فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

خط زمني 25 حزيران 1919

لجنة كينج-كرين الأميركية حول مستقبل فلسطين

لجنة كينج-كرين الأميركية حول مستقبل فلسطين

لجنة كينغ–كرين ومستقبل فلسطين

في عام 1919، وبينما كانت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى تجتمع في مؤتمر باريس للسلام لتحديد المستقبل السياسي للأراضي التي كانت خاضعة للدولة العثمانية، اقترح الرئيس الأميركي وودرو ويلسون إرسال لجنة دولية إلى المشرق العربي للتحقيق في رغبات سكان المنطقة بشأن مستقبلهم السياسي.

وفي 27 آذار/مارس 1919، عيّن ويلسون هنري تشرشل كينغ وتشارلز ريتشارد كرين ممثلين للولايات المتحدة في اللجنة. لكن بريطانيا وفرنسا امتنعتا في النهاية عن المشاركة، فتحولت البعثة التي كان مخططًا لها أصلًا أن تكون لجنة دولية إلى لجنة أميركية عُرفت لاحقًا باسم لجنة كينغ–كرين.

وجالت اللجنة في المنطقة بين حزيران/يونيو وتموز/يوليو 1919، وزارت فلسطين وسورية ولبنان، والتقت ممثلين عن طيف واسع من الجماعات السياسية والدينية والاقتصادية والاجتماعية.

وبالنسبة إلى الفلسطينيين، مثّلت اللجنة لحظة نادرة في ترتيبات ما بعد الحرب، إذ جاءت بعثة دولية لتسأل سكان فلسطين رسميًا عن المستقبل السياسي الذي يريدونه لبلادهم، في وقت كانت القوى الأوروبية تستعد فيه لفرض نظام الانتداب على الولايات العربية السابقة التابعة للدولة العثمانية.

زيارة اللجنة إلى فلسطين

وصلت لجنة كينغ–كرين إلى يافا في 10 حزيران/يونيو 1919، وبدأت منها جولتها في المنطقة. وأمضت نحو عشرة أيام في فلسطين ضمن رحلة استمرت اثنين وأربعين يومًا.

واستمعت اللجنة إلى وفود مثلت زعماء دينيين، وتجارًا، ورؤساء بلديات، ووجهاء سياسيين، وشيوخًا، وممثلين عن القبائل، وفلاحين، ومجالس محلية، إلى جانب مجموعات نسائية.

كما جمعت اللجنة نحو 260 عريضة من فلسطين، حمل الكثير منها عشرات التواقيع أو الأختام، وعكست مطالب سياسية صادرة عن مجتمعات مختلفة في أنحاء البلاد.

وأظهرت هذه العرائض والشهادات اتجاهًا واضحًا في الرأي العام العربي الفلسطيني؛ إذ عارضت الأغلبية الساحقة من العرائض البرنامج السياسي الصهيوني والهجرة اليهودية الواسعة، في حين أيدت الاستقلال العربي والوحدة السياسية لسورية الكبرى، التي كان كثير من الفلسطينيين آنذاك يعتبرون فلسطين جزءًا طبيعيًا منها.

ومن بين العرائض الـ260 التي جمعتها اللجنة في فلسطين، عارضت 222 عريضة، أي نحو 85.3 في المئة، البرنامج الصهيوني، وهي أعلى نسبة تأييد أو رفض سجلتها العرائض الفلسطينية تجاه قضية سياسية واحدة.

المطالب الفلسطينية

أكد الممثلون الفلسطينيون الذين مثلوا أمام اللجنة أن فلسطين لم تكن أرضًا خالية تنتظر من يستوطنها، بل بلدًا عربيًا مأهولًا يرى سكانه أن لهم الحق في تقرير مستقبلهم السياسي بعد انهيار الحكم العثماني.

ودعا كثيرون إلى إنشاء دولة سورية مستقلة وموحدة تشمل فلسطين ولبنان، تقوم على نظام تمثيلي وتضمن المساواة في المواطنة بصرف النظر عن الانتماء الديني.

وقد عبّر المؤتمر السوري العام، الذي انعقد في دمشق في تموز/يوليو 1919 وضم ممثلين من أنحاء بلاد الشام المختلفة، بما فيها فلسطين، عن موقف مشابه.

فقد طالب المؤتمر بالاستقلال السياسي الكامل لسورية، ورفض بصورة صريحة فصل فلسطين عن البلاد السورية. كما عارض المشروع الصهيوني الرامي إلى إقامة «كومنولث يهودي» في فلسطين، ورفض الهجرة الصهيونية، مع التأكيد في الوقت نفسه أن المواطنين اليهود الموجودين في البلاد يتمتعون بالحقوق نفسها ويتحملون الالتزامات نفسها التي يتمتع بها بقية السكان.

