الإبادة التعليمية في غزة: كيف دُمّرت المدارس والجامعات وقُتل المعلمون والعلماء
الإبادة التعليمية في غزة: كيف دُمّرت المدارس والجامعات وقُتل المعلمون والعلماء
أكثر من 20 ألف طالب وطالبة قُتلوا، وأكثر من ألف معلم وأكاديمي فقدوا حياتهم، ونحو 98% من المباني المدرسية تضررت. لا تقتصر خسارة غزة على صفوف تحولت إلى ركام؛ إنها تمتد إلى الجامعات والكتب والأرشيف، وإلى حق جيل كامل في التعلّم وبناء مستقبله.
منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم يكن التعليم في غزة ضحية جانبية للحرب. فقد طال الدمار المدارس ورياض الأطفال والجامعات والمكتبات والأرشيفات، وقُتل آلاف الطلاب ومئات المعلمين وأساتذة الجامعات، بينهم رؤساء جامعات وعلماء وأطباء وأدباء. وحُرم نحو 700 ألف طفل من التعليم الوجاهي النظامي قرابة ثلاث سنوات دراسية متتالية.
والمدرسة ليست جدرانًا ومقاعد، والجامعة ليست قاعات ومحاضرات فقط؛ إنهما المؤسستان اللتان ينقل بهما مجتمع لغته وتاريخه ومعرفته إلى أجياله. ولهذا استخدم خبراء الأمم المتحدة مصطلحًا خاصًا لوصف ما يجري: الإبادة التعليمية (Scholasticide).
ما هي الإبادة التعليمية (Scholasticide)؟
في 18 نيسان/أبريل 2024 أعرب عدد من المقررين الخاصين وخبراء حقوق الإنسان المستقلين في الأمم المتحدة عن قلق بالغ من نمط الهجمات على المدارس والجامعات والمعلمين والطلاب في قطاع غزة. وقالوا إنه مع تضرر أو تدمير أكثر من 80% من مدارس القطاع، قد يكون من المعقول التساؤل عما إذا كان هناك جهد متعمد لتدمير النظام التعليمي الفلسطيني تدميرًا شاملًا.
ويقصد بالإبادة التعليمية المحو المنهجي للتعليم، من خلال قتل المعلمين والطلاب والعاملين أو اعتقالهم واحتجازهم، وتدمير المدارس والجامعات والبنية التي يحتاجها التعليم ليستمر. وأكد الخبراء أن هذه الهجمات ليست حوادث معزولة، وكتبوا:
«عندما تُدمَّر المدارس، تُدمَّر معها الآمال والأحلام»
وفي العام نفسه وقّع أكثر من 1,600 أكاديمي حول العالم عريضة تدين الإبادة التعليمية في غزة، ووجّه أكاديميو غزة رسالة مفتوحة إلى زملائهم في العالم يدعونهم فيها إلى العمل معهم على إعادة بناء جامعاتهم المدمرة.
التعليم في غزة بالأرقام
في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، ومع مرور ثلاث سنوات على بدء الإباده الجماعية التي يرتكبها الإحتلال الصهيوني في غزه، أصدرت وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية تقريرها الإحصائي تحت شعار «ثلاث سنوات بعد الإبادة.. التعليم إرادة لن تتكسر». وهذه أبرز أرقامه عن قطاع غزة:
| الفئة | الشهداء | الجرحى |
|---|---|---|
| طلبة المدارس | 19,189 | 28,586 |
| طلبة الجامعات | 1,386 | 3,082 |
| العاملون في المدارس | 805 | 3,298 |
| المحاضرون والعاملون في الجامعات | 246 | 1,493 |
المصدر: وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026، كما نشرتها منصة غزة.. الذاكرة الحية والنجاح الإخباري.
وبحسب التقرير نفسه، دُمّرت كليًا أكثر من 179 مدرسة حكومية، وقُصفت ودُمّرت أكثر من 105 مدارس تابعة لوكالة الأونروا، ودُمّر كليًا أكثر من 63 مبنى جامعيًا. وتضيف منصة توثيق استهداف التعليم في مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن 118 مدرسة حكومية أخرى تعرضت للقصف والتخريب دون أن تُدمَّر كليًا.
