فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

خط زمني 16 أيلول 1970

أيلول الأسود في الأردن: المقاومة الفلسطينية والدولة الأردنية، 1970–1971

أيلول الأسود في الأردن: المقاومة الفلسطينية والدولة الأردنية، 1970–1971

أيلول الأسود في الأردن: المقاومة الفلسطينية والدولة الأردنية، 1970–1971

يشير مصطلح «أيلول الأسود» إلى المواجهة العنيفة التي اندلعت بين الدولة الأردنية وتنظيمات المقاومة الفلسطينية، وبلغت أكثر مراحلها دموية في أيلول/سبتمبر 1970، قبل أن تستمر بأشكال مختلفة حتى القضاء على الجزء الأكبر من الوجود الفلسطيني المسلح المستقل في الأردن في تموز/يوليو 1971.

نشأت المواجهة في سياق التحولات السياسية والعسكرية العميقة التي أعقبت احتلال إسرائيل ما تبقى من فلسطين سنة 1967.

فبعد احتلال الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، توسع وجود تنظيمات المقاومة الفلسطينية في الأردن، الذي أصبح القاعدة الرئيسية للعمليات المسلحة عبر نهر الأردن باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وازداد نفوذ الفدائيين الفلسطينيين بصورة كبيرة بعد معركة الكرامة في 21 آذار/مارس 1968، عندما واجه مقاتلو المقاومة الفلسطينية وجزء من الجيش الأردني هجومًا واسعًا شنته قوات الاحتلال الإسرائيلي على منطقة الكرامة في غور الأردن.

وأدت نتائج المعركة إلى رفع مكانة المقاومة الفلسطينية سياسيًا وشعبيًا، والتحق آلاف المتطوعين بتنظيمات المقاومة، وخصوصًا حركة فتح.

لكن التوسع نفسه الذي عزز الحركة الوطنية الفلسطينية أدى تدريجيًا إلى صراع متزايد حول السيادة والسلاح والسلطة السياسية وحدود حرية التنظيمات الفلسطينية في العمل بصورة مستقلة داخل الأردن.

بعد احتلال فلسطين عام 1967

تغير الوضع السياسي والديموغرافي في الأردن بصورة عميقة بعد احتلال عام 1967.

فأدى احتلال الضفة الغربية إلى موجة جديدة من التهجير الفلسطيني باتجاه الضفة الشرقية.

وفي الوقت نفسه، نقلت تنظيمات المقاومة الفلسطينية جزءًا كبيرًا من قواعدها ونشاطها العسكري إلى الأردن وبدأت تنفيذ عمليات باتجاه الضفة الغربية المحتلة.

وأصبح غور الأردن إحدى الجبهات الرئيسية للعمل المسلح الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وأقامت حركة فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والصاعقة وجيش التحرير الفلسطيني وتنظيمات أخرى مقرات ومعسكرات تدريب ووحدات عسكرية وأجهزة سياسية وتنظيمية داخل المملكة.

معركة الكرامة تغيّر موازين القوى

منحت معركة الكرامة الفدائيين الفلسطينيين مكانة لم يسبق لهم أن امتلكوها بهذا الحجم.

وبعد المعركة، تدفق المتطوعون إلى تنظيمات المقاومة من بين الفلسطينيين ومن بلدان عربية مختلفة.

وتوسّع نفوذ حركة فتح بسرعة، وفي شباط/فبراير 1969 انتُخب ياسر عرفات رئيسًا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وبدأت المنظمة تتحول من إطار كان قد تأسس في ظل تأثير عربي رسمي قوي إلى منظمة تهيمن عليها قوى المقاومة الفلسطينية المسلحة.

وأصبح الأردن نتيجة لذلك مركزًا عسكريًا وسياسيًا بالغ الأهمية للحركة الوطنية الفلسطينية.

المقاومة الفلسطينية بين قاعدة التحرير وسيادة الدولة الأردنية

من المنظور الفلسطيني، لم ينشأ الوجود المسلح للمقاومة في الأردن بوصفه مشروعًا لإقامة دولة بديلة عن الدولة الأردنية، بل في سياق مباشر أعقب احتلال الضفة الغربية سنة 1967 وإغلاق المجال أمام العمل الفلسطيني المسلح المنظم داخلها.

