التعليم الفلسطيني قبل 1948: المدارس والمعلمون والتعليم في فلسطين قبل النكبة
التعليم الفلسطيني قبل 1948: المدارس والمعلمون والتعليم في فلسطين قبل النكبة
كيف بنى الفلسطينيون مدارسهم بأيديهم وأموالهم، وكيف تطور التعليم من الكتاتيب والمدارس الرشدية إلى المدارس الثانوية والكلية العربية في القدس، وماذا تكشف المدارس عن المجتمع الفلسطيني الذي كان قائمًا قبل النكبة؟

عندما نتحدث عن فلسطين قبل النكبة، تتجه الصورة غالبًا إلى المدن والقرى والأسواق والبيارات والموانئ، ثم تقفز مباشرة إلى أحداث سنة 1948. لكن هناك جانبًا أساسيًا من الحياة الفلسطينية يستحق التوقف عنده: التعليم.
فالتعليم في فلسطين قبل 1948 لم يكن مجرد مجموعة من المدارس الحكومية في المدن. كان شبكة واسعة ومتنوعة من المدارس الرسمية والأهلية والدينية والبلدية، ومدارس أنشأتها المجتمعات المحلية، إلى جانب مؤسسات متخصصة في إعداد المعلمين والتعليم الثانوي وما بعد الثانوي.
وكان الفلسطينيون أنفسهم طرفًا أساسيًا في بناء هذه الشبكة. ففي القرى تبرع الأهالي بالأرض والمال لبناء المدارس ودفع رواتب المعلمين، وفي المدن أنشأت البلديات والمؤسسات الدينية والوطنية مدارسها الخاصة، بينما ظهرت مؤسسات تربوية متقدمة مثل الكلية العربية في القدس.
لكن توسع التعليم لم يكن يعني أن النظام التعليمي لبّى حاجة المجتمع. ففي السنوات الأخيرة من الانتداب ظل عدد كبير من الأطفال خارج المدرسة، وكانت الفجوة أشد في الريف وبين الفتيات. وقد اعترفت بذلك اللجنة الملكية البريطانية نفسها في تقريرها إلى البرلمان سنة 1937، حين قالت إن نظام الحكومة بعد سبع عشرة سنة من الانتداب لا يستطيع:
«...أن يسدّ إلا نصف حاجة العرب إلى التعليم»
فكيف كان التعليم الفلسطيني قبل النكبة؟ كيف كانت المدارس الفلسطينية قبل 1948؟ ماذا كان وضع التعليم في القدس ويافا وحيفا وغزة والقرى؟ وهل كانت هناك جامعات فلسطينية قبل 1948؟
التعليم في فلسطين قبل الانتداب البريطاني
جذور التعليم في فلسطين أقدم بكثير من العصر الحديث. فالمؤرخ الفلسطيني نور مصالحة يتتبع في كتابه «فلسطين: أربعة آلاف عام من التربية والتعليم» أدلة أثرية على استخدام الألواح الطينية لتعليم القراءة والكتابة في القرنين الخامس عشر والرابع عشر قبل الميلاد، في مواقع قرب نابلس وفي أريحا. ويذكّر بأن غزة احتضنت في العصر البيزنطي واحدة من أهم مدارس البلاغة في العالم. وكتب مصالحة ردًا على سردية تصوّر الفلسطينيين شعبًا أميًّا بلا ثقافة مكتوبة:
«العلم والبحث الفلسطيني متجذران عميقًا في الماضي البعيد»
ويرى مصالحة أن ما يسميه «الثورة التربوية والمدرسية» في فلسطين الحديثة بدأ في ستينيات القرن التاسع عشر وسبعينياته، واستمر حتى نهاية الانتداب، ثم انقطع فجأة بوقوع النكبة.
لم يبدأ التعليم الحديث في فلسطين مع الانتداب البريطاني. ففي العهد العثماني عرفت المدن والبلدات الكتاتيب التي علّمت القرآن ومبادئ القراءة والكتابة، ثم المدارس الرشدية التي انتشرت في مراكز الأقضية مع إصلاحات الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر.
وفي القدس، تطورت المدرسة الإعدادية الحكومية خلال الحرب العالمية الأولى إلى مدرسة ثانوية كاملة عُرفت باسم المدرسة السلطانية، وكانت من أعلى مؤسسات التعليم الرسمي في فلسطين في ذلك الوقت. وكانت التركية لغة التدريس الأساسية في المدارس الحكومية العثمانية.
وإلى جانب المدارس الحكومية، أنشأت المؤسسات الدينية والإرساليات الأجنبية مدارس في عدد من المدن والبلدات الفلسطينية. وفي رام الله وبيرزيت وغيرها ظهرت مدارس ارتبطت بالمؤسسات المسيحية والإرساليات التعليمية، بينما حافظت المؤسسات الإسلامية والمحلية على حضورها في التعليم.
وكان التعليم الأهلي جزءًا مهمًا من هذا المشهد. وفي القدس برز المربي خليل السكاكيني الذي أسس سنة 1909 المدرسة الدستورية، واتخذ فيها أساليب تعليمية مختلفة عن الأساليب التقليدية، واهتم بالرياضة والموسيقى والنشاط المدرسي، وجعل العربية محورًا أساسيًا في التعليم. وقد كتب عنه تلميذه المقدسي واصف جوهرية في مذكراته:
«علّمنا العربية بطريقة أحبّها الطلاب كثيرًا»
لم يكن الانتقال من التعليم التقليدي إلى التعليم الحديث عملية بدأت في لحظة واحدة، بل كان نتيجة تراكم مؤسسات ومدارس ومعلمين ومبادرات أهلية امتدت من العهد العثماني إلى فترة الانتداب.
بداية التعليم في عهد الانتداب البريطاني
بعد دخول القوات البريطانية إلى فلسطين، استمر التعليم في البداية في ظل الإدارة العسكرية، ثم انتقل إلى الإدارة المدنية مع قيام حكومة الانتداب، وأصبحت إدارة المعارف الجهة المشرفة على التعليم الرسمي.
