شعراء فلسطين قبل النكبة: طوقان والسكاكيني وعبد الرحيم محمود
الأدباء والشعراء قبل النكبة: إبراهيم طوقان، خليل السكاكيني، عبد الرحيم محمود
قبل النكبة عام 1948، كانت فلسطين تعيش نهضة أدبية وثقافية: صحف ومجلات ومطابع ومدارس وإذاعة، وشعراء وكتّاب يكتبون للوطن ويواجهون بالكلمة الاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني. ومن بين هؤلاء إبراهيم طوقان صاحب نشيد «موطني»، وخليل السكاكيني المعلّم والكاتب الذي هُجّر من بيته في القطمون، وعبد الرحيم محمود الشاعر الذي حمل روحه على راحته واستشهد في معركة الشجرة عام 1948. وفي هذا المقال نتعرف إلى حياتهم، ونقرأ نماذج من أشعارهم وأشعار بعض معاصريهم، مع مناسباتها.
النهضة الأدبية في فلسطين قبل النكبة
كانت فلسطين قبل عام 1948 جزءًا حيًّا من النهضة العربية الحديثة. صدرت فيها منذ مطلع القرن العشرين صحف عربية مؤثرة، مثل «الكرمل» في حيفا عام 1908 و«فلسطين» في يافا عام 1911. وانتشرت المطابع والمكتبات العامة والخاصة في القدس ويافا وحيفا ونابلس ومدن أخرى، وتخرّج من مدارسها جيل من المعلّمين والكتّاب والشعراء.
ارتبط كثير من أدب تلك المرحلة بقضية الوطن. فمنذ وعد بلفور عام 1917 وقيام الانتداب البريطاني، استخدم الشعراء والصحفيون القصيدة والمقالة للتحذير من ضياع الأرض والتعبير عن تطلعات الفلسطينيين. وفي عام 1936 أُطلقت إذاعة القدس، فصار للأدب صوت يصل إلى البيوت في المدن والقرى.
اقرأ أيضًا: الفن في فلسطين قبل النكبة: السينما والمسرح وإذاعة القدس .

إبراهيم طوقان: شاعر فلسطين وصوت الثورة
النشأة والتعليم
وُلد إبراهيم عبد الفتاح طوقان في نابلس عام 1905، لعائلة نابلسية معروفة. وهو الأخ الأكبر للشاعرة فدوى طوقان، التي كان معلّمها ومرشدها في بداياتها الشعرية. درس في نابلس، ثم في مدرسة المطران في القدس، والتحق بالجامعة الأمريكية في بيروت عام 1923 وتخرّج فيها عام 1929.

عمل طوقان في التعليم، ودرّس في مدرسة النجاح الوطنية في نابلس وفي الجامعة الأمريكية في بيروت. ومن طلابه في النجاح الشاعر عبد الرحيم محمود، الذي سيصبح لاحقًا أحد أبرز شعراء فلسطين الوطنيين.
«الثلاثاء الحمراء»: قصيدة في رثاء شهداء عكا
مناسبة القصيدة: في يوم الثلاثاء 17 حزيران 1930، أعدمت سلطات الانتداب البريطاني في سجن عكا ثلاثة من شباب فلسطين: فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، بعد أحداث ثورة البراق عام 1929. كتب إبراهيم طوقان قصيدة «الثلاثاء الحمراء» يصوّر فيها هول ذلك اليوم ويرثي الشهداء الثلاثة.
يقول في مطلعها:
لمّا تعرّضَ نجمُكَ المنحوسُ
وترنّحتْ بعُرى الحبالِ رؤوسُ
ناحَ الأذانُ وأعولَ الناقوسُ
فالليلُ أكدرُ والنهارُ عبوسُ
جمع طوقان في صورة الأذان والناقوس حزن المسلمين والمسيحيين على الشهداء، فجعل من القصيدة رثاءً لثلاثة رجال وتعبيرًا عن مصاب البلاد كلها.
المصدر: وكالة وفا – الثلاثاء الحمراء .