وتعزز هذا الدور بصورة كبيرة بعد معركة الكرامة في آذار/مارس 1968، التي رفعت مكانة المقاومة الفلسطينية وحولت الفدائيين في نظر قطاعات واسعة من الفلسطينيين والعرب إلى قوة تحاول استعادة المبادرة بعد هزيمة الجيوش العربية واحتلال ما تبقى من فلسطين سنة 1967.

ومن وجهة نظر قيادة المقاومة، كان هذا الاستقلال ضروريًا لحماية قرارها الوطني ومنع إخضاع العمل المسلح الفلسطيني للسياسات الرسمية العربية، وخصوصًا في مرحلة كانت فيها منظمة التحرير ترفض قرار مجلس الأمن 242 ومشروع روجرز، وتخشى من أن تؤدي التسويات الإقليمية إلى التعامل مع الفلسطينيين بوصفهم مجرد قضية لاجئين بدل شعب يخوض صراعًا من أجل التحرر الوطني.

ورأت القيادة الأردنية في هذه الظاهرة تهديدًا لسيادة الدولة وسلطتها، بينما رأى كثير من الفلسطينيين أن محاولات نزع سلاح المقاومة أو تقييد حركتها كانت تهدد القاعدة الرئيسية المتبقية للكفاح المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي.

كان الصراع في جوهره بين مشروعين سياسيين وأمنيين متعارضين: دولة أردنية تصر على احتكار القرار العسكري داخل أراضيها والحفاظ على استقرار المملكة، وحركة تحرر فلسطينية ترى أن استقلال سلاحها وقرارها شرط لاستمرار المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

خلاف متصاعد حول الاستراتيجية

لم يكن النزاع متعلقًا فقط بحمل السلاح في الشوارع الأردنية.

بل عكس أيضًا اختلافًا عميقًا بين استراتيجيتين سياسيتين.

فكانت حكومة الملك حسين تسعى إلى الحفاظ على سيادة الدولة الأردنية ومنع تحول الأردن إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع إسرائيل يمكن أن تهدد استقرار المملكة نفسها.

أما تنظيمات المقاومة الفلسطينية، وخصوصًا الفصائل الأكثر تشددًا، فكانت تصر على الاحتفاظ بحرية تنفيذ العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي انطلاقًا من الأراضي الأردنية.

وفي المقابل، كان كثير من الفدائيين ينظرون إلى محاولات الأردن ضبط تلك العمليات باعتبارها تقييدًا للمقاومة الفلسطينية ومحاولة لاحتوائها.

مشروع روجرز والرفض الفلسطيني

اتسع الخلاف السياسي خلال صيف سنة 1970.

فقد قدمت الولايات المتحدة مبادرة دبلوماسية ارتبطت باسم وزير الخارجية الأميركي وليام روجرز، واستندت إلى قرار مجلس الأمن رقم 242.

وقبلت مصر والأردن المبادرة ووقفًا مؤقتًا لإطلاق النار مع إسرائيل.

أما منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية الرئيسية فرفضت مشروع روجرز.

وخشي الفلسطينيون من أن يؤدي حل يقوم على القرار 242 إلى إعادة اختزال القضية الفلسطينية في مشكلة لاجئين، وتهميش الحقوق الوطنية الفلسطينية ودور المقاومة المسلحة.

وفي 27–28 آب/أغسطس 1970، عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورة استثنائية في عمّان أعلن خلالها رفضه الصريح لمشروع روجرز، وأعاد تأكيد موقفه الرافض للقرار 242.

وأدى ذلك إلى اتساع المسافة السياسية بين الحكومة الأردنية والحركة الوطنية الفلسطينية.

عمليات خطف الطائرات التي نفذتها الجبهة الشعبية

دخلت الأزمة مرحلة أكثر خطورة في أيلول/سبتمبر.

فبين 6 و12 أيلول/سبتمبر 1970، نفذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين سلسلة من عمليات خطف الطائرات الدولية.

ونُقلت ثلاث طائرات مخطوفة في نهاية المطاف إلى مطار داوسون، وهو مهبط صحراوي قرب الزرقاء في الأردن.

وبعد إخراج الركاب، فجرت الجبهة الشعبية الطائرات الفارغة في 12 أيلول/سبتمبر أمام وسائل الإعلام الدولية.

وأثارت العمليات اهتمامًا دوليًا واسعًا وأزمة دبلوماسية كبيرة.

