فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

مجزرة 10 تشرين الأول 1953

مذبحة قلقيلية عام 1956

مذبحة قلقيلية عام 1956

الهجوم الإسرائيلي على قلقيلية عام 1956

في ليلة 10–11 تشرين الأول/أكتوبر 1956، عبرت قوات إسرائيلية خط الهدنة الذي رُسم سنة 1949، وشنت هجومًا عسكريًا واسعًا على مدينة قلقيلية الفلسطينية، التي كانت آنذاك جزءًا من الضفة الغربية الخاضعة للحكم الأردني.

وكان الهدف العسكري الرئيسي للعملية هو مركز شرطة قلقيلية المحصّن الواقع شمال المدينة، لكن الهجوم لم يقتصر عليه؛ فقد تعرضت قلقيلية نفسها للقصف المدفعي، وامتدت الاشتباكات إلى المناطق المحيطة بالمدينة والقرى المجاورة.

وحملت العملية في المصطلحات العسكرية الإسرائيلية اسم عملية شومرون (Operation Shomron)، وأصبحت واحدة من أكبر العمليات العسكرية الإسرائيلية التي عبرت خط الهدنة مع الأردن خلال سنوات ما قبل العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956.

قلقيلية بعد النكبة

أصبحت قلقيلية في وضع جغرافي واقتصادي بالغ الحساسية بعد النكبة واحتلال أجزاء واسعة من فلسطين سنة 1948، ثم توقيع اتفاقيات الهدنة سنة 1949.

فمر خط الهدنة الجديد بمحاذاة المدينة مباشرة من جهة الغرب، وفصل قلقيلية عن مساحات واسعة من أراضيها الزراعية التي كانت تشكل أحد أهم أسس اقتصادها.

وكانت المدينة قبل سنة 1948 معروفة خصوصًا ببساتين الحمضيات والأراضي الزراعية الخصبة الممتدة غربًا باتجاه السهل الساحلي الفلسطيني.

لكن الخط الجديد غيّر هذه الجغرافيا بصورة جذرية، إذ أصبحت مساحات من الأراضي والبساتين التي اعتمد عليها سكان قلقيلية لسنوات طويلة في الجهة الأخرى من خط الهدنة.

وتظهر شهادات فلسطينية منشورة أن بعض أهالي قلقيلية كانوا يعبرون الخط خلال السنوات الأولى بعد النكبة للوصول إلى بساتينهم السابقة وجمع الحمضيات منها، رغم المخاطر المتزايدة الناتجة من الدوريات العسكرية وإطلاق النار على طول الحدود الجديدة.

كما استقبلت المدينة لاجئين فلسطينيين هُجّروا من قرى ومناطق أصبحت داخل الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

وبذلك أصبحت قلقيلية في الوقت نفسه مدينة حدودية وملجأً لفلسطينيين اقتُلعوا من مناطق أخرى خلال النكبة.

خط هدنة شديد التوتر

أنهت اتفاقية الهدنة الأردنية الإسرائيلية لعام 1949 المرحلة الرئيسية من المواجهة العسكرية بين الطرفين، لكنها لم تجعل خط الهدنة هادئًا.

فخلال النصف الأول من خمسينيات القرن العشرين، شهدت المنطقة عمليات عبور متكررة للخط من الجانبين وحوادث إطلاق نار وتسلل واشتباكات وهجمات عسكرية.

وعبر فلسطينيون هُجّروا سنة 1948 الخط لأسباب مختلفة؛ فحاول بعضهم الوصول إلى منازل أو أراضٍ وممتلكات تركوها خلفهم، أو جمع المحاصيل، أو لقاء أقارب، أو البحث عن عمل، بينما نفذ آخرون عمليات مسلحة.

وفي المقابل، طورت إسرائيل سياسة عسكرية عُرفت باسم «عمليات الرد الانتقامي»، تمثلت في عبور وحدات عسكرية إسرائيلية خطوط الهدنة ومهاجمة قرى ومراكز شرطة ومواقع عسكرية وبنى تحتية داخل الأراضي الخاضعة للسيطرة العربية.

وانتقدت الأمم المتحدة مرارًا هذا النمط من العمليات، معتبرة أن تنفيذ هجمات عسكرية أحادية الجانب خارج آليات اتفاقيات الهدنة يهدد النظام الذي أُنشئ لمراقبة وقف إطلاق النار ويزيد خطر تحول الحوادث الحدودية إلى مواجهات عسكرية أوسع.

