تدمير يافا 1936: نسف البريطانيين للبلدة القديمة
في حزيران 1936، وفي ذروة الثورة الفلسطينية الكبرى والإضراب العام، نسفت قوات الانتداب البريطاني أجزاء واسعة من البلدة القديمة في يافا على مرحلتين، في 18 حزيران ثم في 29–30 حزيران، بذريعة «تحسين المدينة وتوسيع طرقها». دُمّر نحو 220 مبنى سكنيًا، وشُرّد ما بين 6 آلاف و10 آلاف فلسطيني، في واحدة من أوسع عمليات العقاب الجماعي في تاريخ الانتداب. [1] [2] [3]
تدمير يافا في سطور
| البند | التفاصيل |
|---|---|
| الحدث | نسف أجزاء واسعة من البلدة القديمة في يافا على يد قوات الانتداب البريطاني [1] [2] |
| التاريخ | 18 حزيران 1936، ثم 29–30 حزيران 1936 [2] |
| السياق | الثورة الفلسطينية الكبرى والإضراب العام 1936 [1] |
| الذريعة المعلنة | «تحسين المدينة» وشقّ الطرق [2] [4] |
| الهدف الحقيقي | العقاب الجماعي وفتح طرق لملاحقة الثوار [4] [1] |
| البيوت المنسوفة | نحو 220–240 مبنى سكنيًا [3] |
| المشرّدون | بين 6 آلاف و10 آلاف فلسطيني [3] |
يافا في قلب الثورة والإضراب
كانت يافا، مدينة الميناء والصحافة والبرتقال، من أبرز مراكز الثورة الفلسطينية الكبرى التي انطلقت في ربيع 1936، ومن أوائل المدن التي التزمت بالإضراب العام الذي دعت إليه اللجنة العربية العليا احتجاجًا على الهجرة الصهيونية وسياسة الانتداب المنحازة إلى المشروع الصهيوني [1] [4]. وتحوّلت أزقّة البلدة القديمة المتشابكة إلى ملاذ للثوار يصعب على الجنود البريطانيين دخوله، حتى وصفها التقرير العسكري البريطاني بأنها بؤرة مقاومة للقوات، وتحدّث عن تحديد البيوت التي «آوت الثوار» لنسفها [5].
للمزيد عن المدينة وحياتها قبل الاحتلال، اقرأ يافا قبل النكبة.
ذريعة «تحسين المدينة»
في 16–17 حزيران 1936 ألقت طائرة بريطانية فوق المدينة منشورات وأصدرت الحكومة بلاغًا رسميًا جاء فيه أن الحكومة «على وشك البدء في مشروع يرمي إلى توسيع وتحسين البلدة القديمة في يافا، وذلك ببناء طريقين يفيدان المدينة بكاملها»، وأن الخطوة الأولى ستكون «هدم وإزالة بعض الأبنية المزدحمة وغير الصحية» مستغلةً وجود فرق المهندسين الملكية في فلسطين [2]. وهدّد البلاغ باستخدام القوة إن قاوم الأهالي، ووعد بتعويضات لأصحاب البيوت.
لكن هذه الذريعة لم تُقنع أحدًا. والمفارقة أن التقرير العسكري البريطاني نفسه، الذي أعدّته قيادة القوات البريطانية في فلسطين عام 1938، اعترف صراحة بأن بلاغ «تحسين المدينة» «لم يخدع أحدًا»، وصنّف النسف ضمن «المرحلة الثالثة من الإجراءات العقابية» [2]. أما الهدف الحقيقي فكان توسيع الطرق الضيقة لتتمكّن القوات البريطانية من ملاحقة الثوار، ومعاقبة المدينة جماعيًا على صمودها وإضرابها [4] [1].
خطة النسف ومراحلها الأربع
بأمر من قائد القوات البريطانية في فلسطين وشرق الأردن، نائب المارشال الجوي ريتشارد بيرس، وضع الضابط البريطاني المقدّم أوتيرسون–كيلسو الخطة بالتنسيق مع حاكم اللواء الجنوبي كروسبي ومفتش الشرطة فولي، بحسب الروايات الفلسطينية. وقُسّمت إلى أربع مراحل:
- إطلاق نار كثيف ومتواصل من رشاشات «فيكرز» على مواقع الثوار حتى إسكاتها، في اشتباكات تقول الروايات الفلسطينية إنها استمرت نحو 18 يومًا.
- فرض السخرة على الأهالي والوجهاء وأصحاب المحال لإزالة المتاريس والحواجز من الشوارع.
- نسف المناطق الشرقية والغربية من البلدة القديمة وشقّ طريق عبرها.
- نسف المناطق الشمالية والجنوبية وشقّ طريق ثانٍ وسطها.
18 حزيران 1936: الطريق الأول
عند الرابعة فجرًا اقتحم سلاح المهندسين الملكي المدينة بحماية الكتيبة الأولى من فوج «رويال سكوتس فيوزيليرز»، فوجدوا البلدة القديمة خالية من أهلها [2]. طوّقت كتيبة مشاة المنطقة وفتّشت كل من يغادرها، وبقيت سرايا مشاة ومدرعات في الاحتياط، فيما رابطت البارجة الحربية «أكتيف» قبالة الشاطئ بحسب الروايات الفلسطينية. وبحلول المساء كان الديناميت قد شقّ طريقًا بعرض عشرة أمتار في قلب المدينة [2]، يمتدّ من مركز شرطة العجمي حتى دير اللاتين.