وبالنسبة إلى الملك حسين، شكلت كذلك دليلًا واضحًا على قدرة تنظيم فلسطيني مسلح على تنفيذ عملية دولية كبرى من الأراضي الأردنية من دون موافقة الحكومة الأردنية.

ولم تكن عمليات الخطف هي التي خلقت أصل الصراع الأردني الفلسطيني، لكنها سرعت انفجار أزمة كانت تتفاقم منذ أشهر.

16 أيلول: انهيار التفاهمات

بحلول منتصف أيلول/سبتمبر، كانت الاشتباكات قد تجددت بين القوات الأردنية والمقاتلين الفلسطينيين.

وفي 16 أيلول/سبتمبر 1970، شكّل الملك حسين حكومة عسكرية برئاسة العميد محمد داود العباسي.

وأُعلنت الأحكام العرفية في أنحاء الأردن.

كما عُيّن المشير حابس المجالي قائدًا عامًا للقوات المسلحة وحاكمًا عسكريًا عامًا.

وبذلك انتقلت الدولة الأردنية إلى استخدام القوة العسكرية لاستعادة سيطرتها الكاملة.

وفي الجانب الفلسطيني، تحرك ياسر عرفات لتنسيق مواقف التنظيمات وقواتها المسلحة في مواجهة الهجوم المتوقع.

17 أيلول: بداية الهجوم العسكري الكبير

في صباح 17 أيلول/سبتمبر، بدأت وحدات الجيش الأردني عمليات عسكرية واسعة ضد مواقع تنظيمات المقاومة الفلسطينية في عمّان والزرقاء وإربد ومناطق أخرى.

واستخدمت الدبابات والمدفعية في القتال داخل مناطق حضرية ومحيط المخيمات والمواقع التي كانت التنظيمات الفلسطينية تتمركز فيها.

وتحولت أجزاء من العاصمة عمّان إلى ساحات قتال عنيفة.

وقاوم المقاتلون الفلسطينيون من المخيمات والأحياء والمواقع المحصنة.

وفي الوقت نفسه، وجد عدد كبير من السكان المدنيين أنفسهم عالقين وسط القتال بين الطرفين.

المخيمات الفلسطينية تحت النار

وقع بعض أعنف القتال داخل المخيمات الفلسطينية ومحيطها.

ولم تكن هذه المخيمات مجرد مواقع عسكرية للفدائيين.

بل كانت تجمعات سكانية كثيفة يعيش فيها اللاجئون وعائلاتهم والأطفال والمسنون، وكان كثير منهم قد عاش أصلًا تجربة التهجير خلال النكبة سنة 1948 أو النزوح الذي أعقب احتلال ما تبقى من فلسطين سنة 1967.

وأدى استخدام المدفعية والدبابات في هذه المناطق إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وإلحاق دمار واسع بالمخيمات والأحياء المجاورة.

وسجلت الأونروا لاحقًا أن مخيم الوحدات ومحيطه تعرضا لأضرار بالغة، وأن خسائر وأضرارًا وقعت أيضًا في مخيم جبل الحسين ومخيمات إربد.

ولهذا تحفظ الذاكرة الفلسطينية أيلول الأسود لا باعتباره مواجهة عسكرية بين الجيش الأردني والفدائيين فقط، بل كذلك باعتباره كارثة أصابت مجتمعات اللاجئين التي وجدت نفسها وسط القتال.

كم بلغ عدد الضحايا الفلسطينيين؟

لا توجد حصيلة واحدة متفق عليها لضحايا أيلول الأسود.

وتختلف التقديرات بصورة كبيرة وفق الفترة التي يجري احتسابها، وما إذا كانت تشمل أيام القتال الرئيسية في أيلول فقط، أو المواجهات الممتدة بين 1970 و1971، وما إذا كانت تفصل بين المقاتلين والمدنيين.

وتقدر الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية (PalQuest) أن نحو 5,000 إلى 10,000 فلسطيني قُتلوا خلال الأيام العشرة الرئيسية التي ارتبطت باسم أيلول الأسود.

لكن دراسات تاريخية أخرى تقدم تقديرات أقل، ولذلك لا يمكن اعتبار هذا النطاق رقمًا نهائيًا متفقًا عليه.

أما المؤكد فهو أن القتال أدى إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى الفلسطينيين وفق عدد من المصادر، وكان بين الضحايا مدنيون بأعداد كبيرة، إلى جانب المقاتلين.

