عصبة الأمم تقر الانتداب البريطاني لفلسطين بهدف تحويل فلسطين لوطن لليهود
عصبة الأمم تقر الانتداب البريطاني على فلسطين وتُدرج «الوطن القومي اليهودي» في شروطه
في 24 تموز/يوليو 1922، أقر مجلس عصبة الأمم رسميًا الانتداب البريطاني على فلسطين، مانحًا بريطانيا سلطات تشريعية وإدارية واسعة على البلاد.
ولم يقتصر الانتداب على وضع فلسطين تحت إدارة بريطانية مؤقتة، بل أدرج رسميًا وعد بلفور الصادر في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917 ضمن وثيقة دولية، وأسند إلى بريطانيا مسؤولية تهيئة الظروف السياسية والإدارية والاقتصادية اللازمة لإقامة ما سمّاه الصك «الوطن القومي اليهودي» في فلسطين.
وأُقر صك الانتداب سنة 1922، لكنه دخل حيز التنفيذ رسميًا في 29 أيلول/سبتمبر 1923.
مثّل ذلك نقطة تحول حاسمة؛ فقد أصبح تعهد كانت الحكومة البريطانية قد أصدرته من جانب واحد جزءًا من نظام دولي رسمي، رغم أن الأغلبية الساحقة من سكان فلسطين كانت من العرب الفلسطينيين، ولم تُستشر في المشروع السياسي والديموغرافي الذي كان يجري رسمه لمستقبل وطنها.
الانتداب ووعد بلفور
تألف صك الانتداب على فلسطين من ديباجة و28 مادة. وأشارت الديباجة بصورة صريحة إلى وعد بلفور، ونصت على أن الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع الإعلان البريطاني موضع التنفيذ.
وقد عبّرت المادة الثانية عن هذا الالتزام بصورة واضحة، إذ نصت على أن:
“تكون الدولة المنتدبة مسؤولة عن وضع البلاد في أحوال سياسية وإدارية واقتصادية تكفل إنشاء الوطن القومي اليهودي.”
وفي الوقت نفسه، أشارت المادة نفسها إلى تطوير مؤسسات الحكم الذاتي، وألزمت بريطانيا بصيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين بصرف النظر عن العرق أو الدين.
لكن بنية صك الانتداب ولغته أوجدتا اختلالًا سياسيًا واضحًا. فقد جرى الاعتراف بالشعب اليهودي بصورة صريحة في سياق مشروع قومي، وربط الصك هذا المشروع بمؤسسة يهودية معترف بها رسميًا، في حين أشارت الديباجة إلى الأغلبية العربية الفلسطينية بعبارة «الطوائف غير اليهودية الموجودة في فلسطين».
وقد ذُكرت حقوق هذه الأغلبية المدنية والدينية، لكن الوثيقة لم تعترف بها بصورة مماثلة باعتبارها شعبًا له حقوق قومية وسياسية في بلاده، ولم تنص صراحة على حقها في تقرير المصير.
الوكالة اليهودية والمؤسسات الصهيونية
نصت المادة الرابعة من صك الانتداب على الاعتراف بـوكالة يهودية مناسبة بوصفها هيئة عامة تتولى تقديم المشورة والتعاون مع إدارة فلسطين في القضايا الاقتصادية والاجتماعية وغيرها من المسائل التي تمس إقامة «الوطن القومي اليهودي» ومصالح السكان اليهود في فلسطين.
واعترف الصك في البداية بـالمنظمة الصهيونية لأداء هذه الوظيفة، ما دامت بنيتها وتنظيمها مقبولين لدى الدولة المنتدبة. أما الوكالة اليهودية لفلسطين بصيغتها الموسعة فقد تأسست رسميًا لاحقًا عام 1929.
ولم تُمنح مؤسسة وطنية فلسطينية عربية مماثلة المكانة الرسمية نفسها داخل نظام الانتداب.
أوجد ذلك تفاوتًا مؤسساتيًا في صميم الحكم البريطاني؛ فقد تمتعت الحركة الصهيونية بعلاقة رسمية ومعترف بها دوليًا مع السلطة الحاكمة، بينما لم تحظَ الأغلبية العربية الفلسطينية باعتراف موازٍ بها بوصفها جماعة وطنية سياسية ذات حق في تقرير مستقبل البلاد.
الهجرة اليهودية والاستيطان
كانت المادة السادسة من أكثر مواد صك الانتداب تأثيرًا في مستقبل فلسطين.
فقد ألزمت إدارة فلسطين بأن:
“تسهّل الهجرة اليهودية في أحوال مناسبة.”
كما ألزمتها، بالتعاون مع الوكالة اليهودية، بتشجيع:
“الاستيطان المكثف لليهود على الأرض، بما في ذلك أراضي الدولة والأراضي الموات غير المطلوبة للأغراض العامة.”