وفي القدس تأسست دار المعلمين خلال الفترة الانتقالية التي سبقت اكتمال الإدارة المدنية، ثم تطورت مؤسسات إعداد المعلمين خلال السنوات التالية. وكان من أبرز الأسماء في هذه المرحلة المربي خليل السكاكيني، الذي شارك في العمل التربوي وتولى إدارة دار المعلمين بين 1919 و1920، وعمل لاحقًا في التفتيش التعليمي، ثم ترأس كلية النهضة التي أسسها في القدس أواخر الثلاثينيات، وكانت من أهم المعاهد العربية الفلسطينية قبل 1948.
كما شهدت السنوات الأولى من الانتداب نقاشًا حول المناهج والكتب المدرسية وطبيعة التعليم العربي. ومع استقرار الإدارة المدنية أصبحت العربية لغة التدريس الأساسية في التعليم العربي بعد أن كانت التركية لغة التعليم الرسمي في المدارس الحكومية العثمانية.

وتكشف هذه الوثيقة عن جانب مهم من انتشار التعليم في القرى: المدرسة لم تكن مؤسسة منفصلة عن المجتمع المحلي، بل كانت مرتبطة بعدة قرى وأحيانًا تُفتح استجابة لمطالبة الأهالي بتوفير التعليم لأبنائهم.
كيف كان نظام التعليم العربي قبل 1948؟
في السنوات الأخيرة من الانتداب، تكوّن التعليم العربي الرسمي أساسًا من مرحلتين:
- المرحلة الابتدائية: سبع سنوات، وكان القبول في الصف الأول عادة للأطفال بين السادسة والسابعة.
- المرحلة الثانوية: أربع سنوات في المدارس التي كانت توفر التعليم الثانوي كاملًا.
لكن هذا التقسيم على الورق لم يكن متاحًا لكل طفل. ففي العام الدراسي 1945/1946 بلغ عدد المدارس الرسمية الابتدائية الكاملة سبع السنوات 125 مدرسة، بينما كانت أربع مدارس فقط قد وصلت إلى صفوف ثانوية كاملة في 1946/1947، ثم ارتفع العدد إلى 12 مدرسة في 1947/1948.
ومع ذلك، تظهر الإحصاءات توسعًا كبيرًا في التعليم الرسمي العربي خلال فترة الانتداب.
| السنة الدراسية | عدد المدارس | الطلاب | الطالبات | المجموع |
|---|---|---|---|---|
| 1919/1920 | 171 | 8,419 | 2,243 | 10,662 |
| 1930/1931 | 308 | 19,346 | 4,942 | 24,288 |
| 1935/1936 | 384 | 33,053 | 9,712 | 42,765 |
| 1940/1941 | 403 | 42,661 | 11,984 | 54,645 |
| 1945/1946 | 514 | 64,536 | 16,506 | 81,042 |
المصدر: حكومة فلسطين، مديرية التعليم، ومصطفى مراد الدباغ، كما وردت البيانات في مركز المعلومات الوطني الفلسطيني (وفا).
وبذلك ارتفع عدد المدارس العربية الرسمية من 171 مدرسة في 1919/1920 إلى 514 مدرسة في 1945/1946، كما ارتفع عدد الملتحقين بها من 10,662 إلى 81,042 طالبًا وطالبة.
وتظهر سجلات امتحانات سنة 1945 أن نسبة الحاصلين على إحدى الشهادات الرسمية بين المتقدمين العرب بلغت 86% وفق الجدول المنشور في بيانات مديرية التعليم، مقابل 62% بين المتقدمين اليهود. وتحتاج هذه النسبة إلى قراءتها ضمن أعداد المتقدمين ونوع الشهادة، ولا تعني أن العرب كانوا متفوقين في كل جوانب النظام التعليمي.
التعليم الحكومي والأهلي والديني
لم تكن المدارس الحكومية وحدها التي توفر التعليم للفلسطينيين. فقد قام إلى جانبها قطاع واسع من المدارس غير الرسمية، شمل مدارس المجلس الإسلامي الأعلى، والمدارس المسيحية بمختلف طوائفها، ومدارس الجمعيات والمؤسسات الوطنية الخاصة.
وفي العام الدراسي 1945/1946 بلغ عدد المدارس العربية غير الرسمية 313 مدرسة ضمت 43,885 طالبًا وطالبة.
| المجموع | 313 | 43,885 |
|---|---|---|
| نوع المدرسة | عدد المدارس | عدد الطلاب |
| مدارس كاثوليكية | 113 | 18,593 |
| مدارس غير رسمية أخرى | 120 | 12,626 |
| مدارس بروتستانتية | 30 | 5,023 |
| مدارس أرثوذكسية | 30 | 4,184 |
| مدارس المجلس الإسلامي الأعلى | 11 | 2,023 |
| مدارس مسيحية أخرى | 9 | 1,436 |
ومن المدارس الوطنية الخاصة البارزة روضة المعارف في القدس، وكلية النجاح في نابلس، وكلية النهضة والكلية الإبراهيمية ومدرسة الأمة في القدس، والكلية الأرثوذكسية ومدرسة الثقافة في يافا، وكلية غزة، ومدارس بيرزيت الوطنية.
وهذا التنوع مهم لفهم المجتمع الفلسطيني قبل 1948؛ فلم يكن التعليم مؤسسة حكومية فقط، بل شاركت فيه البلديات والمؤسسات الدينية والجمعيات والأفراد والمجتمعات المحلية.
القرية الفلسطينية ومدرستها
لا يكتمل فهم التعليم الفلسطيني قبل النكبة بالنظر إلى القدس ويافا وحيفا وحدها. فالقرية الفلسطينية كانت جزءًا أساسيًا من المشهد التعليمي، وإن كان التعليم فيها أقل انتشارًا واكتمالًا من المدن.
والأهم أن سكان القرى لم يكونوا مجرد متلقين لخدمة تعليمية حكومية، بل شاركوا بصورة مباشرة في إنشاء المدارس وتمويلها. فبين نيسان/أبريل 1941 وآب/أغسطس 1945 تبرع القرويون لمدارس قراهم بنحو 325,120 جنيهًا فلسطينيًا، أُنفق منها 121,395 جنيهًا على المباني المدرسية.