تصاعد العدوان الصهيوني سنة 1956

شهد صيف وخريف عام 1956 تصاعدًا حادًا للعنف على خط الهدنة بين الأردن وإسرائيل.

وشنت القوات الإسرائيلية خلال تلك الفترة عمليات متزايدة الحجم داخل الأراضي الخاضعة للسيطرة الأردنية، مستهدفة مراكز شرطة ومواقع عسكرية وقرى فلسطينية.

ومن أبرز المناطق التي تعرضت للهجمات في الأشهر السابقة لقلقيلية الظاهرية ورحوة وحوسان ووادي فوكين ومناطق أخرى.

وفي المقابل، استمرت كذلك عمليات تسلل وإطلاق نار وهجمات مسلحة داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية.

وأنتج ذلك دائرة متصاعدة: عمليات قتل أو إطلاق نار وعبور للحدود، تتبعها عمليات عسكرية إسرائيلية أكبر حجمًا وأشد تسليحًا.

وبحلول أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر 1956، أصبحت بعض هذه العمليات تنفذ بقوات على مستوى كتائب ومجموعات كبيرة بدل الوحدات الصغيرة التي ميزت بعض غارات السنوات السابقة.

الخلفية المباشرة لهجوم قلقيلية

قدمت الحكومة والقيادة العسكرية الإسرائيلية هجوم قلقيلية باعتباره عملية انتقامية ردًا على سلسلة من عمليات فدائيه التي نسبتها إلى مسلحين تسللوا من الأراضي الخاضعة للسيطرة الأردنية.

وشملت الحوادث التي استند إليها الموقف الإسرائيلي مقتل خمسة عمال إسرائيليين قرب سدوم في 4 تشرين الأول/أكتوبر، ثم مقتل عاملين آخرين في بستان بمنطقة الساحل في 9 تشرين الأول/أكتوبر 1956.

ونسبت السلطات الإسرائيلية هذه العمليات إلى متسللين جاءوا من جهة الأراضي الأردنية، واتخذت بعد ذلك قرارًا بتنفيذ هجوم واسع على قلقيلية.

لكن الأمم المتحدة أبدت اعتراضًا أساسيًا على هذا النهج؛ إذ حذر الأمين العام للأمم المتحدة وقيادة هيئة مراقبة الهدنة من قيام أحد أطراف اتفاق الهدنة بإجراء تحقيقاته منفردًا، ثم تحديد المسؤولية بنفسه، ثم استخدام قواته العسكرية لتنفيذ عمليات انتقامية من دون إتاحة المجال لمراقبي الأمم المتحدة للتحقق المستقل من الوقائع.

ورأت الأمم المتحدة في ذلك إضعافًا خطيرًا لآليات اتفاقية الهدنة.

عملية شومرون

أطلقت القيادة العسكرية الإسرائيلية على العملية ضد قلقيلية اسم «شومرون».

وجرت في فترة تولي موشيه ديان منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، وشاركت فيها وحدات مظليين ومشاة ومدفعية وآليات مدرعة وقوات إسناد.

وكان مركز شرطة قلقيلية المحصّن، الذي يقع على مقربة شديدة من خط الهدنة، الهدف المركزي للهجوم.

لكن حجم القوات والأسلحة المستخدمة جعل العملية أكبر بكثير من غارة حدودية محدودة.

بداية الهجوم

وصل مراقبو الأمم المتحدة العسكريون إلى المنطقة بعد انتهاء المعركة وأجروا تحقيقًا ميدانيًا.

ووفق شهادة ضابط الشرطة الأردني المسؤول عن مركز قلقيلية، تقدمت قوة إسرائيلية كبيرة، تتحرك في نحو 30 مركبة، باتجاه المركز من الشمال قرابة الساعة 7:30 مساءً بتوقيت غرينتش.

وكان المركز يقع على مسافة نحو كيلومتر واحد شمال قلقيلية، وعلى بعد مئات الأمتار فقط من خط الهدنة.

وبدأت القوات المهاجمة بإطلاق النار من الأسلحة الخفيفة والرشاشات.

