارة المصرية لقطاع غزة، وأصبح الشعب الفلسطيني في جميع أجزاء فلسطين التاريخية يواجه واقعًا جديدًا من الاحتلال الإسرائيلي المباشر أو آثار النكبة واللجوء.
وفي الوقت نفسه، أدت هزيمة الجيوش العربية إلى ازدياد الاعتقاد داخل المجتمع الفلسطيني بأن الاعتماد على الأنظمة والجيوش العربية وحدها لن يؤدي إلى تحرير فلسطين، ما عزز مكانة فصائل المقاومة المسلحة المستقلة.
استقالة أحمد الشقيري
مع صعود حركة فتح والفصائل الفدائية وتزايد الانتقادات لقيادة المنظمة، دخل أحمد الشقيري في خلافات متزايدة مع عدد من القوى الفلسطينية والعربية.
وفي 24 كانون الأول/ديسمبر 1967، قدم الشقيري استقالته من رئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، وخلفه يحيى حمودة بصورة مؤقتة.
ومهد ذلك الطريق أمام مرحلة جديدة أصبحت فيها فصائل المقاومة الفلسطينية صاحبة التأثير الأكبر داخل مؤسسات المنظمة.
معركة الكرامة وصعود الفصائل الفلسطينية
شكّلت معركة الكرامة في 21 آذار/مارس 1968 محطة حاسمة في هذا التحول.
فقد أدت المواجهة بين المقاتلين الفلسطينيين والجيش الأردني من جهة والقوات الإسرائيلية من جهة أخرى إلى ارتفاع كبير في شعبية حركة فتح والعمل الفدائي، والتحق آلاف الفلسطينيين والعرب بفصائل المقاومة بعد المعركة.
ومهد هذا الصعود لإعادة تشكيل منظمة التحرير من الداخل، بحيث تنتقل تدريجيًا من إطار أنشئ برعاية النظام العربي الرسمي إلى إطار تسيطر عليه الفصائل الفلسطينية نفسها.
الميثاق الوطني الفلسطيني الجديد عام 1968
بين 10 و17 تموز/يوليو 1968، انعقدت الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة.
وشهدت الدورة مشاركة أقوى لفصائل المقاومة، وأُقر خلالها ميثاق جديد حمل اسم «الميثاق الوطني الفلسطيني» بدل «الميثاق القومي الفلسطيني».
وأكد الميثاق المعدل بصورة أوضح استقلال الشخصية الوطنية الفلسطينية، وجعل الكفاح المسلح محورًا رئيسيًا في استراتيجية التحرير، ونص صراحة على أن «الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين».
وبذلك لم يكن التغيير مجرد تعديل لغوي في اسم الميثاق، بل عكس تحولًا أوسع في مركز الثقل من القومية العربية الرسمية إلى حركة وطنية فلسطينية أصبحت ترى نفسها صاحبة الدور الأساسي في تحرير فلسطين.
ياسر عرفات يتولى قيادة منظمة التحرير
اكتمل التحول في الدورة الخامسة للمجلس الوطني الفلسطيني التي انعقدت في القاهرة بين 1 و4 شباط/فبراير 1969.
فقد تمكنت فصائل المقاومة من الحصول على نفوذ واسع داخل المجلس، وانتُخب قائد حركة فتح ياسر عرفات رئيسًا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
ومنذ ذلك التاريخ أصبحت المنظمة أكثر ارتباطًا بصورة مباشرة بالحركة الفدائية الفلسطينية، وتحولت فتح إلى القوة الأكبر داخلها، بينما بقيت المنظمة الإطار الجامع الذي ضم عددًا واسعًا من الفصائل والاتحادات والمؤسسات والشخصيات الفلسطينية.
من كيان عربي الرعاية إلى إطار وطني فلسطيني
تكمن أهمية مرحلة 1964–1969 في أنها شهدت تحول منظمة التحرير عبر مرحلتين مختلفتين.
في المرحلة الأولى، تأسست المنظمة نتيجة مبادرة ارتبطت بالقمة العربية والنظام الرسمي العربي، وقادها أحمد الشقيري ضمن حدود رسمتها العلاقات بين الدول العربية.