«موطني»: نشيد حمله الفلسطينيون إلى الأجيال
مناسبة القصيدة: كتب إبراهيم طوقان «موطني» في ثلاثينيات القرن العشرين، ولحّنها الموسيقار اللبناني محمد فليفل. عبّر فيها الشاعر عن جمال الوطن وتطلعه إلى الحرية والكرامة، فتحولت إلى نشيد ردّده الفلسطينيون والعرب في المدارس والمناسبات.
ومن مطلع النشيد:
موطني
الجلالُ والجمالُ والسناءُ والبهاءُ
في رُباك
والحياةُ والنجاةُ والهناءُ والرجاءُ
في هواك
بقي «موطني» حاضرًا بعد النكبة في المدارس والمخيمات والمنافي، وأصبح من أشهر الأناشيد المرتبطة بفلسطين.
«الفدائي»: صورة المقاوم
مناسبة القصيدة: رسم طوقان في قصيدته «الفدائي» صورة رجل يضع روحه في خدمة وطنه، ويواجه الخطر دفاعًا عنه. وقد أصبحت صورة الفدائي في القصيدة من الصور البارزة في الشعر الوطني الفلسطيني قبل النكبة.
لا تسلْ عن سلامتِهْ
روحُه فوقَ راحتِهْ
إذاعة القدس ورحيل الشاعر
مع افتتاح إذاعة القدس عام 1936، تولّى طوقان القسم العربي فيها وأشرف على برامجه، فجعل منها منبرًا للأدب العربي. وفصلته سلطات الانتداب عام 1940، فسافر بعدها إلى بغداد للتدريس، ثم اشتدّ عليه المرض فعاد إلى فلسطين. توفي في القدس في 2 أيار 1941 ودُفن في نابلس.
لم يعش طوقان حتى يرى نكبة عام 1948، لكن قصائده بقيت حاضرة في السنوات التي تلتها، يردّدها الفلسطينيون في وطنهم ومنافيهم.
خليل السكاكيني: المعلّم الذي اقتُلع من بيته ومكتبته
مقدسي من رواد النهضة
وُلد خليل السكاكيني في القدس عام 1878، وكان معلّمًا وكاتبًا ولغويًا من أبرز رواد النهضة العربية في فلسطين. سافر إلى الولايات المتحدة عام 1907 وكتب في الصحف العربية هناك، ثم عاد إلى القدس وعمل في التعليم والصحافة، وشارك في الدعوة إلى تعريب الكنيسة الأرثوذكسية في فلسطين.
المدرسة الدستورية
في عام 1909 أسّس السكاكيني مع زملائه المدرسة الدستورية في القدس. عُرفت المدرسة بأسلوب تعليمي يحترم الطالب ويرفض العقاب البدني، ويولي اللغة العربية مكانة أساسية. ووضع السكاكيني كتبًا لتعليم القراءة واللغة العربية، وعمل في التعليم والتفتيش.
وبعد تعيين هربرت صموئيل مندوبًا ساميًا على فلسطين، استقال السكاكيني من منصبه في دار المعلمين احتجاجًا على التعيين. ثم واصل نشاطه في التعليم والحياة الثقافية، وأسس كلية النهضة في القدس.

«الوداع يا مكتبتي»: وداع البيت والكتب
مناسبة النص: في 30 نيسان 1948، ومع اشتداد القتال في القدس، اضطرت عائلة السكاكيني إلى مغادرة بيتها في حي القطمون. ترك وراءه مكتبته التي جمع فيها كتبًا رافقته خلال سنوات التعليم والكتابة، ودوّن في يومياته كلمات وداع لها.
والسكاكيني هنا كاتب ومربٍّ؛ النص التالي من يومياته، وليس قصيدة شعرية:
«الوداع يا مكتبتي، يا دار الحكمة، يا رواق الفلسفة... يعزّ عليّ أن أُحرم منك».
لم يعد السكاكيني إلى بيته، واستُولي على مكتبته ضمن كتب فلسطينية كثيرة جُمعت من البيوت والمؤسسات بعد النكبة. ثم لجأ إلى القاهرة، حيث واصل الكتابة حتى وفاته عام 1953. وتُعد يومياته شاهدًا على الحياة الفلسطينية وعلى التجربة الشخصية للتهجير.