وتروي المصادر أن افتتاح مدرسة في بعض القرى كان يبدأ قبل وجود مبنى مدرسي دائم؛ فقد تدرّس في غرفة أو مسجد أو خيمة أو مكان مؤقت، إلى أن يتمكن الأهالي من بناء مدرسة مناسبة.
وكانت الحكومة تبرر قلة أموال التعليم بأن معظم الميزانية تذهب إلى الأمن. وتنقل المصادر ردًا مشهورًا على ذلك:
«أعطونا أمنًا سياسيًا، وخذوا منا أمنًا عامًا»
وتكشف سجلات القرى عن تفاوت واضح في مستوى التعليم. ففي قضاء عكا كانت هناك 30 مدرسة قروية سنة 1942/1943، وكانت أربع منها فقط مدارس ابتدائية كاملة. وفي قضاء نابلس كانت 37 مدرسة في 130 قرية سنة 1944/1945، منها 35 مدرسة للبنين ومدرستان فقط للبنات.
وفي قضاء الرملة، الذي ضم 70 قرية، كانت المدارس موجودة في 32 قرية سنة 1945/1946. وكانت يبنا وزرنوقة من القرى التي وصلت مدارسها إلى المرحلة الابتدائية الكاملة، بينما توقفت مدارس قرى كثيرة عند الصف الرابع أو الخامس.
وهذه الأرقام لا تعني أن القرى لم تهتم بالتعليم، بل تكشف العكس في كثير من الحالات: كان الطلب الشعبي على التعليم أكبر من قدرة النظام الرسمي على الاستجابة له.
وفي سنة 1946 كانت 248 مدرسة تدرّس الزراعة على أراضٍ مدرسية، كما ضمت مكتبات 158 مدرسة قروية نحو 34,310 كتب. وهذا يدل على أن بعض المدارس الريفية لم تكن مجرد أماكن لتعليم القراءة والكتابة، بل حاولت ربط التعليم بالحياة الزراعية والاجتماعية للقرية.

المدرسة والقرية الفلسطينية
كانت المدرسة جزءًا من البنية الاجتماعية للقرية. وكان المعلم في كثير من الحالات شخصية معروفة في المجتمع المحلي، بينما أصبحت المدرسة مكانًا للتعليم والقراءة والنشاط الثقافي، وأحيانًا لتوفير الكتب لأهل القرية.
ولهذا فإن توثيق المدارس القديمة يضيف طبقة مهمة إلى توثيق القرى الفلسطينية: فصفحة القرية لا تكتمل فقط بذكر عدد السكان والمنازل والأراضي، بل يمكن أن تشمل المدرسة، وعدد طلابها، ومعلميها، والصفوف التي كانت متاحة فيها.
تعليم البنات في فلسطين قبل 1948
توسع تعليم البنات تدريجيًا خلال الانتداب، لكنه ظل متأخرًا عن تعليم البنين، وخاصة في الريف. ففي 1945/1946 بلغ عدد الطالبات في المدارس الرسمية 16,506 مقابل 64,536 طالبًا، ولم يكن في القرى سوى 55 مدرسة رسمية للبنات.
وقد رصدت لجنة التحقيق الأنجلو أمريكية هذه الفجوة سنة 1946، فكتبت عن أوضاع الطبقات الفقيرة في المدن وفي كل قرية عربية تقريبًا:
«ففتاة واحدة فقط بين ثماني تحصل على التعليم الآن»
وتظهر البيانات أن الفجوة كانت أكبر في المناطق الريفية، بينما استطاعت بعض المدن الفلسطينية تطوير شبكة أوسع من مدارس البنات بفضل المدارس الحكومية والأهلية والطائفية.
وفي المدن ارتفعت نسبة التحاق البنات بصورة ملحوظة في بعض المراكز التعليمية. ففي القدس، مثلًا، بلغت النسبة المسجلة للطالبات إلى عدد البنات في سن التعليم 85% في أحد الإحصاءات، بينما تجاوزت 100% في بيت لحم لأن مدارس المدينة كانت تستقبل طالبات من القرى المجاورة أيضًا.
دار المعلمات في القدس
تأسست دار المعلمات في القدس سنة 1919، وكانت تضم أربع سنوات ثانوية وسنة لإعداد المعلمات للتدريس في المدارس الابتدائية.
بدأت بـ23 طالبة، ثم وصل عدد الطالبات إلى 104 في العام الدراسي 1945/1946، وتخرجت منها مئات المعلمات اللواتي عملن في مدارس البنات.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 1935 تأسست دار المعلمات القروية في رام الله لإعداد معلمات للعمل في مدارس البنات الريفية، وهو ما يعكس إدراك المجتمع والحكومة للحاجة إلى كوادر نسائية قادرة على العمل في القرى.

التعليم في القدس قبل النكبة
كانت القدس من أهم مراكز التعليم الفلسطيني في عهد الانتداب. وقد اجتمعت فيها المدارس الحكومية والأهلية والدينية، ومؤسسات إعداد المعلمين، والمدارس الثانوية، ومؤسسات ذات مستوى متقدم مثل الكلية العربية.
وفي عام 1945 سجل إحصاء يعتمد على سجلات التعليم وبيانات عن المدينة 155 مؤسسة تعليمية بمختلف أنواعها. ومن المؤسسات العربية التي تظهر في البيانات:
| نوع المدرسة | عدد المدارس | عدد الطلاب والطالبات |
|---|---|---|
| مدارس مسيحية خاصة | 38 | 7,864 |
| مدارس حكومية عربية | 11 | 3,761 |
| مدارس إسلامية خاصة | 7 | 1,380 |
المصدر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية – المؤسسات التعليمية في القدس عام 1945.
المدرسة الرشيدية
كانت المدرسة الرشيدية قرب باب الساهرة من أبرز المدارس الحكومية في القدس. تعود جذورها إلى العهد العثماني، واستمرت في أداء دورها التعليمي خلال الانتداب.
وفي السنوات الأخيرة من الانتداب تطورت بعض صفوفها إلى مستوى متقدم، وأصبحت تهيئ طلابًا لدراسة تخصصات مثل الطب والهندسة، وهو ما يعكس تطور التعليم الثانوي المتقدم في المدينة.