ولذلك لم ينص الانتداب على هجرة يهودية غير محدودة بلا ضوابط، كما يُقال أحيانًا، لكنه أنشأ التزامًا دوليًا صريحًا على بريطانيا بـتسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان اليهودي، مع النص في الوقت نفسه على عدم الإضرار بحقوق ومكانة بقية قطاعات السكان.
وذهبت المادة السابعة أبعد من ذلك، إذ ألزمت بريطانيا بوضع قانون للجنسية يتضمن نصوصًا تسهّل حصول اليهود الذين يتخذون فلسطين مقرًا دائمًا لهم على الجنسية الفلسطينية.
وفرت هذه المواد مجتمعة إطارًا سياسيًا وقانونيًا ومؤسساتيًا أمكن من خلاله توسيع الهجرة والاستيطان وشراء الأراضي وبناء المؤسسات الصهيونية خلال فترة الانتداب.
الأغلبية الفلسطينية ومسألة الحقوق السياسية
تُظهر التركيبة السكانية لفلسطين حجم المفارقة السياسية التي نشأت عن نظام الانتداب.
فوفق تعداد السكان البريطاني لعام 1922، بلغ عدد سكان فلسطين نحو ثلاثة أرباع مليون نسمة. وكان المسلمون يشكلون نحو 78 في المئة من السكان، واليهود نحو 11 في المئة، والمسيحيون نحو 9 إلى 10 في المئة، إلى جانب مجموعات صغيرة أخرى.
وبذلك كان العرب الفلسطينيون المسلمون والمسيحيون يشكلون الأغلبية الساحقة من سكان البلاد، في حين كان اليهود يشكلون نحو عُشر السكان.
ومع ذلك، اعترف صك الانتداب بصورة واضحة بمشروع قومي يهودي في فلسطين، بينما تناول الأغلبية العربية أساسًا من زاوية حماية حقوقها المدنية والدينية.
ومن المنظور الفلسطيني، كان هذا أحد أوجه الظلم الأساسية في نظام الانتداب: فالمستقبل السياسي لبلد ذي أغلبية عربية ساحقة أُعيد تشكيله من خلال إطار دولي يدعم تطوير مشروع قومي آخر من دون الحصول على موافقة أغلبية سكان البلاد.
من الحكم العثماني إلى نظام الانتداب
جاء الانتداب البريطاني في سياق تفكيك الولايات العربية التابعة للدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى.
وكانت بريطانيا وفرنسا قد تفاوضتا خلال الحرب بشأن مناطق النفوذ والسيطرة من خلال ترتيبات مثل اتفاقية سايكس–بيكو لعام 1916. وبعد الحرب، أدى نظام الانتداب إلى توزيع أجزاء واسعة من المشرق العربي بين القوتين الاستعماريتين.
فحصلت فرنسا على الانتداب على سورية ولبنان، بينما خضعت العراق وفلسطين للنفوذ والحكم البريطانيين. أما شرقي الأردن فقد أُدير تحت المظلة العامة لانتداب فلسطين، لكن أحكام صك الانتداب المتعلقة بإقامة الوطن القومي اليهودي عُلّق تطبيقها هناك رسميًا سنة 1922.
ومع ذلك، احتلت فلسطين موقعًا مختلفًا داخل هذا النظام الاستعماري، لأن الانتداب عليها لم يقتصر على إنشاء إدارة بريطانية، بل تضمن التزامًا سياسيًا محددًا بتسهيل إقامة «الوطن القومي اليهودي».
الحكم البريطاني والمقاومة الفلسطينية
طوال فترة الانتداب، طالبت الحركات السياسية الفلسطينية بصورة متكررة بإقامة حكومة تمثيلية، وتحقيق الاستقلال، ووقف أو تقييد الهجرة الصهيونية، وحماية الأراضي الفلسطينية من انتقالها إلى المؤسسات الاستيطانية.
وأدت هذه المطالب إلى مواجهة متزايدة مع كل من الحكم الاستعماري البريطاني والمشروع الصهيوني المتوسع في فلسطين.
واتخذت المقاومة الفلسطينية أشكالًا متعددة شملت العرائض، والمؤتمرات السياسية، والإضرابات، والتظاهرات، والاحتجاجات الشعبية، والمقاومة المسلحة.
ومن أبرز المحطات أحداث البراق عام 1929، ثم الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939، التي مثّلت أوسع انتفاضة فلسطينية ضد الحكم البريطاني والاستيطان الصهيوني قبل النكبة.
وردت بريطانيا على الثورة الكبرى باستخدام قوة عسكرية واسعة، وفرضت الاعتقالات والإعدامات والعقوبات الجماعية وحظر التجول وهدم المنازل، وعملت على تفكيك جانب كبير من القيادة السياسية والعسكرية الفلسطينية.