المصدر: مؤسسة الدراسات الفلسطينية – يوميات خليل السكاكيني .
اقرأ أيضًا: القدس الغربية قبل النكبة: القطمون والطالبية والبقعة .
عبد الرحيم محمود: الشاعر الشهيد
من عنبتا إلى مدرسة النجاح
وُلد عبد الرحيم محمود في عنبتا، قضاء طولكرم، عام 1913. درس في عنبتا وطولكرم، ثم في مدرسة النجاح الوطنية في نابلس، حيث تتلمذ على يد إبراهيم طوقان. وعمل لاحقًا في تدريس الأدب العربي.

قصيدة الأقصى: تحذير من الضياع
مناسبة القصيدة: ألقى عبد الرحيم محمود قصيدة أمام الأمير سعود بن عبد العزيز خلال مروره في فلسطين عام 1935، في طريقه إلى القدس. ووجّه إليه سؤالًا عن المسجد الأقصى، محذرًا من الخطر الذي يتهدد فلسطين ومقدساتها.
المسجدُ الأقصى أجئتَ تزورُهُ
أم جئتَ من قبلِ الضياعِ تودّعُهْ؟
بقي هذا البيت من أشهر أبيات عبد الرحيم محمود، لأن السؤال فيه يتجاوز زيارة المكان إلى الخوف على مستقبله.
«الشهيد»: سأحمل روحي على راحتي
مناسبة القصيدة: عبّر عبد الرحيم محمود في «الشهيد» عن استعداده للتضحية في سبيل وطنه، وصوّر فيها مواجهة الخطر والإصرار على القتال. أصبحت القصيدة لاحقًا من أشهر ما حفظه الفلسطينيون من شعره.
سأحملُ روحي على راحتي
وألقي بها في مهاوي الردى
فإمّا حياةٌ تسرُّ الصديقَ
وإمّا مماتٌ يغيظُ العدى
وفي القصيدة نفسها يقول:
لعمرُكَ إني أرى مصرعي
ولكن أغذّ إليه الخطى
المصدر: ديوان العرب – عبد الرحيم محمود .
من القصيدة إلى معركة الشجرة
شارك عبد الرحيم محمود في الثورة الفلسطينية الكبرى، ثم غادر فلسطين إلى دمشق والعراق، حيث تلقّى تدريبًا عسكريًا. وعاد بعد ذلك إلى فلسطين وعمل في التعليم. وبعد قرار التقسيم عام 1947، التحق بجيش الإنقاذ وعاد للقتال في فلسطين.
في 13 تموز 1948 استشهد خلال معركة قرب قرية الشجرة في الجليل، ودُفن في الناصرة. وعُرف منذ ذلك الوقت بلقب «الشاعر الشهيد»، فيما بقيت أبيات قصيدته «الشهيد» من أكثر شعره تداولًا.
أبو سلمى وفدوى طوقان: أصوات أخرى من فلسطين
أبو سلمى: من فلسطين إلى المنفى
كان الشاعر والمحامي عبد الكريم الكرمي «أبو سلمى»، ابن طولكرم، من الأصوات الفلسطينية التي بدأت الكتابة قبل النكبة. عاش وعمل في حيفا، ثم اضطر إلى مغادرة فلسطين عام 1948. حمل شعره بعد ذلك تجربة التشرد والحنين إلى الوطن.
مناسبة النموذج: في قصيدة «سنعود»، المنشورة ضمن مجموعته «المشرّد» بعد النكبة، يتحدث أبو سلمى عن فلسطين والمنفى والحنين. ومن كلماته:
فلسطينُ الحبيبةُ كيف أنسى؟
كتب أبو سلمى قبل النكبة وبعدها؛ أما قصيدة «سنعود» المذكورة هنا، فهي مثال على شعر المنفى اللاحق للنكبة. المصدر: وكالة وطن – أبو سلمى وشعر النكبة .