ولا تقيس هذه الأرقام وحدها حجم الخسارة. فهي لا تحسب السنوات الدراسية التي ضاعت، ولا الأثر النفسي للحرمان من التعليم والنزوح المتكرر، ولا ما يعنيه غياب مئات المعلمين والخبراء عن الأجيال المقبلة.
تدمير المدارس ورياض الأطفال
قبل الحرب، كان النظام المدرسي في غزة يخدم نحو 625 ألف طالب و22,564 معلمًا في 813 مدرسة تعمل في 563 مبنى. وكانت 63% من المدارس تتقاسم المباني وتعمل بنظام الفترتين، في ظل الحصار والنمو السكاني ونقص المباني.
بعد تشرين الأول/أكتوبر 2023 تحولت هذه الأزمة المزمنة إلى دمار شامل. وتُظهر تقييمات الأمم المتحدة المبنية على صور الأقمار الصناعية كيف تصاعد الضرر عامًا بعد عام:
| التاريخ | المباني المتضررة | تحتاج إعادة بناء كاملة أو تأهيلًا رئيسيًا |
|---|---|---|
| أيار/مايو 2024 | 85.8% | 72.5% على الأقل |
| نيسان/أبريل 2025 | 95.5% | 88.5% |
| نيسان/أبريل 2026 | نحو 98% | أكثر من 93% |
المصادر: مجموعة التعليم وUNOSAT، أيار 2024؛ مؤسسة التدريب الأوروبية، تموز 2025؛ اليونيسف، تحديث 30 نيسان/أبريل 2026. «المتضررة» لا تعني «المدمّرة كليًا»، والفئات قد تتداخل فلا تُجمع نسبها.
وبحسب اليونيسف، أُصيب نحو 81% من المباني المدرسية إصابة مباشرة. ولم تسلم رياض الأطفال: ففي تقييم سريع أجرته منظمة إنقاذ الطفل في آب/أغسطس 2026، تبيّن أن 86% من 649 روضة إما دُمّرت أو تضررت أو باتت في مناطق يتعذر الوصول إليها خلف «الخط الأصفر» الذي يسيطر عليه الجيش الإسرائيلي.

وقدّرت تقييمات دولية الأضرار في البنية التعليمية وحدها بنحو 870 مليون دولار، مقارنة بنحو 20 مليون دولار بعد حرب 2014. وقبل أن تبدأ إعادة البناء على نطاق واسع، لا بد من إزالة نحو 60 مليون طن من الركام التي تسد الشوارع وتخفي ذخائر غير منفجرة، وهو ما يجعل الطريق إلى أي مساحة تعليمية خطرًا بحد ذاته.
المدارس بوصفها ملاجئ للنازحين
مع تدمير البيوت وموجات النزوح المتكررة، تحولت المدارس إلى ملاجئ لمئات الآلاف من العائلات. ففي الأشهر الأولى من الحرب كان نحو 90% من المباني المدرسية يُستخدم مراكز إيواء.
لكن هذه الملاجئ لم تكن آمنة. ففي أيار/مايو 2024 وجد تقييم مجموعة التعليم أن 65.3% من المباني المدرسية المستخدمة ملاجئ تعرضت لإصابات مباشرة أو أضرار. ولاحظ تقييم لاحق أن أكثر من 96% من المدارس التي أُصيبت مباشرة كانت في مناطق شملتها أوامر الإخلاء الإسرائيلية. وفي تموز/يوليو 2024 قال المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني إن ثلثي مدارس الوكالة في غزة قد أُصيبت.
ومن الأمثلة قصف مدرسة رفيدة في دير البلح في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2024، وكانت تؤوي نحو ألف نازح. أسفرت الغارة عن مقتل 28 شخصًا على الأقل وإصابة أكثر من 54، ولم يسبقها تحذير.