وكان هذا التمييز مهمًا في الخطاب السياسي الفلسطيني والعربي في تلك المرحلة؛ إذ وُجهت المعارضة إلى المشروع السياسي والاستيطاني الصهيوني، لا إلى الجماعات اليهودية التي كانت تعيش أصلًا في فلسطين والمنطقة.

معارضة المشروع الصهيوني

وصل أعضاء لجنة كينغ–كرين إلى المنطقة وهم يحملون في البداية موقفًا متعاطفًا عمومًا مع التطلعات الصهيونية. لكن ما شاهدوه وسمعوه في فلسطين وسورية دفعهم إلى إعادة النظر بصورة كبيرة في موقفهم.

وسجل تقريرهم النهائي أن المعارضة للصهيونية كانت واسعة وقوية. ففي مجموع سورية، عارضت 1,350 عريضة، أي 72.3 في المئة من مجموع العرائض التي تلقتها اللجنة، البرنامج الصهيوني. ولم تحظَ سوى المطالبة بوحدة سورية والاستقلال بتأييد أوسع من ذلك.

أما في فلسطين نفسها، فأشارت اللجنة إلى أن السكان غير اليهود كانوا يشكلون نحو تسعة أعشار السكان، وأنهم كانوا يعارضون بصورة واضحة تحويل فلسطين إلى دولة يهودية.

وحذر التقرير من أن فرض هجرة يهودية غير محدودة على سكان يعارضون هذه السياسة بوضوح سيشكّل انتهاكًا لمبدأ أن إرادة سكان البلاد يجب أن تكون عنصرًا أساسيًا في تحديد مستقبلهم السياسي.

وسجلت اللجنة كذلك أن ممثلين صهاينة التقت بهم كانوا يتوقعون انتقال مساحات واسعة من الأراضي من السكان غير اليهود إلى المشروع الصهيوني عبر أشكال مختلفة من عمليات الشراء.

ومن أكثر ما ورد في التقرير دلالة أن أعضاء اللجنة ذكروا أن الضباط البريطانيين الذين استشيروهم لم يعتقد أي منهم أن البرنامج الصهيوني الكامل يمكن تنفيذه من دون استخدام القوة المسلحة. وقدّر هؤلاء الضباط، بحسب التقرير، أن الأمر قد يتطلب قوة لا تقل عن خمسين ألف جندي حتى لبدء تنفيذ البرنامج.

توصيات اللجنة بشأن فلسطين

في 28 آب/أغسطس 1919، قدم كينغ وكرين تقريرهما النهائي.

وفيما يتعلق بفلسطين والصهيونية، أوصى التقرير بإجراء تقليص جوهري للبرنامج الصهيوني:

  • تقييد الهجرة اليهودية إلى فلسطين بصورة واضحة.
  • التخلي عن مشروع تحويل فلسطين إلى كومنولث يهودي متميز أو دولة يهودية.
  • بقاء فلسطين جزءًا من دولة سورية موحدة بدل فصلها سياسيًا عن سورية.
  • حماية الأماكن المقدسة من خلال ترتيب دولي ومشترك بين الأديان.
  • إخضاع سورية الموحدة بصورة مؤقتة لسلطة انتداب واحدة، مع تفضيل الولايات المتحدة لهذه المهمة، واختيار بريطانيا في المرتبة الثانية في حال رفض الولايات المتحدة.

ولم ترفض اللجنة جميع أشكال التطور القومي أو الثقافي اليهودي في فلسطين. لكنها أوصت بما وصفته ببرنامج صهيوني «مخفّض بدرجة كبيرة»، ورفضت بصورة صريحة تحويل فلسطين إلى دولة أو كومنولث يهودي في مواجهة إرادة الأغلبية الموجودة في البلاد.

سورية الكبرى وتقرير المصير

خلصت اللجنة إلى أن أغلبية كبيرة من السكان العرب في المنطقة كانت تؤيد الوحدة السياسية والاستقلال.

ولذلك أوصت بالحفاظ على وحدة سورية، التي كان المقصود بها آنذاك إقليم يشمل سورية الحالية ولبنان وفلسطين وشرقي الأردن، تحت انتداب واحد ومؤقت بدل تقسيم المنطقة بصورة دائمة بين القوى الاستعمارية المتنافسة.

كما أيد أعضاء اللجنة إقامة نظام سياسي دستوري، ورأوا أن أي انتداب يجب أن يكون مؤقتًا وأن تكون غايته المعلنة إعداد البلاد للاستقلال الحقيقي، لا إنشاء حكم استعماري تقليدي دائم.

وعكست هذه التوصيات مبادئ تقرير المصير التي كان الرئيس وودرو ويلسون قد أعلنها خلال الحرب العالمية الأولى وبعدها.