الكلية العربية في القدس
تُعد الكلية العربية في القدس من أهم مؤسسات التعليم العربي الفلسطيني في فترة الانتداب. بدأت جذورها مع دار المعلمين، ثم حملت اسم الكلية العربية ابتداءً من سنة 1927، وانتقلت لاحقًا إلى مبناها على جبل المكبر.
تولى إدارتها خليل طوطح ثم أحمد سامح الخالدي، وأصبحت مؤسسة انتقائية لإعداد المعلمين، وكان المتفوقون والفقراء يستفيدون من الإعفاءات من الرسوم.
وكان خليل طوطح (1887–1955) غزير التأليف، ودعا إلى التعليم النقدي. كتب معظم مؤلفاته بالإنجليزية، ووضع بالعربية كتابين في «تاريخ فلسطين» و«جغرافية فلسطين».
أما أحمد سامح الخالدي (1896–1951) فكان إلى جانب عمله التربوي مؤلفًا ومصلحًا اجتماعيًا. أسس سنة 1939 «اللجنة العامة للأيتام العرب» وترأسها، وسعت اللجنة إلى بناء مدارس لأبناء ضحايا الثورات في فلسطين. وأقامت في قرية دير عمرو قرب القدس ميتمًا ومدرسة زراعية نموذجية ومزرعة لأبناء الشهداء، وكانت أول مزرعة من نوعها في فلسطين.
وفي سنة 1939 أضيفت إليها صفوف متقدمة بعد شهادة المتريكيوليشن، ودرس الطلاب فيها فن التربية من الناحيتين النظرية والعملية. وتصفها مصادر مؤسسة الدراسات الفلسطينية بأنها كانت رأس هرم التعليم العربي الفلسطيني في تلك الفترة.
ومن خريجيها شخصيات بارزة في الثقافة والسياسة والطب والأدب، منهم إحسان عباس ونقولا زيادة وحيدر عبد الشافي وأنور نسيبة وحنا أبو حنا، وإسماعيل راغب الخالدي الذي أصبح من كبار موظفي الأمم المتحدة. ومنهم الروائي والمترجم جبرا إبراهيم جبرا، الذي نال بعد تخرجه منحة للدراسة في إنجلترا، وتخرج في جامعة كامبردج سنة 1943.

وكان الطلاب يقضون أوقات فراغهم في حرش الصنوبر المحيط بالكلية للدراسة. وقد كتب أحد خريجيها يتذكر تلك الأشجار بعد النكبة:
«كبرنا وكبرت الأشجار معنا، والآن لا نعرف ماذا حلّ بها»
وتبقى الكلية العربية مثالًا واضحًا على المستوى الذي وصل إليه التعليم الفلسطيني قبل 1948، وعلى أهمية إعداد المعلمين في بناء شبكة المدارس في المدن والقرى.
التعليم في المدن الفلسطينية قبل 1948
التعليم في يافا قبل النكبة
كانت يافا من أبرز المدن الفلسطينية في المجال التعليمي. ففي سنة 1946 كانت فيها 47 مدرسة: 12 حكومية، و24 وطنية خاصة، و11 أجنبية.
وأقامت بلدية يافا سبع مدارس، ودفعت رواتب معلميها بمستوى رواتب معلمي الحكومة، وعيّنت لها مفتشًا خاصًا. وحملت مدارس المدينة أسماء من التاريخ العربي، مثل العامرية والمروانية والأيوبية والأموية والعباسية واليرموك وطارق بن زياد للبنين، والزهراء وخولة بنت الأزور وأسماء بنت الصديق والعدوية للبنات.
ومن أبرز مدارسها العامرية الثانوية في حي النزهة، التي أصبحت ثانوية كاملة سنة 1945/1946. وضمت 301 طالب سنة 1947/1948، إلى جانب صفين تجاريين ومكتبة بلغت 4,708 كتب.
ومنها أيضًا مدرسة حسن عرفة في حي العجمي، التي بناها التاجر حسن عرفة على نفقته، وضمت 404 طلاب.

التعليم في حيفا قبل النكبة
كانت حيفا مدينة وميناءً سريع النمو، لكن التعليم الرسمي لم يواكب حجم الطلب. ففي 1930/1931 لم تكن للحكومة فيها سوى مدرسة رسمية واحدة للبنين، وكانت أعلى صفوفها الصف الخامس الابتدائي.
وفي 1942/1943 ضمت مدرسة البنين الحكومية 461 طالبًا ومدرسة البنات 442 طالبة، بينما استوعبت المدارس الخاصة آلاف الطلاب والطالبات.
وفي حيفا أنشأت إدارة المعارف مدرسة حيفا الصناعية سنة 1937، لتعليم الحدادة والنجارة والخراطة والكهرباء وإصلاح السيارات، وهي مثال على محاولة إدخال التعليم المهني إلى النظام التعليمي الفلسطيني.
التعليم في اللد
تطورت مدرسة البنين الحكومية في اللد خلال الانتداب حتى أصبحت ابتدائية كاملة، ثم بدأت بإضافة الصفوف الثانوية.
وفي الأول من كانون الثاني/يناير 1948 بلغ عدد طلابها 1,046 طالبًا في 19 صفًا، يعلمهم 24 معلمًا. وكانت لها مكتبة من 818 كتابًا، وأرض مساحتها نحو 14 دونمًا خُصص جزء منها للتعليم الزراعي، إلى جانب غرفة للأعمال اليدوية وسكن داخلي لطلاب القرى.
التعليم في غزة وخان يونس والمجدل
في غزة تطورت المدرسة الثانوية الحكومية حتى أصبحت ثانوية كاملة سنة 1947/1948، وضمت 794 طالبًا. ومن مؤسسات المدينة أيضًا كلية غزة، ومدرسة الفلاح الإسلامية، ومدرسة البنات التابعة للبلدية، ومدارس في الزيتون والشجاعية.
وفي خان يونس تأسست مدرسة البنين سنة 1919/1920، وأصبحت ابتدائية كاملة سنة 1926/1927. وفي 1946 ضمت 906 طلاب، وافتُتح فيها صف ثانوي أول سنة 1947/1948.
وفي المجدل تطورت مدرسة البنين حتى ضمت 872 طالبًا في مطلع 1948، مع صفين ثانويين وسكن داخلي لطلاب القرى، وقسم للتدريب على النسيج الذي اشتهرت به المدينة.