ولم ينتهِ هذا الواقع مع عودة الدراسة. فحين انطلق العام الدراسي في أيلول/سبتمبر 2026، كانت عائلات نازحة ما تزال تسكن مدارس كثيرة، وبعض الصفوف التي أُعيد فتحها كانت ما تزال تؤوي عائلات. فصار المبنى نفسه، في حالات كثيرة، صفًا ومأوى في آن واحد.

وهكذا لم يفقد أطفال غزة صفوفهم فقط، بل فقدوا المكان الذي لجؤوا إليه بعد أن فقدوا بيوتهم.
الجامعات: لم تبقَ جامعة سليمة
تشير البيانات الفلسطينية الرسمية إلى أن مؤسسات التعليم العالي الاثنتي عشرة في قطاع غزة دُمّرت كلها أو تضررت. وقال وزير التربية والتعليم العالي أمجد برهم إن أكثر من 85% من الجامعات ومؤسسات التعليم العالي في القطاع دُمّرت. وحتى حيث بقيت بعض المباني قائمة، فقدت هذه المؤسسات قدرتها على العمل في مقارها.
بدأ الاستهداف منذ الأيام الأولى. ففي 9 و10 تشرين الأول/أكتوبر 2023 دُمّر الحرم الرئيسي للجامعة الإسلامية، أقدم جامعات القطاع وأول مؤسسة تعليم عالٍ فيه. ثم توالى تدمير المباني الجامعية: مبنى فرع جامعة القدس المفتوحة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وأبنية جامعة الأزهر في الشهر نفسه، وجامعة غزة في كانون الأول/ديسمبر 2023، ومبنيان لجامعة الأقصى في شباط/فبراير 2024.


كانت الجامعة الإسلامية تضم نحو 17 ألف طالب قبل الحرب، يدرسون الطب والكيمياء والأدب والتجارة وغيرها. وتحول ما بقي من مبانيها لاحقًا إلى مأوى للنازحين، فنُصبت الخيام في أنقاض قاعات المحاضرات والمكتبة والمختبرات، فيما بقيت قاعتها الرئيسية هيكلًا محترقًا تخترق جدرانه فجوات ضخمة.

جامعة الإسراء: آخر جامعة قائمة
تأسست جامعة الإسراء سنة 2014 جنوب مدينة غزة، وكان عدد طالباتها يفوق عدد طلابها، وضمت متحفًا وطنيًا كان الأول من نوعه في الأراضي الفلسطينية.
بحسب بيان الجامعة، احتل الجيش الإسرائيلي مبناها الرئيسي نحو 70 يومًا، واستخدمه قاعدة عسكرية ومركز احتجاز مؤقتًا للتحقيق مع المواطنين. ثم فُجّر المبنى بمئات الألغام في 17 كانون الثاني/يناير 2024، فدُمّر المبنى الرئيسي والمتحف ومستشفى الجامعة. وقالت الجامعة إن نحو 3,000 قطعة أثرية نادرة نُهبت من متحفها قبل التفجير.
وبتدمير الإسراء، لم تبقَ في قطاع غزة جامعة واحدة قائمة.
قتل المعلمين والعلماء والأكاديميين
لم يقتصر الاستهداف على المباني. فبحسب وزارة التربية والتعليم العالي، قُتل حتى تشرين الأول/أكتوبر 2026 في قطاع غزة 805 من العاملين في المدارس و246 من المحاضرين والعاملين في الجامعات. والجامعة الإسلامية وحدها فقدت 56 من موظفيها الأكاديميين والإداريين بين 2023 و2024. وفي أيار/مايو 2024 نشر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة قائمة بأسماء أكثر من مئة عالم وأكاديمي وأستاذ جامعي وباحث قُتلوا في الحرب.
ومن بين الأكاديميين الذين قُتلوا ثلاثة رؤساء جامعات. ومن أبرز الأسماء:
- الدكتور سفيان تايه: عالم الفيزياء ورئيس الجامعة الإسلامية في غزة، قُتل مع عدد من أفراد عائلته في غارة على مخيم جباليا في 2 كانون الأول/ديسمبر 2023.