29–30 حزيران 1936: الطريق الثاني
في المرحلة الرابعة والأخيرة نُسف طريق دائري من الشمال إلى الجنوب عبر البلدة القديمة [2]. وتنقل الروايات الفلسطينية أن بيرس صرّح بأن الاستعجال في تنفيذ هذه المرحلة كان لقطع الطريق على المحكمة العليا قبل أن تبتّ في شكوى رفعها الأهالي ضد النسف. وفي الفترة نفسها سُوّي حيّ للصفيح بالأرض بدبابات مرّت فوقه، بعد ترحيل سكانه، وأغلبهم عمّال من حوران، إلى سوريا [2].
الحصيلة: بيوت وكنائس ومساجد
| المرحلة | البيوت | العائلات | المصدر |
|---|---|---|---|
| النسف الأول (18 حزيران 1936) | 70 بيتًا | 150 عائلة | الروايات الفلسطينية |
| النسف الثاني (29–30 حزيران 1936) | نحو 150 بيتًا | نحو 300 عائلة | الروايات الفلسطينية |
| المجموع | 220–240 مبنى سكنيًا | نحو 450 عائلة | الروايات الفلسطينية [3] |
| أحياء الصفيح والبراكيات | نحو 850 براكية خشبية | نحو 4,000 شخص | الروايات الفلسطينية [2] |
وتقدّر الروايات الفلسطينية عدد من باتوا بلا مأوى بنحو 10 آلاف، فيما تذكر مصادر أخرى 6 آلاف [3]. وتضرّرت بيوت كثيرة مجاورة وتشقّقت جدرانها، وامتدّ الدمار إلى أماكن العبادة:
- كنيسة الخضر في حي العجمي: تصدّعت بفعل الديناميت.
- مسجد الشيخ رسلان: دُمّر جزء من مئذنته.
- كنيسة دير الروم: تساقطت عليها الحجارة فخرب سطحها وتلفت بعض قناديلها.
- كنيسة دير اللاتين (المعروفة بالقلعة): أتلف الديناميت محتوياتها وشوّه واجهتها.
أما التعويض الذي وعدت به سلطات الانتداب فلم يتجاوز، بحسب الروايات الفلسطينية، عشرين مليمًا لكل فرد من أفراد العائلة، دون أي خطة جدية لإيواء المشرّدين.
ما بعد النسف
لم يكسر النسف إرادة الثوار. فقد تصاعدت عملياتهم في أنحاء فلسطين، وبلغت ذروتها في ذكرى مرور مئة يوم على الإضراب أواخر تموز 1936، واضطرت بريطانيا إلى استدعاء تعزيزات عسكرية [1]. وتنقل الروايات الفلسطينية أن بيرس كتب إلى قيادته أن قواته «لم تعد قادرة على سحق التمرد بالسرعة المطلوبة»، وطلب فرقة كاملة من ثلاثة ألوية وسرب قاذفات إضافيًا.
وبقي الطريقان اللذان شقّهما الديناميت في جسد يافا القديمة شاهدين على العقاب الجماعي، وعلى نهج سيرثه المحتل الصهيوني لاحقًا في هدم البيوت وتهجير الأهالي، من مجزرة السرايا عام 1948 إلى احتلال يافا وتهجير أغلب أهلها في النكبة.
خاتمة
تحت عنوان «تحسين المدينة» نسفت بريطانيا قلب يافا التاريخي، وشرّدت آلاف الفلسطينيين، وأصابت كنائسها ومساجدها، ثم اعترف جيشها في تقاريره الداخلية بأن الذريعة «لم تخدع أحدًا». كان تدمير يافا عام 1936 درسًا مبكرًا في العقاب الجماعي الاستعماري، مهّد الطريق لما حلّ بالمدينة وأهلها بعد اثني عشر عامًا.
أسئلة شائعة عن تدمير يافا 1936
متى دمّر البريطانيون البلدة القديمة في يافا؟
على مرحلتين: في 18 حزيران 1936، ثم في 29–30 حزيران 1936.
لماذا نسفت بريطانيا يافا القديمة؟
لمعاقبة المدينة على مشاركتها في الثورة الكبرى والإضراب العام، ولفتح طرق تسهّل ملاحقة الثوار. أما ذريعة «تحسين المدينة» فقد اعترف التقرير العسكري البريطاني بأنها لم تخدع أحدًا.
كم بيتًا دُمّر في يافا عام 1936؟
نحو 220 إلى 240 مبنى سكنيًا، إضافة إلى نحو 850 براكية خشبية.
كم عدد المشرّدين؟
بين 6 آلاف و10 آلاف فلسطيني بحسب التقديرات المختلفة.
ما أماكن العبادة التي تضرّرت؟
كنيسة الخضر في العجمي، ومسجد الشيخ رسلان، وكنيسة دير الروم، وكنيسة دير اللاتين.
المصادر والمراجع
- «الثورة الفلسطينية الكبرى 1936–1939: انتفاضة شعبية في مواجهة قمع وحشي»، الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية (مؤسسة الدراسات الفلسطينية) (بالإنجليزية).
- القيادة العامة للقوات البريطانية في فلسطين وشرق الأردن، «الدروس العسكرية من التمرد العربي في فلسطين 1936»، شباط 1938، المكتبة البريطانية IOR/L/MIL/17/16/16، ص 15r، مكتبة قطر الرقمية (بالإنجليزية).
- فرّخ حسين، «كيف ابتلعت الصهيونية يافا»، ذا فرايداي تايمز، 21 أيار 2021 (بالإنجليزية).
- عبد القادر ياسين، «يافا الفلسطينية.. كانت مهدًا للصحافة والثقافة قبل النكبة»، عربي21، 20 آذار 2020.
- المصدر نفسه، ص 101v، مكتبة قطر الرقمية (بالإنجليزية).
مقاطع مصوّرة
معرض الصور
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.