التعليم في الخليل
عرفت الخليل المدرسة الرشدية منذ القرن التاسع عشر. وفي 1942/1943 كانت فيها مدارس حكومية للبنين والبنات، ومدرسة ثانوية، والمدرسة العلائية للمكفوفين.
وبقي تعليم البنات أقل انتشارًا في المدينة من تعليم البنين، بينما جمع أهالي قضاء الخليل الأموال لبناء مدرسة ثانوية داخلية كبيرة في دورا في السنوات الأخيرة من الانتداب.
التعليم في الرملة وقرى القضاء
ضمت مدرسة الرملة الثانوية 895 طالبًا في مطلع 1948، بينما ضمت مدرسة البنات 473 طالبة.
أما قرى القضاء، فكانت مستويات التعليم فيها متفاوتة جدًا، إذ وصلت بعض المدارس إلى نهاية المرحلة الابتدائية بينما توقفت مدارس أخرى عند الصف الرابع أو الخامس.
التعليم في نابلس
عُرفت نابلس بحضورها التعليمي منذ العهد العثماني، وتأسست فيها مدرسة إعدادية في أواخر القرن التاسع عشر. وفي سنة 1944 كانت فيها تسع مدارس رسمية، خمس للبنين وأربع للبنات، ضمت 1,676 طالبًا و1,262 طالبة.
واكتملت المرحلة الثانوية في المدرسة الصلاحية في السنوات الأخيرة من الانتداب، إلى جانب مدرسة النجاح الوطنية التي أصبحت لاحقًا أساسًا لنمو جامعة النجاح الوطنية.
التعليم في جنين
تأسست في جنين مدرسة ابتدائية في القرن التاسع عشر، ثم مدرسة رشدية، وتطورت المدرسة الحكومية خلال الانتداب حتى أصبحت ثانوية كاملة سنة 1947/1948.
وفي قرى القضاء توجد أمثلة على المبادرة المحلية؛ ففي قباطية عيّن الأهالي معلمين إضافيين على نفقتهم عندما لم يكن معلم واحد كافيًا، كما ارتفع مستوى التعليم في عدد من قرى المنطقة.
التعليم في طولكرم
ضمت المدرسة الرشدية في طولكرم في أواخر العهد العثماني عددًا كبيرًا من الطلاب، كان كثير منهم من القرى المجاورة. وفي الانتداب أصبحت المدرسة الفاضلية ثانوية كاملة.
كما قامت مدرسة خضوري الزراعية التي بدأت التدريس سنة 1931، وأسهمت في إعداد كوادر للتعليم الزراعي.
التعليم في الناصرة
إلى جانب المدرسة الرشدية العثمانية، عرفت الناصرة مؤسسات تعليمية دينية وأجنبية، وفي 1942/1943 كانت فيها ثلاث مدارس حكومية و11 مدرسة غير حكومية، ثم أصبحت المدرسة الثانوية الحكومية كاملة في السنة الأخيرة من الانتداب.
التعليم في صفد وعكا
تأسست المدرسة الرشدية في صفد في القرن التاسع عشر، وتطورت مدارس المدينة حتى وصل عدد طلابها إلى نحو ألفين في خريف 1947. وفي عكا وجدت مدارس عثمانية قديمة، ومدرسة الجزار الدينية، ثم مدارس حكومية وصلت في نهاية الانتداب إلى مستويات ثانوية.
التعليم في بيسان وبئر السبع
في بيسان وجدت مدرسة ابتدائية كاملة للبنين أضيف إليها صف ثانوي زراعي، إلى جانب مدرسة للبنات.
وفي بئر السبع ضمت مدرسة البنين 580 طالبًا في 1947/1948، منهم 23 في أول صف ثانوي، بينما ضمت مدرسة البنات 300 تلميذة.
مقارنة بين المدن الفلسطينية
تُظهر البيانات تفاوتًا واضحًا في نسبة الملتحقين بالتعليم بين المدن الفلسطينية، مع ملاحظة أن النسبة قد تتجاوز 100% عندما تستقبل مدارس المدينة طلابًا من القرى المجاورة أو طلابًا تجاوزوا السن المحددة في الإحصاء.
| المدينة | السنة | البنون | البنات |
|---|---|---|---|
| القدس | 1942/1943 | 100% | 85% |
| رام الله والبيرة | 1942/1943 | 100% | 80% |
| الناصرة | 1942/1943 | 100% | 79% |
| عكا | 1942/1943 | 100% | 70% |
| طولكرم | 1943/1944 | 100% | 45% |
| جنين | 1943/1944 | 90% | 55% |
| بئر السبع | 1944/1945 | 81% | 41% |
| بيت لحم | 1942/1943 | 80% | 100% |
| بيسان | 1942/1943 | 80% | 70% |
| يافا | 1944/1945 | 77% | 57% |
| الرملة | 1944/1945 | 75% | 48% |
| نابلس | 1943/1944 | 68% | 51% |
| صفد | 1942/1943 | 67% | 31% |
| المجدل | 1944/1945 | 63% | 29% |
| حيفا | 1942/1943 | 60% | 45% |
| الخليل | 1942/1943 | 60% | 25% |
| غزة | 1944/1945 | 51% | 21% |
| اللد | 1944/1945 | 49% | 29% |
المصدر: حكومة فلسطين، مديرية التعليم، ومصطفى مراد الدباغ، كما ورد في بيانات مركز المعلومات الوطني الفلسطيني (وفا).
تعليم المكفوفين قبل 1948
لم يغب الأطفال المكفوفون تمامًا عن خريطة التعليم الفلسطيني قبل النكبة. ففي الخليل تأسست المدرسة العلائية للمكفوفين سنة 1937 ضمن المدارس التابعة لإدارة المعارف، ووصلت صفوفها إلى السادس الابتدائي.
وفي القدس ضمت دار الأيتام السورية، التي أسسها الألماني يوهان لودفيغ شنلر سنة 1860 وعُرفت باسم «مدرسة شنلر»، مدرسة للمكفوفين. وكان الطلاب فيها يتعلمون القراءة والكتابة، إلى جانب حرف تساعدهم على الاعتماد على أنفسهم، مثل صناعة الكراسي والسلال والحبال.