- الدكتور رفعت العرعير: الشاعر وأستاذ الأدب المقارن والكتابة الإبداعية في الجامعة الإسلامية منذ 2007، ومؤسس مشروع «نحن لسنا أرقامًا» الذي ينشر قصص الكتّاب الفلسطينيين الشباب بالإنجليزية. قُتل في غارة إسرائيلية في 6 كانون الأول/ديسمبر 2023 مع أخيه وأخته وأربعة من أبنائهما، وانتشرت قصيدته «إذا كان لا بد أن أموت» في أنحاء العالم بعد رحيله.
- الدكتور مدحت صيدم: أستاذ طب الحروق وأحد أبرز الجراحين في غزة.
- الدكتور رأفت لبد: أستاذ طب الباطنة في جامعات القطاع.
- الدكتور سعيد طلال الدهشان: أستاذ القانون الدولي وخبيره في جامعات غزة.
- الدكتورة رولا فضل عبد الجواد: أستاذة الوسائط المتعددة في عدة جامعات.
- الدكتور ناصر اليافاوي: المؤرخ والباحث والأستاذ الجامعي.
وقال أقارب رفعت العرعير إنهم يعتقدون أنه استُهدف بسبب كتاباته بالإنجليزية وعمله في نقل قصص غزة إلى العالم، وكان قد تلقى تهديدات بالقتل في الأسابيع السابقة. وقال زملاء سفيان تايه إنه كان يتوقع استهدافه بعد أن قُتل عدد من أعضاء هيئة التدريس والإداريين في الجامعة الإسلامية قبله.
وكل أستاذ جامعي يُقتل لا يعني فقدان شخص واحد، بل فقدان عقود من الخبرة، وأجيال من الطلاب كان سيعلّمهم، وأبحاث لن تكتمل.
المكتبات والأرشيف والذاكرة
طالت الحرب أيضًا ذاكرة غزة المكتوبة. ففي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2023 أعلنت السلطات المحلية تدمير الأرشيف المركزي لمدينة غزة، الذي ضم آلاف الوثائق التاريخية الممتدة على أكثر من 150 عامًا. وبحلول نيسان/أبريل 2024 كانت 13 مكتبة عامة قد تضررت أو دُمّرت.
كما دُمّر المسجد العمري الكبير في كانون الأول/ديسمبر 2023، وهو من أقدم مساجد غزة ومركز تاريخي للعلم، وضم مكتبة مخطوطات عريقة.
وفقدان الأرشيف لا يعني خسارة أوراق قديمة فقط. فالوثائق تحفظ سجلات المؤسسات والأحياء والعائلات، وحين تضيع تختفي تفاصيل من تاريخ المدينة لا يمكن تعويضها من مصادر أخرى.
وهذا يعيد إلى الأذهان ما جرى سنة 1948، حين نُهبت عشرات الآلاف من الكتب والمخطوطات من البيوت والمكتبات الفلسطينية في القدس ويافا وحيفا، وانتهى كثير منها في مكتبة الجامعة العبرية. فاستهداف الكتاب والأرشيف ليس جديدًا، لكنه في غزة جاء هذه المرة مصحوبًا بتدمير شبه كامل للمدرسة والجامعة معًا.
الإطار القانوني: من الإبادة التعليمية إلى الإبادة الجماعية
«الإبادة التعليمية» مصطلح يصف نمطًا من تدمير التعليم ومؤسساته والعاملين فيه، وليس جريمة قائمة بذاتها في القانون الدولي. أما الإبادة الجماعية فجريمة محددة في اتفاقية منع الإبادة الجماعية لسنة 1948، ولها أركان، أهمها القصد الخاص لتدمير جماعة كليًا أو جزئيًا.
وفي 16 أيلول/سبتمبر 2025 خلصت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، برئاسة القاضية نافي بيلاي، إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. ووجدت اللجنة أن أربعة من الأفعال الخمسة التي تعرّفها الاتفاقية قد ارتُكبت: القتل، وإلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير، وفرض ظروف معيشية يُقصد بها تدمير الجماعة كليًا أو جزئيًا، وفرض تدابير تستهدف منع الإنجاب.