كما لحقت أضرار جسيمة بمخيمات وأحياء فلسطينية عدة.

التدخل السوري

سرعان ما تحولت المواجهة إلى أزمة إقليمية.

ففي 20 أيلول/سبتمبر، دخلت قوات مدرعة سورية إلى شمال الأردن دعمًا للمقاومة الفلسطينية.

وتقدمت الدبابات باتجاه إربد، التي كان للمنظمات الفلسطينية وجود قوي فيها.

وتشير الوثائق الأميركية المعاصرة إلى وجود مئات الدبابات ضمن القوة التي عبرت إلى الأردن خلال ذروة الأزمة.

ورد الجيش الأردني بهجمات برية وجوية على القوات المتقدمة.

وأدى التدخل إلى رفع احتمال تحول النزاع الداخلي الأردني الفلسطيني إلى مواجهة عسكرية إقليمية أوسع.

الولايات المتحدة وإسرائيل تبحثان احتمال التدخل

أثار التدخل السوري قلقًا بالغًا لدى الإدارة الأميركية.

وكانت إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون تعتبر بقاء نظام الملك حسين واستقرار الأردن مصلحة استراتيجية إقليمية مهمة.

ورفعت الولايات المتحدة درجة استعداد عدد من قواتها وحركت أصولًا بحرية وجوية في المنطقة.

كما بدأت واشنطن مشاورات مكثفة مع إسرائيل بشأن احتمال تنفيذ تدخل عسكري ضد القوات السورية إذا لم يتمكن الجيش الأردني من وقف تقدمها.

وتظهر الوثائق الأميركية التي رفعت عنها السرية أن الأردن طلب بصورة عاجلة دعمًا جويًا خارجيًا أثناء تقدم القوات السورية.

ونقلت واشنطن الطلب إلى إسرائيل وناقشت معها احتمالات شن ضربات جوية أو القيام بعمل بري إذا أصبح وضع الجيش الأردني حرجًا.

كما استفادت الولايات المتحدة والأردن من معلومات واستطلاع إسرائيليين لتقييم انتشار القوات السورية.

لكن في النهاية لم يقع تدخل عسكري إسرائيلي مباشر، إذ تمكنت القوات الأردنية من وقف التقدم السوري.

انسحاب القوات السورية

شنت القوات الأردنية هجومًا مضادًا ضد الوحدات المدرعة السورية.

وهاجمت الطائرات الأردنية القوات السورية في شمال البلاد.

وبحلول 22 أيلول/سبتمبر، كان التدخل السوري يتراجع بسرعة.

وبدأت القوات السورية الانسحاب من الأردن.

وجاء الانسحاب نتيجة مجموعة من العوامل، من بينها المقاومة العسكرية الأردنية، وغياب إسناد جوي سوري فعال للقوات المتقدمة، والضغوط الإقليمية والدولية، واحتمال تدخل أميركي أو إسرائيلي إذا استمر التقدم.

وأدى فشل التدخل السوري إلى إضعاف الموقف العسكري الفلسطيني بصورة كبيرة.

القوات العراقية لا تدخل المعركة

كانت قوة عسكرية عربية كبيرة أخرى موجودة بالفعل على الأراضي الأردنية.

فقد بقيت آلاف القوات العراقية في الأردن منذ المواجهات التي أعقبت احتلال عام 1967.

وكان بعض القادة الفلسطينيين يأملون أن تتدخل تلك القوات إلى جانب المقاومة.

لكن القوات العراقية لم تشارك في مواجهة واسعة ضد الجيش الأردني، وبقيت عمليًا خارج القتال الرئيسي.

وكان هذا الموقف أحد العوامل المهمة التي أثرت في ميزان القوى خلال الأزمة.

تراجع الموقف العسكري الفلسطيني

بين 23 و25 أيلول/سبتمبر، كان الجيش الأردني قد استعاد السيطرة على أجزاء واسعة من عمّان ومواقع استراتيجية أخرى.

وظلت التنظيمات الفلسطينية مسلحة، لكن قدرتها على مواجهة هجوم مركز من جيش نظامي أصبحت أضعف بكثير.

وبدأ مقاتلون فلسطينيون ينسحبون من المدن الرئيسية باتجاه شمال الأردن.