تقرير وُضع جانبًا

على الرغم من الكم الكبير من الشهادات والعرائض التي جمعتها اللجنة، لم يكن لتوصياتها تأثير فعلي يُذكر في التسوية السياسية التي فرضتها القوى المنتصرة على فلسطين وبقية المشرق العربي بعد الحرب.

فبحلول الوقت الذي قدّم فيه كينغ وكرين تقريرهما، كانت بريطانيا وفرنسا تمضيان بالفعل في ترتيباتهما الاستراتيجية والاستعمارية الخاصة بالمنطقة.

ولم يُنشر التقرير للرأي العام في ذلك الوقت، وظل بعيدًا عن التداول العام حتى 2 كانون الأول/ديسمبر 1922، حين نُشر في الولايات المتحدة، بعد أن كانت ترتيبات سياسية أساسية تتعلق بفلسطين والمنطقة قد حُسمت بالفعل.

وحصلت بريطانيا على الانتداب على فلسطين، وأُدرج ضمن صك الانتداب الالتزام الوارد في وعد بلفور بشأن إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين.

أما المطالب الفلسطينية بالاستقلال الوطني والحكومة التمثيلية، التي وثقتها لجنة كينغ–كرين بصورة واسعة، فلم تُطبق.

تقرير كينغ–كرين من منظور فلسطيني

من منظور التاريخ الفلسطيني، يظل تقرير كينغ–كرين وثيقة مهمة ومعاصرة للرأي السياسي الفلسطيني قبل أن يترسخ نظام الانتداب البريطاني بصورة كاملة.

فقد وثق التقرير أن الفلسطينيين كانوا يعبّرون بوضوح عن مطالب سياسية تتعلق بالاستقلال، والحكومة التمثيلية، والوحدة العربية، وحماية وطنهم، في وقت كان فيه مستقبلهم يُقرر في كثير من الأحيان داخل العواصم الأوروبية من دون موافقتهم.

وتزداد أهمية التقرير لأن أعضاء اللجنة لم يبدأوا عملهم بوصفهم معارضين للصهيونية. بل أقروا في تقريرهم بأنهم بدأوا دراسة المسألة وهم ميالون إلى التعاطف مع المشروع الصهيوني، قبل أن تتغير توصياتهم بعد زيارة البلاد، ودراسة واقعها السكاني، والاجتماع بالممثلين الصهاينة، والاستماع إلى سكان فلسطين وسائر المناطق السورية.

وكان استنتاجهم واضحًا: إن إقامة دولة يهودية في فلسطين مع تجاهل رغبات الأغلبية الساحقة من سكان البلاد لا تتفق، في نظرهم، مع مبدأ تقرير المصير، كما أن تنفيذ البرنامج الصهيوني الكامل سيواجه مقاومة كبيرة ولن يكون ممكنًا، بحسب الضباط البريطانيين الذين استشارتهم اللجنة، إلا باستخدام القوة.

لكن هذه النتائج لم تغير المسار الذي اتبعته القوى الاستعمارية. فقد استمر نظام الانتداب، وظل الدعم البريطاني لإقامة «الوطن القومي اليهودي» قائمًا، وتصاعدت خلال العقود التالية المواجهة حول الهجرة والأرض والتمثيل السياسي والسيادة على فلسطين.

من لجنة كينغ–كرين إلى النكبة الفلسطينية

لا يمكن اعتبار تجاهل تقرير كينغ–كرين سببًا منفردًا للنكبة الفلسطينية، كما لا يمكن اختزال العقود الثلاثة التالية في توصيات لجنة واحدة. غير أن التقرير يقدم شهادة مبكرة على أن المعارضة الفلسطينية للمشروع السياسي الذي كان يُراد تطبيقه في بلادهم كانت واضحة ومعلنة وموثقة منذ عام 1919.

وخلال العقود التالية، خضعت فلسطين للانتداب البريطاني، واتسعت الهجرة والاستيطان الصهيونيان، وانتقلت أراضٍ إلى المؤسسات الصهيونية، ونمت بنية سياسية واقتصادية وعسكرية صهيونية منظمة، في الوقت الذي استمر فيه الفلسطينيون بالمطالبة بالاستقلال وحق تقرير المصير ومقاومة السياسات البريطانية والمشروع الصهيوني.

وبين عامي 1947 و1949، دخل المشروع الصهيوني مرحلة حاسمة تمثلت في احتلال أجزاء واسعة من فلسطين والنكبة الفلسطينية. فقد هُجّر نحو ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من مدنهم وقراهم، ودُمّرت أو أُفرغت مئات التجمعات الفلسطينية من سكانها، وأُقيمت دولة إسرائيل عام 1948 على القسم الأكبر من فلسطين الانتدابية.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.