والأهم لموضوع هذا المقال أن اللجنة ذكرت صراحة «التدمير المنهجي لنظامي الرعاية الصحية والتعليم في غزة» ضمن العمليات التي فحصتها في إثبات الأفعال المكونة للإبادة. وخلصت كذلك إلى توافر القصد، مستندة إلى تصريحات المسؤولين الإسرائيليين وإلى نمط السلوك العسكري، ووفق معيار «الاستنتاج المعقول الوحيد» الذي حددته محكمة العدل الدولية.
«تجد اللجنة أن إسرائيل مسؤولة عن ارتكاب إبادة جماعية في غزة»
وهذا استنتاج لجنة تحقيق مستقلة كلّفها مجلس حقوق الإنسان، وليس حكمًا قضائيًا. وفي مسار قضائي منفصل، تنظر محكمة العدل الدولية في الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا ضد إسرائيل بموجب اتفاقية منع الإبادة الجماعية، وقد أصدرت فيها تدابير مؤقتة، ولم يصدر بعد حكم نهائي في موضوع الدعوى.
استهداف التعليم في الضفة الغربية
لم يقتصر الاستهداف على غزة. ففي الضفة الغربية، وخلال السنوات الثلاث نفسها، وثّقت وزارة التربية والتعليم العالي مقتل 134 طالبًا مدرسيًا و39 طالبًا جامعيًا و7 من كوادر المدارس، واعتقال 416 طالبًا مدرسيًا و481 طالبًا جامعيًا وأكثر من 176 معلمًا وموظفًا مدرسيًا.
وبحسب الوزارة، أصدر الاحتلال أمرًا نهائيًا بهدم مدرسة جنبا في مسافر يطا جنوب الخليل، وأغلق أربع مدارس في البلدة القديمة بالخليل لأيام، ومنع تصاريح لمعلمي المدارس الخاصة في القدس، وواصل اقتحام الجامعات، وكان آخرها اقتحام جامعة بيرزيت.
التعليم الذي لم يتوقف
رغم كل ذلك، لم يتوقف التعليم. فخلال الحرب أقام معلمون صفوفًا في الخيام ومراكز النزوح، وأنشأت وزارة التربية والتعليم مدارس افتراضية لطلبة غزة داخل القطاع وخارجه. لكن الطريق كان صعبًا: فحتى منتصف كانون الثاني/يناير 2026 لم تكن حتى الأقلام والدفاتر متوفرة، وحتى نيسان/أبريل 2026 كان نحو 420 ألف طفل بلا أي تعليم وجاهي على الإطلاق. وفي كانون الثاني/يناير 2026 قالت الوزارة إن 317,332 طالبًا كانوا يتعلمون في مساحات ومبادرات تعليمية وجاهية، إلى جانب 120 ألفًا في مدارس افتراضية يدرّس فيها معلمون من الضفة الغربية.
وفي 19 أيلول/سبتمبر 2026 انطلق العام الدراسي الوجاهي في قطاع غزة بعد انقطاع دام ثلاث سنوات. ويتعلم نحو 541 ألف طالب وطالبة، بينهم نحو 100 ألف في مدارس الأونروا، في نحو 700 نقطة تعليمية موزعة في مناطق القطاع، إلى جانب 25 مدرسة مؤقتة. ويتلقى جزء كبير منهم تعليمه في خيام وكرفانات.
وفي أول أيام الدراسة، قال الطالب مؤيد أبو مصطفى في خان يونس، الذي لم يكن يملك حذاءً مناسبًا ولا دفترًا ولا قلمًا، وجلس على أرض خيمة حارة:
«رغم كل هذا سنتعلم، سنتعلم حتى في خيمة»
وقالت الطالبة سمر أبو سلمي، ابنة الخامسة عشرة التي تعيش مع عائلتها في خيمة، إنها درست على الهاتف دون أن ترى معلميها، وإنها انتقلت اليوم من خيمة تسكنها إلى خيمة تدرس فيها. ولم تعد عائلتها قادرة على شراء القرطاسية التي كانت رخيصة قبل الحرب؛ فبحسب أحد تجار القرطاسية، تضاعفت الأسعار خمس مرات بسبب القيود الإسرائيلية على الاستيراد. وأقامت وزارة التربية، بدعم من المنظمات الإنسانية، عشرات المدارس المؤقتة من الشوادر والصفيح والخشب، بعضها ليس فيه سوى بضع فرشات وسبّورة.