وكانت المرحلة الرئيسية من مواجهة أيلول تقترب من نهايتها.

القمة العربية الطارئة في القاهرة

تحركت الحكومات العربية لمحاولة وقف إراقة الدماء ومنع انهيار الوضع بصورة كاملة.

وعُقدت قمة عربية طارئة في القاهرة خلال الأيام الأخيرة من أيلول/سبتمبر.

ولعب الرئيس المصري جمال عبد الناصر دورًا رئيسيًا في الوساطة.

وجرى جمع ياسر عرفات والملك حسين تحت ضغط عربي مكثف للتوصل إلى وقف للقتال.

وفي 27 أيلول/سبتمبر 1970، وقع حسين وعرفات في القاهرة اتفاقًا لوقف إطلاق النار.

اتفاق وقف إطلاق النار في القاهرة – أيلول 1970

نص الاتفاق على وقف القتال وإطلاق سراح المعتقلين ووضع ترتيبات جديدة لتنظيم العلاقة بين السلطات الأردنية والتنظيمات الفلسطينية.

كما نص على إبعاد القوات المسلحة عن المدن، وإعادة مسؤوليات الأمن الداخلي بصورة أساسية إلى الأجهزة المدنية، ووضع آليات عربية لمراقبة تنفيذ الاتفاق.

وكان من المفترض أن تنسحب التشكيلات الفلسطينية المسلحة من المدن وتتجه بصورة أكبر إلى المناطق المرتبطة بالمواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي.

وأوقف الاتفاق القتال الرئيسي بصورة مؤقتة.

لكنه لم يحسم الصراع الأساسي حول وجود قوة فلسطينية مسلحة مستقلة داخل الدولة الأردنية.

وفاة جمال عبد الناصر في اليوم التالي

في 28 أيلول/سبتمبر 1970، أي في اليوم التالي للاتفاق بين حسين وعرفات، توفي الرئيس المصري جمال عبد الناصر بصورة مفاجئة إثر أزمة قلبية.

وأحدثت وفاته صدمة واسعة في العالم العربي.

وكان عبد الناصر قد أمضى أيامه الأخيرة في محاولة التوسط لإنهاء المواجهة الأردنية الفلسطينية.

ولهذا ارتبطت وفاته رمزيًا بأحداث أيلول الأسود، وأصبحت بالنسبة إلى كثيرين علامة على نهاية مرحلة كاملة من التاريخ السياسي العربي الحديث.

القتال لم ينتهِ فعليًا

أنهى اتفاق القاهرة المعارك الكبرى في أيلول، لكنه لم ينهِ الوجود الفلسطيني المسلح في الأردن.

وانسحب عدد كبير من الفدائيين من عمّان ومراكز حضرية أخرى نحو مناطق جرش وعجلون والغابات والمرتفعات في شمال الأردن.

ومن هناك حاولت التنظيمات الفلسطينية الاحتفاظ ببنيتها العسكرية والاستمرار في العمل.

وفي المقابل، واصلت الدولة الأردنية بصورة تدريجية إحكام سيطرتها والحد من قدرة التنظيمات على الحركة المستقلة.

من تشرين الأول/أكتوبر 1970 إلى تموز/يوليو 1971

شهدت الأشهر التالية مواجهات متقطعة واعتقالات وقيودًا وضغطًا عسكريًا وسياسيًا على الفصائل الفلسطينية.

وتم التوصل إلى اتفاقات جديدة، لكنها لم تصمد طويلًا.

وتجمع الجزء الأكبر من الوحدات الفلسطينية المسلحة المتبقية تدريجيًا في شمال الأردن.

وبحلول منتصف سنة 1971، قررت الحكومة الأردنية إنهاء القواعد المستقلة المتبقية للفدائيين بصورة نهائية.

المعارك الأخيرة في جرش وعجلون

في تموز/يوليو 1971، شن الجيش الأردني حملته العسكرية الكبرى الأخيرة ضد مواقع المقاومة الفلسطينية في الشمال.

وتركز القتال في الغابات والمناطق الجبلية حول جرش وعجلون.

وحوصرت الوحدات الفلسطينية وتفككت، وأُسر عدد من مقاتليها بينما اضطر آخرون إلى الانسحاب عبر الحدود.

وبحلول أواخر تموز/يوليو 1971، كان الوجود الفلسطيني المسلح المنظم والمستقل الذي اتسع في الأردن منذ سنة 1967 قد انتهى إلى حد كبير.