ورغم محدودية هذه المؤسسات مقارنة بحجم الحاجة، فإن وجودها يدل على أن تعليم الأطفال ذوي الإعاقة كان حاضرًا في فلسطين قبل 1948، في مدرسة حكومية وفي مؤسسة أهلية.
مدارس القبائل البدوية في فلسطين
لم يقتصر التعليم على المدن والقرى المستقرة. ففي قضاء بئر السبع ارتفع عدد مدارس القبائل من 8 مدارس سنة 1932 إلى 26 مدرسة في بداية سنة 1948، وارتفع عدد طلابها من 196 إلى 1,390 طالبًا.
| التاريخ | عدد المدارس | عدد الطلاب | عدد المعلمين |
|---|---|---|---|
| 1 تموز 1932 | 8 | 196 | 8 |
| 1 تموز 1938 | 5 | 216 | 5 |
| 1 كانون الثاني 1948 | 26 | 1,390 | 29 |
واللافت أن 15 مدرسة من هذه المدارس أنشأتها القبائل على نفقتها، ودفعت رواتب معلميها. وبلغ ما أنفقته القبائل على تعليم أبنائها سنة 1946 أكثر من 8,000 جنيه فلسطيني.
كما أُنشئ في مدرسة بئر السبع سكن داخلي للطلاب البدو، اتسع مع الوقت ليستوعب أعدادًا أكبر من الطلاب القادمين من المناطق البعيدة.
التعليم الفلسطيني بين التوسع والقيود
تكشف أرقام المدارس عن توسع واضح، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود هذا التوسع.
ففي 1945/1946 بلغ عدد الطلاب العرب في المدارس الرسمية وغير الرسمية نحو 124 ألف طالب وطالبة (81,042 في المدارس الرسمية و43,885 في غير الرسمية)، بينما قُدّر عدد الأطفال العرب في سن التعليم بنحو 317 ألفًا. وبناءً على هذه الأرقام، كان نحو 40% فقط من الأطفال في المدارس، أي أن قرابة 60% ظلوا خارج النظام التعليمي. وتختلف النسب بحسب تعريف سن التعليم ونوع المدرسة والمنطقة في الجداول الأصلية.
ويقدّم المؤرخ وليد الخالدي في كتابه «قبل الشتات» صورة قريبة لعشية النكبة: نحو 120 ألف طالب وطالبة في المدارس الابتدائية والثانوية، من مجموع سكان عرب بلغ 1,238,000 نسمة. وتكشف أرقامه حجم الفجوة بين المدينة والريف، وبين البنين والبنات:
| المدن | الريف | |
|---|---|---|
| الذكور | 85% | 63% |
| الإناث | 60% | 7.5% |
المصدر: وليد الخالدي، قبل الشتات: التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876–1948.
أي أن أقل من فتاة واحدة من كل عشر فتيات في الريف كانت تصل إلى المدرسة. ومع ذلك يرى الخالدي أن هذه النسب، على علّاتها، كانت يومها من أعلى نسب التعليم في البلاد العربية. ويلاحظ أن المدارس الحكومية لم تكن موجودة إلا في نحو نصف القرى العربية، أي قرابة 400 قرية من أصل 800، فأُغلق باب التعليم في وجه عشرات الآلاف من الأطفال.
وكانت مشكلة القبول واضحة أيضًا. ففي سنة 1946 تقدم 12,992 طفلًا للالتحاق بالمدارس الرسمية في المدن، فلم يُقبل منهم إلا 49%. أما في القرى فتقدم 19,064 طفلًا وقُبل 79% منهم. ويعني ذلك أن المدارس رفضت في سنة واحدة أكثر من عشرة آلاف طفل طلبوا التعليم في المدن والقرى معًا.
وكانت المرحلة الثانوية أكثر محدودية من الابتدائية؛ ففي 1946/1947 كانت أربع مدارس حكومية عربية فقط قد وصلت إلى صفوف ثانوية كاملة، ثم ارتفع العدد إلى 12 في 1947/1948.
كما بقيت ميزانية التعليم محدودة مقارنة بالحاجة المتزايدة، إذ لم تتجاوز ميزانية إدارة المعارف في الغالب 4–5% من الميزانية العامة لحكومة الانتداب. ولهذا أصبح المجتمع المحلي مصدرًا مهمًا لتمويل المدارس، خاصة في القرى والمدن التي أرادت توسيع التعليم الثانوي أو بناء مبانٍ جديدة. وقد عبّر الدكتور خليل طوطح عن هذا أمام اللجنة الملكية سنة 1937 حين تحدث عن:
«المبلغ الضئيل المخجل الذي يُنفق في سبيل المعارف»
ومع ذلك، لم تتمكن هذه القيود من تفريغ المدرسة العربية من روحها. فالمعلمون كانوا عربًا من معلم القرية إلى مدير الكلية العربية، وأغلقت المدارس أبوابها خلال إضراب 1936. وخلصت اللجنة الملكية في تقريرها إلى أن:
«المدارس أصبحت معاهد للوطنية العربية»
إن قراءة تاريخ التعليم الفلسطيني لا ينبغي أن تُختزل في عدد المدارس وحده؛ فالسؤال الأهم هو: من كان يستطيع الوصول إلى المدرسة، ومن بقي خارجها، ومن دفع تكلفة بناء المدرسة؟
وهنا تظهر الصورة المركبة: كان هناك توسع حقيقي في عدد المدارس والطلاب، وفي الوقت نفسه بقيت فجوات كبيرة بين المدن والقرى، وبين البنين والبنات، وبين التعليم الابتدائي والثانوي.
هل كانت هناك جامعات فلسطينية قبل 1948؟
هنا يجب التمييز بين التعليم العالي والجامعة بالمعنى الحديث.
لم تكن في فلسطين قبل النكبة جامعة فلسطينية عربية بالمعنى المؤسسي الحديث الذي نعرفه اليوم. وكانت الجامعة العبرية في القدس قد افتتحت سنة 1925، بينما اعتمد الفلسطينيون الراغبون في متابعة التعليم الجامعي على مؤسسات خارج فلسطين بدرجة كبيرة، إلى جانب بعض مؤسسات التعليم المتقدم داخل البلاد.