كل ذلك يجري بينما ما تزال قوات الإحتلال الإسرائيلية تسيطر على أكثر من 60% من مساحة القطاع، رغم وقف إطلاق النار الذي بدأ في تشرين الأول/أكتوبر 2025 وأوقف القتال الواسع دون أن ينهي الصراع.
وبالتوازي، تخدم المدارس الافتراضية نحو 70 ألف طالب داخل القطاع لا يستطيعون الوصول إلى النقاط التعليمية، ونحو 20 ألفًا من طلبة غزة في الخارج، ولا سيما في مصر.
والعودة إلى التعلم ليست عودة إلى نظام مدرسي طبيعي. فالخيمة الصفية تمنح الطفل قدرًا من التعلم والتواصل، لكنها لا تعوّض المدرسة المجهزة، ولا المختبر والمكتبة، ولا البيئة الآمنة المستقرة. وما زالت إعادة بناء التعليم في غزة تحتاج إلى إعادة تأهيل المدارس والجامعات، ودعم المعلمين والطلاب نفسيًا، وإشراك المؤسسات التعليمية الفلسطينية في تحديد الأولويات.
وهذا المشهد ليس جديدًا في التاريخ الفلسطيني. فبعد النكبة سنة 1948، بدأ اللاجئون خلال أشهر بإنشاء صفوف مؤقتة في الخيام، واستأنف معلمون فقدوا مدارسهم التدريس في ظروف جديدة. وكما نقل الفلسطينيون يومها مدارسهم إلى فضاء اللجوء، ينقلها أطفال غزة ومعلموها اليوم إلى الخيمة.
فالمدرسة في الذاكرة الفلسطينية لم تكن يومًا مبنى فقط، بل فعل استمرار. ومن يدمّر المبنى لا يستطيع بالضرورة أن يمحو الإرادة التي بنته.
ملاحظة حول الأرقام: تختلف الأرقام بين المصادر بحسب تاريخ التحديث والفئات المشمولة وتعريف الضرر. لذلك رُبط كل رقم في هذا المقال بمصدره وتاريخه، ولم تُجمع المؤشرات المختلفة في رقم واحد.
أسئلة شائعة عن الإبادة التعليمية في غزة
ما معنى الإبادة التعليمية (Scholasticide)؟
هي المحو المنهجي للتعليم من خلال قتل المعلمين والطلاب والعاملين أو اعتقالهم، وتدمير المدارس والجامعات والمكتبات. واستخدم خبراء الأمم المتحدة المصطلح في بيانهم عن غزة في 18 نيسان/أبريل 2024.
كم عدد الطلاب الذين قُتلوا في غزة؟
بحسب وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، قُتل حتى 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026 في قطاع غزة 19,189 طالبًا مدرسيًا و1,386 طالبًا جامعيًا.
كم عدد المعلمين وأساتذة الجامعات الذين قُتلوا في غزة؟
قُتل 805 من العاملين في المدارس و246 من المحاضرين والعاملين في الجامعات حتى تشرين الأول/أكتوبر 2026 بحسب الوزارة، ومن بينهم ثلاثة رؤساء جامعات.
هل دُمّرت جميع مدارس غزة؟
ليست كلها مدمرة كليًا، لكن الضرر شبه شامل. فبحسب اليونيسف في نيسان/أبريل 2026، تضرر نحو 98% من المباني المدرسية، ويحتاج أكثر من 93% منها إلى تأهيل رئيسي أو إعادة بناء كاملة، وأُصيب نحو 81% منها إصابة مباشرة.