وفقدت المقاومة الفلسطينية بذلك أهم قاعدة عسكرية لها ملاصقة مباشرة للضفة الغربية المحتلة.

منظمة التحرير تنقل مركز ثقلها إلى لبنان

بعد خروجها من الأردن، انتشرت قوات ومؤسسات فلسطينية في سورية ولبنان.

وتحول لبنان تدريجيًا إلى القاعدة السياسية والعسكرية الرئيسية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وأصبحت بيروت مركزًا متزايد الأهمية للنشاط السياسي والإعلامي والدبلوماسي والتنظيمي الفلسطيني.

كما توسعت التنظيمات المسلحة الفلسطينية داخل مخيمات اللاجئين وفي جنوب لبنان، حيث استمرت العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وبذلك فتح الانتقال من الأردن إلى لبنان مرحلة جديدة في تاريخ المقاومة الفلسطينية.

لماذا كان أيلول الأسود نقطة تحول؟

مثل أيلول الأسود واحدة من أقسى الضربات التي تعرضت لها المقاومة الفلسطينية بعد صعودها السريع الذي أعقب معركة الكرامة.

فقدت التنظيمات قاعدة ملاصقة لإحدى أطول الجبهات مع الأراضي الفلسطينية المحتلة.

وقُتل وجُرح آلاف الفلسطينيين وفق تقديرات مختلفة.

وتحولت مخيمات اللاجئين مرة أخرى إلى ساحات قتال.

وأُجبرت حركة وطنية كانت قد توسعت بصورة دراماتيكية بين 1968 و1970 على إعادة بناء مركزها السياسي والعسكري في دولة عربية أخرى.

مأساة فلسطينية أردنية

ترك أيلول الأسود جرحًا عميقًا في العلاقات الفلسطينية الأردنية.

وتحفظ الذاكرة الفلسطينية قصف المخيمات، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، وإنهاء الوجود العسكري للمقاومة الذي توسع بعد احتلال عام 1967.

وفي المقابل، تركز الرواية الرسمية الأردنية على انهيار سلطة الدولة في بعض المناطق، وانتشار السلاح خارج المؤسسات الرسمية، والحواجز التابعة للفصائل، وعمليات خطف الطائرات، وما اعتبرته المملكة تهديدًا مباشرًا للسيادة الأردنية واستمرار الدولة.

وظلت هاتان الذاكرتان المختلفتان تؤثران في تفسير الأحداث.

ويتطلب فهم أيلول الأسود تاريخيًا إدراك كل من الصراع على السيادة والسلطة المسلحة داخل الأردن والحجم الكبير للخسائر الفلسطينية المدنية والعسكرية التي نتجت عن المواجهة.

دور المقاومة الفلسطينية

لم تكن التنظيمات الفلسطينية كتلة سياسية وعسكرية واحدة.

فكانت حركة فتح تسعى بصورة عامة إلى الحفاظ على حرية عمل المقاومة من دون إعلان هدف مباشر يتمثل في إسقاط النظام الملكي الأردني.

أما تنظيمات أكثر راديكالية، وفي مقدمتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فتبنت رؤية ثورية أوسع اعتبرت الصراع مع بعض الأنظمة العربية المحافظة جزءًا من مشروع سياسي يتجاوز المواجهة المباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي.

وزادت هذه الاختلافات صعوبة اتخاذ موقف فلسطيني موحد خلال الأزمة.

فمثلًا، نفذت الجبهة الشعبية عمليات خطف الطائرات، ولم تكن تلك العمليات قرارًا اتخذته منظمة التحرير بجميع فصائلها.

لكن نتائجها السياسية والعسكرية انعكست على جميع التنظيمات الفلسطينية الموجودة في الأردن.

البعد الدولي لأيلول الأسود

لم يكن أيلول الأسود مجرد مواجهة داخلية بين الدولة الأردنية والفلسطينيين.

فقد جرى في قلب الحرب الباردة وفي سياق المواجهة العربية الإسرائيلية الأوسع.

ودعمت الولايات المتحدة بقاء حكومة الملك حسين، واستعدت لاحتمال التدخل إذا اتسعت الأزمة.

وبحثت إسرائيل إمكانية مساعدة الأردن عسكريًا إذا أدى التدخل السوري إلى تهديد النظام الأردني.