وحوالي الساعة 7:50 مساءً بتوقيت غرينتش، بدأ قصف مدفعي كثيف على المركز من جهتي الغرب والشمال.

المدافعون عن مركز الشرطة

كان يوجد داخل الموقع عند بداية الهجوم نحو عشرين شرطيًا وفصيل من أفراد الحرس الوطني الأردني.

ورد المدافعون على إطلاق النار بينما حاولت القوات الإسرائيلية اقتحام الموقع المحصّن.

ودارت اشتباكات عنيفة حول المركز.

وتحت غطاء المدفعية والأسلحة الرشاشة، تمكنت القوة المهاجمة في النهاية من دخول الموقع وأوقعت خسائر كبيرة في صفوف المدافعين.

وتمكن عدد من الموجودين داخله من الانسحاب أو الفرار، وكان بينهم الضابط المسؤول عن المركز.

قصف مدينة قلقيلية

لم يقتصر الهجوم على مركز الشرطة.

فقد أثبت تحقيق مراقبي الأمم المتحدة أن مدينة قلقيلية نفسها تعرضت للقصف.

واستمر القصف والاشتباك لساعات، ووصل إطلاق النار في المنطقة إلى ما بعد الساعة الثانية صباحًا.

وسجل المراقبون حالة سقطت فيها قذيفة على سطح منزل في قلقيلية قرابة الساعة الثامنة مساءً، فقتلت طفلًا صغيرًا وأصابت والدته وطفلين آخرين، كان أحدهما في حالة خطرة.

كما عاين المراقبون آثار القصف داخل المدينة وزاروا مستشفى قلقيلية للاطلاع على الضحايا والجرحى.

وتشير روايات فلسطينية محلية إلى مشاركة عدد من سكان المدينة إلى جانب الحرس الوطني والقوات المدافعة عنها.

تدمير مركز الشرطة

بعد منتصف الليل، وضعت القوات الإسرائيلية متفجرات داخل مركز شرطة قلقيلية.

وفُجر المبنى ودُمّر بالكامل.

وكان تدمير المركز أحد الأهداف الأساسية للعملية.

لكن الهجوم تحول إلى مواجهة أكثر صعوبة وكلفة مما توقعه المخططون الإسرائيليون، بعد وصول تعزيزات عسكرية أردنية واتساع نطاق الاشتباكات.

دخول التعزيزات الأردنية إلى المعركة

تحركت وحدات من الجيش الأردني في المناطق المجاورة باتجاه قلقيلية بعد بدء الهجوم.

وامتدت المعركة بذلك إلى ما وراء مركز الشرطة والمدينة نفسها.

وفي منطقة خربة صوفين ومحيط الطريق شرقي قلقيلية، اشتبكت القوات الأردنية مع وحدات إسرائيلية كانت تعمل على قطع طرق وصول التعزيزات.

وأصبحت إحدى القوات الإسرائيلية معرضة لخطر التطويق، واضطرت القيادة إلى إرسال وحدات إضافية للمساعدة على تأمين انسحابها.

كما أفاد شهود أمام مراقبي الأمم المتحدة بوجود طائرات فوق منطقة القتال وبإلقاء قنابل، في حين تذكر الروايات العسكرية الإسرائيلية استخدام الطيران لتغطية المراحل الأخيرة من العملية.

وبذلك تحول ما خُطط له بوصفه عملية عسكرية انتقامية إلى معركة واسعة ومكلفة.

الخسائر الإسرائيلية

أعلنت السلطات العسكرية الإسرائيلية مقتل 18 جنديًا إسرائيليًا خلال العملية.

وكان هذا الرقم مرتفعًا بصورة استثنائية مقارنة بكثير من عمليات الرد الإسرائيلية الأخرى خلال خمسينيات القرن العشرين.

وأدت الخسائر وصعوبة انسحاب القوات إلى انتقادات داخل الأوساط العسكرية الإسرائيلية بشأن التخطيط للعملية وطريقة تنفيذها.

وكان هجوم قلقيلية من آخر عمليات الرد الليلية الإسرائيلية الكبرى قبل اندلاع العدوان الثلاثي على مصر في نهاية الشهر نفسه.

كم بلغ عدد الشهداء والقتلى من الجانب الفلسطيني والأردني؟

تختلف أرقام الضحايا بين المصادر، ومن المهم عدم دمجها في رقم واحد من دون توضيح مصدره.