هل بقيت جامعات في غزة؟
دُمّرت مؤسسات التعليم العالي الاثنتا عشرة في القطاع كلها أو تضررت. وكانت جامعة الإسراء آخر جامعة قائمة حتى فُجّرت في 17 كانون الثاني/يناير 2024.
هل الإبادة التعليمية هي نفسها الإبادة الجماعية قانونيًا؟
لا. الإبادة التعليمية مصطلح يصف تدمير النظام التعليمي، والإبادة الجماعية جريمة محددة في القانون الدولي لها أركانها. لكن لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، حين خلصت في أيلول/سبتمبر 2025 إلى أن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، ذكرت التدمير المنهجي لنظام التعليم ضمن ما استندت إليه.
هل عاد الطلاب إلى المدارس في غزة؟
انطلق العام الدراسي الوجاهي في 19 أيلول/سبتمبر 2026 بعد انقطاع ثلاث سنوات، في نحو 700 نقطة تعليمية و25 مدرسة مؤقتة، كثير منها خيام وكرفانات، إلى جانب مدارس افتراضية. لكنه ليس عودة إلى نظام مدرسي طبيعي.
مصادر ومراجع
- غزة.. الذاكرة الحية – وزارة التربية: أكثر من 20 ألف طالب وعامل في التعليم قُتلوا خلال ثلاث سنوات، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026
- النجاح الإخباري – التقرير الإحصائي لوزارة التربية والتعليم العالي، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2026
- النجاح الإخباري – بدء العام الدراسي الوجاهي في قطاع غزة بعد انقطاع ثلاث سنوات، 19 أيلول/سبتمبر 2026
- مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان – بيان الخبراء بشأن الإبادة التعليمية في غزة، 18 نيسان/أبريل 2024 (بالإنجليزية)
- الأمم المتحدة – لجنة التحقيق: إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، 16 أيلول/سبتمبر 2025 (بالإنجليزية)
- محكمة العدل الدولية – قضية جنوب أفريقيا ضد إسرائيل (بالإنجليزية والفرنسية)
- اليونيسف – تحديث الوضع الإنساني: التعليم، 30 نيسان/أبريل 2026 (بالإنجليزية)
- منظمة إنقاذ الطفل – تقييم رياض الأطفال والمدارس، 2026 (بالإنجليزية)
- UNITAR – تقييم مجموعة التعليم وUNOSAT عبر الأقمار الصناعية، أيار/مايو 2024 (بالإنجليزية)
- مؤسسة التدريب الأوروبية – التعليم والتدريب في الضفة الغربية وغزة: حقائق وأرقام، 2025 (بالإنجليزية)
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية – منصة توثيق استهداف وتدمير التعليم في قطاع غزة
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية – جامعة الإسراء (بالإنجليزية)
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية – الجامعة الإسلامية (بالإنجليزية)
- عربي بوست – أكثر من 100 عالم وأكاديمي قُتلوا في غزة، 17 أيار/مايو 2024
- أكاديمية الشعراء الأمريكيين – سيرة رفعت العرعير (بالإنجليزية)
- الجزيرة (مع رويترز وأسوشيتد برس) – أطفال غزة يعودون إلى الصفوف في الخيام والأنقاض، 21 أيلول/سبتمبر 2026 (بالإنجليزية)
- رويترز عبر المونيتور – طلاب غزة يعودون إلى التعليم الوجاهي لأول مرة منذ ثلاث سنوات، 21 أيلول/سبتمبر 2026 (بالإنجليزية)
- أسوشيتد برس – الجامعة الإسلامية في غزة تتحول إلى مأوى للنازحين، 2025 (بالإنجليزية)
- CBC – أستاذ يعود إلى أنقاض جامعة الأزهر في غزة، ورد الجيش الإسرائيلي على اتهامات الإبادة التعليمية (بالإنجليزية)
- ويكيبيديا – قصف مدرسة رفيدة، تشرين الأول/أكتوبر 2024 (بالإنجليزية)
- CBC/رويترز – لجنة تحقيق أممية: إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة، والرد الإسرائيلي، 16 أيلول/سبتمبر 2025 (بالإنجليزية)
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.