وكان لقمع الثورة آثار تجاوزت عام 1939؛ إذ دخل المجتمع الفلسطيني السنوات الحاسمة التي سبقت النكبة وهو يعاني من ضعف سياسي وعسكري وانقسام في قيادته، بينما كانت المؤسسات الصهيونية قد طورت بنى سياسية واقتصادية وعسكرية أكثر تنظيمًا وقوة.
الهجرة والأرض والتحول الديموغرافي
ازدادت الهجرة اليهودية بصورة كبيرة خلال مراحل مختلفة من الانتداب، ولا سيما خلال ثلاثينيات القرن العشرين مع تصاعد اضطهاد اليهود في أوروبا وصعود النظام النازي.
ولم تكن سياسة بريطانيا بشأن الهجرة ثابتة طوال فترة الانتداب؛ فقد فرضت في مراحل مختلفة حصصًا وقيودًا وتغييرات في السياسة، وكان من أبرزها الكتاب الأبيض لعام 1939.
لكن على امتداد فترة الانتداب ككل، ارتفع عدد السكان اليهود في فلسطين بصورة كبيرة، وتوسعت حيازة المؤسسات الصهيونية للأراضي، وعدد المستعمرات، والشبكات الاقتصادية، والبنى السياسية، والقدرات العسكرية.
لم يكن هذا التحول الديموغرافي والمؤسساتي منفصلًا عن الإطار السياسي الذي وضعه الانتداب، والذي ألزم بريطانيا رسميًا بتسهيل إقامة الوطن القومي اليهودي.
من الانتداب إلى عام 1948
بحلول نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت بريطانيا تواجه أزمة متصاعدة في فلسطين في ظل المقاومة الفلسطينية، وتصاعد نشاط الحركة الصهيونية وتنظيماتها المسلحة، وتزايد المواجهة مع القوات البريطانية نفسها.
وفي عام 1947، أحالت بريطانيا قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة. وفي 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 181، الذي أوصى بتقسيم فلسطين إلى دولة عربية ودولة يهودية، مع وضع القدس تحت نظام دولي خاص.
ورفض الفلسطينيون والدول العربية مشروع التقسيم، معتبرين أنه يتعارض مع مبدأ تقرير المصير لأنه خصص معظم مساحة فلسطين للدولة اليهودية المقترحة في وقت ظل فيه العرب الفلسطينيون يشكلون أغلبية السكان ويملكون معظم أراضي البلاد.
وأعلنت بريطانيا أن انتدابها على فلسطين سينتهي عند منتصف الليل الفاصل بين 14 و15 أيار/مايو 1948.
وفي عصر 14 أيار/مايو 1948، وقبل انتهاء الانتداب البريطاني بساعات، أعلنت القيادة الصهيونية إقامة دولة إسرائيل، على أن يدخل الإعلان حيز التنفيذ مع انتهاء الحكم البريطاني في تلك الليلة.
لكن النكبة الفلسطينية كانت قد بدأت بالفعل قبل انتهاء الانتداب. فقد تعرضت مدن وقرى فلسطينية للهجوم والتهجير، وكان عشرات الآلاف من الفلسطينيين قد أُجبروا بالفعل على النزوح عن ديارهم. واستمرت العمليات خلال الحرب، لتنتهي بتهجير نحو ثلاثة أرباع مليون فلسطيني ودخول مئات القرى والبلدات الفلسطينية في دائرة التدمير أو الإفراغ من السكان.
من الانتداب البريطاني إلى النكبة الفلسطينية
تحتل الفترة الممتدة من بدايات الحكم البريطاني إلى عام 1948 مكانة مركزية في الذاكرة التاريخية الفلسطينية؛ ففي ظل الحكم البريطاني توسعت الهجرة والاستيطان والمؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية الصهيونية، بينما قُمعت المقاومة الفلسطينية مرارًا ولم يتحقق الاستقلال الوطني الفلسطيني.
وبين عامي 1947 و1949، دخل المشروع الصهيوني مرحلة حاسمة تمثلت في احتلال أجزاء واسعة من فلسطين والنكبة الفلسطينية. فقد هُجّر نحو ثلاثة أرباع مليون فلسطيني من مدنهم وقراهم، ودُمّرت أو أُفرغت مئات التجمعات الفلسطينية من سكانها، وأُقيمت دولة إسرائيل عام 1948 على القسم الأكبر من فلسطين الانتدابية.
وهكذا انتهى الانتداب البريطاني في أيار/مايو 1948، لكن الآثار السياسية والديموغرافية والمؤسساتية التي تشكلت خلال عقوده لم تنتهِ معه. فمن المنظور الفلسطيني، يمثل نظام الانتداب مرحلة أساسية في المسار التاريخي الذي قاد إلى النكبة؛ بما حملته من اقتلاع جماعي، وتهجير قسري، ولجوء، وفقدان للأرض، وهي نتائج ما تزال آثارها في صميم القضية الفلسطينية حتى اليوم.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.