وكانت الكلية العربية في القدس من أهم مؤسسات التعليم المتقدم، خصوصًا في إعداد المعلمين، بينما تطورت الكلية الرشيدية في القدس إلى مستوى متقدم من التعليم.
وكان الطلاب الفلسطينيون الراغبون في دراسة الطب والهندسة والتخصصات الجامعية يسافرون إلى مؤسسات مثل الجامعة الأمريكية في بيروت والجامعات المصرية والبريطانية، كما أرسلت إدارة المعارف بعثات محدودة للدراسة في الخارج.
من مدرسة بيرزيت إلى التعليم الجامعي
تعود جذور جامعة بيرزيت إلى سنة 1924، حين أسست المربية نبيهة ناصر مدرسة ابتدائية للبنات في بلدة بيرزيت لتوفير التعليم للفتيات من البلدة والقرى المجاورة. ثم تطورت المؤسسة تدريجيًا.
في سنة 1930 أصبحت مدرسة ثانوية للبنين والبنات، وفي 1932 أصبحت مدرسة بيرزيت العليا. وفي 1942 تغير اسمها إلى كلية بيرزيت، لكنها بقيت مدرسة ثانوية في تلك المرحلة. ولم يبدأ التدريس الجامعي فيها إلا سنة 1953، عندما أضيف الصف الجامعي الأول، ثم تحولت إلى جامعة تمنح البكالوريوس سنة 1972.
ولهذا من المهم ألا نطلق على بيرزيت اسم جامعة قبل 1948؛ الأدق أن نقول إن جذور جامعة بيرزيت تعود إلى مؤسسة تعليمية تأسست قبل النكبة، بينما بدأ التعليم الجامعي فيها بعد النكبة سنة 1953.
كلية النجاح في نابلس
وبالمثل، تأسست مدرسة النجاح الوطنية في نابلس سنة 1918، وتطورت إلى مؤسسة ثانوية مهمة ضمت طلابًا من فلسطين والأقطار العربية المجاورة. وكانت إحدى المؤسسات التي شكلت لاحقًا الجذر التاريخي لجامعة النجاح الوطنية.
إذن، الإجابة الدقيقة عن سؤال «هل كانت هناك جامعات فلسطينية قبل 1948؟» هي: لم تكن هناك جامعة فلسطينية عربية بالمعنى الحديث، لكن كانت هناك مؤسسات تعليم متقدم ومدارس ثانوية قوية شكّلت جذور عدد من الجامعات الفلسطينية التي ظهرت لاحقًا.

ماذا حدث للتعليم الفلسطيني بعد النكبة؟
أحدثت النكبة سنة 1948 قطيعة عميقة في الحياة التعليمية الفلسطينية. فقد هُجّر مئات الآلاف من الفلسطينيين، وفقد كثير من الطلاب مدارسهم، وتشتت المعلمون بين الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية ومخيمات اللاجئين.
وقبل رحيل المندوب السامي في أيار/مايو 1948 وُضع مبنى الكلية العربية ودار الحكومة تحت تصرف الصليب الأحمر، وانتهت بذلك مرحلة المؤسسة التعليمية في موقعها السابق.
ولم تقتصر الخسارة على المدارس. فبحسب نور مصالحة، نُهبت في 1948 بشكل ممنهج مكتبات ومجموعات أرشيفية فلسطينية، وأنشأ الجيش الإسرائيلي وحدة خاصة لجمع الكتب والمخطوطات من البيوت الفلسطينية في غرب القدس ويافا وحيفا وغيرها. وانتهت عشرات الآلاف من هذه الكتب في مكتبة الجامعة العبرية. ومن المكتبات التي نُهبت مكتبة الأديب المقدسي خليل بيدس، بمخطوطاتها وكتبها النفيسة، وقد توفي بيدس في لبنان سنة 1949.
لكن التعليم لم يتوقف. فقد بدأ اللاجئون خلال أواخر 1948 و1949 بإنشاء صفوف ومدارس مؤقتة في أماكن اللجوء، في الخيام والبيوت والأماكن العامة، واستأنف عدد من المعلمين الذين عملوا في فلسطين قبل النكبة التدريس في ظروف جديدة.
وفي السنوات التالية أصبح التعليم في مخيمات اللاجئين جزءًا أساسيًا من عمل الأونروا، وانتقل جزء من الخبرة التعليمية الفلسطينية من المدن والقرى التي هُجّر منها أهلها إلى فضاء اللجوء. وفي ثمانينيات القرن العشرين كان نحو 95% من أبناء اللاجئين يرتادون مدارس الوكالة في مناطق عملها الخمس.
وحمل المعلمون الفلسطينيون خبرتهم إلى البلاد العربية. فقد ملؤوا المدارس والجامعات في الخليج، وقُدّر في الستينيات أن 60% من المعلمات في النظام التعليمي السعودي كنّ فلسطينيات. كما أسهم الأكاديميون الفلسطينيون إسهامًا واسعًا في تطوير التعليم العالي في الأردن ولبنان والخليج.
وهكذا لم تكن النكبة مجرد فقدان لمبانٍ مدرسية؛ كانت أيضًا اقتلاعًا لشبكة من الطلاب والمعلمين والمؤسسات والكتب والمكتبات والذاكرة التعليمية المرتبطة بالمكان.
أسئلة شائعة عن التعليم الفلسطيني قبل 1948
كيف كان التعليم في فلسطين قبل النكبة؟
كان التعليم الفلسطيني قبل 1948 يتكون من مدارس حكومية وأهلية ودينية وبلدية ومدارس أنشأتها المجتمعات المحلية. وانتشر التعليم في المدن والقرى، لكنه ظل متفاوتًا في الوصول والمرحلة الدراسية، وكانت المرحلة الثانوية أقل انتشارًا من الابتدائية.
كم كان عدد المدارس العربية قبل 1948؟
بلغ عدد المدارس العربية الرسمية 514 مدرسة في العام الدراسي 1945/1946، وضمت 81,042 طالبًا وطالبة. وإلى جانبها كانت هناك 313 مدرسة عربية غير رسمية ضمت 43,885 طالبًا وطالبة في العام نفسه، أي نحو 124 ألف طالب وطالبة في المجموع.