فدوى طوقان: الأخت والتلميذة والشاعرة
بدأت فدوى طوقان كتابة الشعر بتشجيع من أخيها إبراهيم، الذي علّمها ووجّه قراءاتها. وبعد وفاته عام 1941، كتبت عنه وفي رثائه، ثم واصلت مسيرتها لتصبح من أبرز الشاعرات الفلسطينيات.
مناسبة النموذج: في قصيدتها «حلم الذكرى»، تستحضر فدوى أخاها إبراهيم بعد رحيله، وتخاطبه بعبارة مشبعة بالحنين:
أخي، يا أحبَّ نداءٍ
كما خصّصت له كتابها «أخي إبراهيم» الذي صدر عام 1946، وجمعت فيه ذكرياتها عنه وحديثها عن حياته وشعره.
المصادر: الجزيرة الثقافية – فدوى طوقان ، جامعة بيرزيت – كتاب «أخي إبراهيم» .
أسمى طوبي: الكاتبة والصحفية
ومن أصوات تلك المرحلة أيضًا الكاتبة والصحفية أسمى طوبي، التي عاشت في عكا وكتبت في الصحافة والأدب، ثم غادرت فلسطين بعد النكبة. ويذكّر حضورها بأن الحياة الأدبية الفلسطينية لم تقتصر على الشعر، بل شملت الصحافة والمقالة والكتابة النثرية.
النكبة والأدب: تهجير الكتّاب ونهب الكتب
لم تكن النكبة اقتلاعًا للناس من بيوتهم وقراهم فحسب، بل أصابت أيضًا مؤسساتهم الثقافية ومكتباتهم. هُجّر أدباء ومعلّمون وصحفيون من القدس ويافا وحيفا وعكا، وتوقفت صحف ومطابع عربية، واستُولي على كتب من بيوت فلسطينية، كما حدث لمكتبة خليل السكاكيني.
لكن الأدب الذي وُلد قبل النكبة لم ينتهِ معها. انتقل «موطني» إلى المدارس والمخيمات، وظل شعر عبد الرحيم محمود يُحفظ ويُردّد، وبقيت يوميات السكاكيني شاهدًا على الحياة الفلسطينية والتهجير. أما أبو سلمى وفدوى طوقان وغيرهما، فواصلوا الكتابة بعد عام 1948، حاملين في أدبهم ذاكرة البلاد وتجربة المنفى والفقد.
أسئلة شائعة عن أدباء فلسطين قبل النكبة
من كتب نشيد «موطني»؟
كتبه الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، ولحّنه الموسيقار اللبناني محمد فليفل، وأصبح من أشهر الأناشيد التي يرددها الفلسطينيون والعرب.
ما مناسبة قصيدة «الثلاثاء الحمراء»؟
كتبها إبراهيم طوقان في رثاء فؤاد حجازي ومحمد جمجوم وعطا الزير، الذين أعدمتهم سلطات الانتداب البريطاني في سجن عكا يوم 17 حزيران 1930.
هل كان خليل السكاكيني شاعرًا؟
عُرف أساسًا بأنه مربٍّ وكاتب ولغوي. ومن أهم ما تركه يومياته وكتاباته في التربية واللغة، ومنها كلماته التي ودّع بها مكتبته عند مغادرة القدس عام 1948.
من صاحب قصيدة «سأحمل روحي على راحتي»؟
هي قصيدة «الشهيد» للشاعر عبد الرحيم محمود من عنبتا، الذي استشهد في معركة قرب الشجرة في 13 تموز 1948.
ما العلاقة بين إبراهيم طوقان وعبد الرحيم محمود؟
كان إبراهيم طوقان أستاذًا لعبد الرحيم محمود في مدرسة النجاح الوطنية في نابلس، وتأثر التلميذ بمعلمه في مسيرته الأدبية.
من هو أبو سلمى؟
هو الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي، الذي كتب قبل النكبة وبعدها. وبعد تهجيره من فلسطين، تناول في شعره المنفى والحنين إلى الوطن.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.