أما بعد عام 1967 وصعود المقاومة، فأُعيد تشكيل مؤسسات المنظمة من الداخل، وأصبحت الفصائل الفلسطينية صاحبة الدور الأكبر في تحديد سياساتها وقيادتها.
ومن هنا يمكن القول إن تأسيس عام 1964 أوجد الإطار المؤسسي، بينما أدت تحولات 1967–1969 إلى إعطاء هذا الإطار طابعه الوطني الفلسطيني الأكثر استقلالًا.
منظمة التحرير واستعادة اسم فلسطين سياسيًا
كان لإنشاء منظمة التحرير أثر يتجاوز تشكيل مؤسسة سياسية جديدة.
فبعد النكبة ومحاولات التعامل مع الفلسطينيين باعتبارهم في الأساس قضية لاجئين موزعين بين دول متعددة، أعادت المنظمة التأكيد على وجود شعب فلسطيني صاحب قضية سياسية وحقوق وطنية، وليس مجرد جماعات لاجئة بحاجة إلى الإغاثة.
وأصبح المجلس الوطني واللجنة التنفيذية والصندوق القومي ومؤسسات المنظمة أدوات لبناء حياة سياسية فلسطينية تتجاوز الحدود الجغرافية التي فرضها اللجوء والاحتلال.
كما وفرت المنظمة إطارًا استطاع لاحقًا استيعاب معظم القوى الفلسطينية الأساسية، وأصبح عنوانًا للحضور الفلسطيني في العالم العربي وعلى الساحة الدولية.
من تأسيس المنظمة إلى الاعتراف العربي والدولي
كان الاعتراف الذي حصلت عليه المنظمة في القمة العربية الثانية بالإسكندرية عام 1964 بداية مسار طويل نحو تثبيت تمثيلها للشعب الفلسطيني.
وبعد انتقال قيادتها إلى الفصائل الفلسطينية وصعود ياسر عرفات، اتسع حضورها السياسي والدبلوماسي بصورة متسارعة.
وفي قمة الرباط عام 1974، اعترفت الدول العربية بمنظمة التحرير الفلسطينية بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.
وفي العام نفسه، ألقى ياسر عرفات خطابه التاريخي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومنحت الجمعية العامة منظمة التحرير صفة مراقب، في تحول أكد انتقال القضية الفلسطينية من ملف كان يُدار إلى حد كبير عربيًا ودوليًا إلى قضية يمثلها الفلسطينيون أنفسهم عبر مؤسستهم الوطنية.
أهمية تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية
مثّل إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 استعادةً مؤسساتية للشخصية الوطنية الفلسطينية بعد سنوات من التشتت الذي أعقب النكبة.
لم تكن المنظمة عند تأسيسها مستقلة استقلالًا كاملًا عن النظام العربي الرسمي، ولم تكن جميع القوى الفلسطينية راضية عن بنيتها أو طريقة تشكيلها، لكنها أوجدت للمرة الأولى منذ عام 1948 مجلسًا وقيادةً وصندوقًا ومؤسسات تحمل اسم فلسطين وتعمل باسم الشعب الفلسطيني.
ثم تغيرت المنظمة بصورة عميقة بعد احتلال عام 1967 وصعود الفصائل المسلحة، وانتقلت قيادتها خلال سنوات قليلة من أحمد الشقيري إلى حركة المقاومة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات.
ومنذ ذلك الحين أصبحت منظمة التحرير الإطار المركزي للحركة الوطنية الفلسطينية، وقادت مراحل الكفاح المسلح والعمل الدبلوماسي والحضور الدولي وإعلان دولة فلسطين، وظلت المؤسسة التي ارتبط بها تمثيل الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية على المستوى العربي والدولي.
ولهذا فإن 28 أيار/مايو 1964 لا يمثل مجرد تاريخ انعقاد مؤتمر فلسطيني، بل بداية بناء مؤسسة وطنية أعادت للفلسطينيين، بعد النكبة والتشتت، إطارًا سياسيًا جامعًا حمل اسم فلسطين وقضيتها إلى العقود التالية.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.