ودخلت سورية عسكريًا إلى شمال الأردن دعمًا للمقاومة الفلسطينية.

وفي المقابل، بقيت القوات العراقية الكبيرة الموجودة في الأردن خارج القتال الرئيسي.

وحاولت مصر، وخصوصًا الرئيس جمال عبد الناصر، التوسط لوقف المواجهة.

وأصبحت الأزمة بذلك نقطة تقاطع بين المصالح الفلسطينية والأردنية والعربية والإسرائيلية والأميركية والسوفياتية ضمن توازنات الحرب الباردة.

ظهور منظمة أيلول الأسود

اكتسب اسم «أيلول الأسود» معنى آخر في السنوات التي أعقبت المواجهة.

فبعد إخراج المقاومة الفلسطينية من الأردن، ظهر تنظيم فلسطيني سري حمل اسم «منظمة أيلول الأسود».

وارتبط التنظيم بعناصر وشبكات قريبة من حركة فتح، بينما ظلت العلاقة التنظيمية الدقيقة بينه وبين قيادة فتح موضع غموض متعمد وخلاف تاريخي.

وفي 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1971، اغتال أفراد من التنظيم رئيس الوزراء الأردني وصفي التل في القاهرة.

وفي سنة 1972، أصبح اسم التنظيم معروفًا عالميًا بعد العملية التي استهدفت أعضاء الفريق الإسرائيلي في دورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ وانتهت بمقتل أحد عشر من أعضاء الفريق الإسرائيلي، إضافة إلى أحد أفراد الشرطة الألمانية وخمسة من منفذي العملية.

ويجب عدم الخلط بين منظمة أيلول الأسود وبين أحداث أيلول الأسود الأصلية، التي تشير إلى المواجهة الأردنية الفلسطينية في 1970 وما تلاها من إنهاء للوجود العسكري الفلسطيني في الأردن خلال 1971.

من الأردن إلى لبنان

لم تؤدِ الهزيمة العسكرية في الأردن إلى إنهاء منظمة التحرير الفلسطينية.

لكنها غيرت مركزها الجغرافي والسياسي.

وخلال سبعينيات القرن العشرين، بنت منظمة التحرير وجودًا سياسيًا وعسكريًا وثقافيًا وإعلاميًا ودبلوماسيًا واسعًا في لبنان.

وأصبحت بيروت واحدة من أهم مراكز الحركة الوطنية الفلسطينية.

كما أصبح جنوب لبنان جبهة رئيسية للعمليات المسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي.

لكن بعض الإشكاليات التي ظهرت في الأردن، والمتعلقة بوجود حركة فلسطينية مسلحة تعمل داخل أراضي دولة عربية أخرى، عادت لاحقًا بصورة مختلفة وأكثر تعقيدًا خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

الإرث التاريخي لأيلول الأسود

مثّل أيلول الأسود نهاية المرحلة التي كان فيها الأردن القاعدة الإقليمية الرئيسية للمقاومة الفلسطينية المسلحة.

فالحركة الفلسطينية التي صعدت بقوة بعد معركة الكرامة اضطرت إلى مغادرة البلد الذي شهد ذلك الصعود.

وسقط خلال المواجهة عدد كبير من الفلسطينيين بين قتيل وجريح، بينما تعرض آخرون للاعتقال أو التهجير.

وانتقل مركز الثقل السياسي والعسكري لمنظمة التحرير إلى لبنان.

كما تعرضت العلاقات بين الحركة الوطنية الفلسطينية والنظام الأردني لضرر عميق استمر سنوات.

لكن منظمة التحرير نفسها لم تنتهِ.

فحافظت على مؤسساتها، وأعادت بناء قدراتها، ووسعت خلال السنوات التالية حضورها السياسي والدبلوماسي عربيًا ودوليًا.

ومن المنظور الفلسطيني، يمثل أيلول الأسود في الوقت نفسه مأساة عربية داخلية عميقة وواحدة من أقسى المراحل التي مرت بها المقاومة الفلسطينية بعد احتلال ما تبقى من فلسطين سنة 1967.

فقد أنهى مرحلة من مراحل الكفاح الفلسطيني المسلح وفتح مرحلة جديدة.

غادرت المقاومة الأردن، لكن الحركة الوطنية الفلسطينية استمرت، وانتقل مركزها السياسي والعسكري الرئيسي إلى لبنان.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.