ففي المعلومات الأردنية الأولية المقدمة إلى الأمم المتحدة، ذُكر مقتل 25 من الجنود وأفراد الحرس الوطني الأردني وإصابة 13 آخرين.

لكن التقرير النهائي للتحقيق الذي رفعه الجنرال إي. إل. إم. بيرنز، رئيس هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، سجل أن مراقبي الأمم المتحدة شاهدوا جثامين 48 قتيلًا.

وصنّف التقرير هؤلاء على النحو الآتي:

  • 43 من الجيش الأردني والحرس الوطني والشرطة.
  • 3 مدنيين.
  • قتيلان لم يتمكن المراقبون من تحديد صفتهما.

وفي المقابل، تشير المصادر الفلسطينية، ومنها وكالة «وفا» وروايات محلية من قلقيلية، إلى سقوط أكثر من 70 شهيدًا من أهالي قلقيلية والجيش الأردني.

كما تورد بعض الدراسات العسكرية اللاحقة أرقامًا تتراوح حول 70–90 قتيلًا من الجانب الأردني والفلسطيني، ويرتبط ارتفاع هذه التقديرات باحتساب ضحايا الاشتباكات الأوسع التي وقعت أثناء وصول التعزيزات الأردنية وانسحاب القوات الإسرائيلية.

ولهذا لا ينبغي تقديم جميع هؤلاء باعتبارهم مدنيين فلسطينيين؛ فالموثق بوضوح أن غالبية القتلى الذين عاينهم مراقبو الأمم المتحدة كانوا من العسكريين والشرطة والحرس الوطني، إلى جانب مدنيين قُتلوا خلال قصف المدينة.

تهديد منسوب إلى موشيه ديان

تتداول روايات فلسطينية محلية منذ عقود عبارة منسوبة إلى رئيس أركان الجيش الإسرائيلي موشيه ديان، يُقال إنه هدد فيها قلقيلية بعد اشتباكات حدودية سابقة قائلًا:

«سأحرث قلقيلية.»

تحقيق الأمم المتحدة

أرسلت هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة مراقبين عسكريين إلى المنطقة مباشرة بعد الهجوم.

وأجروا تحقيقات ميدانية في قلقيلية ومركز الشرطة وخربة صوفين والنبي إلياس وعزون ومناطق أخرى تأثرت بالمعركة.

ووثق التحقيق الهجوم الإسرائيلي، والقصف المدفعي، وتدمير مركز الشرطة، والضحايا، وآثار القذائف داخل المدينة والمناطق المحيطة.

ورُفع التقرير النهائي إلى مجلس الأمن في 17 تشرين الأول/أكتوبر 1956.

ولفت الأمين العام للأمم المتحدة بصورة خاصة إلى قيام السلطات الإسرائيلية بالتحقيق بنفسها في الحوادث التي تقع على جانبها من خط الهدنة، ثم تحديد المسؤولية واتخاذ قرار باستخدام القوات العسكرية بناءً على نتائجها الخاصة.

واعتبر أن هذا الأسلوب يمثل إضعافًا خطيرًا لعناصر أساسية من اتفاقيات الهدنة ولدور مراقبي الأمم المتحدة المكلفين بالتحقق من الحوادث الحدودية.

الأردن يطرح قضية قلقيلية أمام مجلس الأمن

في 15 تشرين الأول/أكتوبر 1956، طلب الأردن عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن للنظر في الوضع على خط الهدنة.

وعرض الممثل الأردني سلسلة من الهجمات الإسرائيلية على مناطق خاضعة للسيطرة الأردنية، شملت قلقيلية وصوفين وحبلة والنبي إلياس وحوسان ووادي فوكين ومناطق أخرى.

واعتبر الأردن أن عملية قلقيلية لم تكن حادثًا حدوديًا محدودًا، بل هجومًا عسكريًا واسع النطاق شاركت فيه قوات نظامية وأسلحة ثقيلة.

وفي المقابل، قدمت إسرائيل شكوى إلى مجلس الأمن تتهم فيها الأردن بخرق اتفاقية الهدنة وعدم منع عمليات التسلل والهجمات عبر الحدود.

وعكس النقاش في مجلس الأمن مدى تدهور نظام الهدنة الذي كان قد أُنشئ سنة 1949.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.