كيف كان التعليم في القرى الفلسطينية قبل 1948؟
كان التعليم في القرى أقل انتشارًا واكتمالًا من المدن، لكن الأهالي شاركوا في إنشاء المدارس وتمويلها. ووصلت بعض المدارس إلى نهاية المرحلة الابتدائية، بينما توقفت مدارس أخرى عند الصف الرابع أو الخامس.
هل كان هناك تعليم للبنات في فلسطين قبل 1948؟
نعم. توسع تعليم البنات خلال الانتداب، ووجدت مدارس حكومية وأهلية خاصة للبنات، كما تأسست دار المعلمات في القدس ودار المعلمات القروية في رام الله. ومع ذلك بقيت نسبة التحاق البنات أقل من البنين، خصوصًا في الريف.
ما هي الكلية العربية في القدس؟
كانت من أهم مؤسسات التعليم العربي الفلسطيني في فترة الانتداب، وركزت خصوصًا على إعداد المعلمين. تطورت من دار المعلمين وأصبحت مؤسسة متقدمة استقطبت طلابًا من فلسطين، وكان لها تأثير كبير في التعليم والثقافة الفلسطينية.
هل كانت هناك جامعة فلسطينية قبل 1948؟
لم تكن هناك جامعة فلسطينية عربية بالمعنى الحديث قبل النكبة. كانت هناك مؤسسات تعليم متقدم ومدارس ثانوية قوية، بينما بدأ التعليم الجامعي في مؤسسة بيرزيت سنة 1953، أي بعد النكبة.
متى بدأت جامعة بيرزيت؟
بدأت جذور المؤسسة سنة 1924 كمدرسة للبنات في بيرزيت، ثم تطورت إلى مدرسة ثانوية وكلية بالاسم، وبدأ التعليم الجامعي فيها سنة 1953، ثم أصبحت جامعة تمنح البكالوريوس سنة 1972.
ما أشهر المدارس الفلسطينية قبل النكبة؟
من أبرز المؤسسات التعليمية التي ظهرت في فلسطين قبل 1948: الكلية العربية في القدس، المدرسة الرشيدية، روضة المعارف، مدرسة النجاح الوطنية في نابلس، مدارس يافا الوطنية، مدارس بيرزيت، ومدارس حكومية وأهلية عديدة في مختلف المدن والقرى.
ماذا تكشف المدارس عن فلسطين قبل النكبة؟
كان التعليم الفلسطيني قبل 1948 أوسع وأغنى مما توحي به الصورة المختصرة عن فلسطين قبل النكبة. فقد قامت شبكة من المدارس الحكومية والأهلية والدينية والبلدية، وتوسعت المدارس الريفية، وازداد عدد الطالبات، وظهرت مؤسسات متخصصة في إعداد المعلمين والتعليم المهني والتعليم المتقدم.
وفي الوقت نفسه بقيت فجوات كبيرة. فقد ظل جزء كبير من الأطفال خارج المدرسة، وكان التعليم الثانوي محدودًا، وكانت الفجوة بين البنين والبنات واضحة، خصوصًا في الريف.
وما سد جزءًا من هذه الفجوة لم يكن الإنفاق الحكومي وحده، بل مساهمة البلديات والجمعيات والمؤسسات الدينية والأفراد والفلاحين والقبائل. ولذلك فإن تاريخ المدرسة الفلسطينية هو أيضًا تاريخ المبادرة الاجتماعية الفلسطينية.
وعند قراءة هذه الصورة إلى جانب بيانات القرى والمدن الفلسطينية، يصبح التعليم جزءًا أساسيًا من توثيق المجتمع الذي كان قائمًا قبل 1948.
فالقرية الفلسطينية لم تكن مجرد عدد من السكان والبيوت والأراضي؛ كانت لها مدرسة وطلاب ومعلمون ومكتبة وذاكرة تعليمية. والمدينة لم تكن مجرد سوق أو ميناء؛ كانت لها مدارسها ومعلموها وطلابها ومؤسساتها الثقافية. وعندما وقعت النكبة، لم يفقد الفلسطينيون المكان فقط، بل انقطعت أيضًا شبكات اجتماعية وتعليمية كاملة كانت قد تشكلت على مدى عقود.
ومن هنا تصبح المدرسة الفلسطينية واحدة من الشواهد المهمة على المجتمع الفلسطيني الذي كان قائمًا قبل النكبة، وعلى الحياة اليومية والمؤسسات التي صنعتها الأجيال الفلسطينية قبل سنة 1948.
مصادر ومراجع
- مركز المعلومات الوطني الفلسطيني (وفا) – التعليم في عهد الانتداب البريطاني
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية – الكلية العربية في القدس: خلفية تاريخية ونظرة مستقبلية
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية – الكلية العربية في القدس 1918–1948
- مؤسسة الدراسات الفلسطينية – المؤسسات التعليمية في القدس عام 1945
- الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية – خليل السكاكيني
- جامعة بيرزيت – التسلسل الزمني لتاريخ الجامعة
- جامعة بيرزيت – قصة جامعة
- الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية – نظام التعليم في الأونروا
- الحكومة البريطانية، تقرير اللجنة الملكية لفلسطين (الترجمة العربية)، القدس، 1937.
- مصطفى مراد الدباغ، بلادنا فلسطين، بيروت، دار الطليعة، 1966–1976.
- نور مصالحة، فلسطين: أربعة آلاف عام من التربية والتعليم، ترجمة فكتور سحاب، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
- أحمد الشريقي، «"أربعة آلاف عام من التربية والتعليم".. فلسطين إرث تربوي وتعليمي ضارب في التاريخ»، الجزيرة نت، 1 أيار/مايو 2024.
- وليد الخالدي، قبل الشتات: التاريخ المصور للشعب الفلسطيني 1876–1948، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
- حكومة فلسطين، مديرية التعليم، التعليم في فلسطين، مسح عام 1936–1946.
- أرشيف المتحف الفلسطيني الرقمي – مصادر الصور والوثائق الأرشيفية المستخدمة في المقال.
معرض الصور
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.