فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

خط زمني 15 تشرين الثاني 1988

اعلان قيام دولة فلسطين والموافقة على قراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338

اعلان قيام دولة فلسطين والموافقة على قراري مجلس الأمن الدولي رقم 242 و338

في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988، اختتم المجلس الوطني الفلسطيني دورته التاسعة عشرة الاستثنائية في الجزائر باتخاذ مجموعة من القرارات التي شكّلت واحدة من أهم نقاط التحول في التاريخ السياسي الفلسطيني الحديث.

فقد أعلن المجلس قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس، واعتمد في الوقت نفسه برنامجًا سياسيًا قبل فيه قراري مجلس الأمن الدولي 242 لعام 1967 و338 لعام 1973 أساسًا لعقد مؤتمر دولي للسلام.

وقد ارتبط القراران ببعضهما سياسيًا، لكنهما وردا في وثيقتين منفصلتين.

الأولى هي إعلان الاستقلال الفلسطيني.

والثانية هي البيان السياسي الصادر عن الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني.

وتكتسب هذه التفرقة أهمية تاريخية، لأن إعلان الاستقلال نفسه لم ينص صراحة على قبول منظمة التحرير الفلسطينية بالقرارين 242 و338، وإنما ورد القبول الصريح في البيان السياسي الذي أُقر في الدورة نفسها.

وقد مثّل مجموع الوثيقتين تحولًا عميقًا في الاستراتيجية الفلسطينية الرسمية، إذ جمعت القيادة الفلسطينية بين إعلان الدولة والتوجه نحو مسار دبلوماسي دولي يقوم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي الذي بدأ عام 1967.

السياق السياسي لعام 1988

لم تكن قرارات الجزائر معزولة عن التحولات الكبرى التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال السنوات السابقة.

فقد أدى الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى إخراج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وآلاف المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، وإضعاف القاعدة العسكرية والسياسية التي بنتها المنظمة في لبنان منذ مطلع السبعينيات.

وانتقلت القيادة الفلسطينية بعد ذلك إلى تونس، بعيدًا جغرافيًا عن الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لكن مركز الفعل الفلسطيني لم يتراجع.

ففي كانون الأول/ديسمبر 1987 اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى في الأراضي المحتلة.

ونقلت الانتفاضة مركز الثقل السياسي من قواعد المقاومة في الخارج إلى الداخل الفلسطيني نفسه.

وشهدت الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة إضرابات ومظاهرات ومقاطعة اقتصادية ولجانًا شعبية وعصيانًا مدنيًا ومواجهات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي.

وأعادت الانتفاضة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، وأظهرت أن استمرار الاحتلال لم يكن وضعًا سياسيًا مستقرًا أو قابلًا للاستمرار بلا مقاومة.

الانتفاضة والطريق إلى إعلان الاستقلال

أطلق المجلس الوطني الفلسطيني على دورته التاسعة عشرة تسمية «دورة الانتفاضة والاستقلال الوطني».

وكان للانتفاضة دور أساسي في القرارات التي اتُخذت في الجزائر.

فقد عبّر الفلسطينيون في الأراضي المحتلة بصورة متزايدة عن مطالب إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة وممارسة السلطة السياسية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي الوقت نفسه، بدأت المبادرات الدولية تركز مجددًا على تسوية سياسية تقوم على الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

ورأت قيادة منظمة التحرير أن الانتفاضة وفّرت فرصة لتحويل الصمود والمقاومة الشعبية على الأرض إلى مكاسب سياسية واعتراف دولي أوسع.

فك الارتباط الأردني مع الضفة الغربية

شهد عام 1988 تطورًا سياسيًا آخر بالغ الأهمية.

ففي 31 تموز/يوليو 1988 أعلن الملك حسين فك الارتباط القانوني والإداري الأردني مع الضفة الغربية.

وقد أنهى هذا القرار جانبًا من الغموض الذي ظل يحيط بالمستقبل السياسي للضفة الغربية منذ عام 1948.

كما عزز الموقف القائل إن الشعب الفلسطيني، ممثلًا سياسيًا بمنظمة التحرير الفلسطينية، هو الذي يحدد المستقبل السياسي للضفة الغربية.

وبحلول خريف 1988، كانت القيادة الفلسطينية أمام واقع سياسي جديد: انتفاضة مستمرة داخل الأرض المحتلة، وفك ارتباط أردني، واهتمام دولي متزايد بالتسوية السياسية، وتحولات متسارعة في النظام الدولي مع اقتراب نهاية الحرب الباردة.

الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني

انعقدت الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر بين 12 و15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988.

وجمعت الدورة المؤسسات والفصائل السياسية الرئيسية في منظمة التحرير الفلسطينية في لحظة مفصلية من التاريخ الوطني الفلسطيني.

وفي 15 تشرين الثاني/نوفمبر، أقر المجلس إعلان الاستقلال الفلسطيني.

وجاء فيه إعلان:

«قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية وعاصمتها القدس».

وأعلن ياسر عرفات وثيقة الاستقلال رسميًا أمام المجلس الوطني.

إعلان الاستقلال الفلسطيني

قدّم الإعلان قيام الدولة الفلسطينية بوصفه امتدادًا للصلة التاريخية للشعب الفلسطيني بأرضه وللنضال الطويل من أجل الاستقلال والسيادة الوطنية.

واستند إلى الشرعية الدولية وحق تقرير المصير والمسؤولية التاريخية للأمم المتحدة تجاه قضية فلسطين.

وكان من أبرز مراجعه القانونية والسياسية قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947.

وهو القرار الذي أوصى بتقسيم فلسطين الانتدابية إلى دولتين، عربية ويهودية.

ورغم أن الفلسطينيين اعتبروا التقسيم ظلمًا تاريخيًا بحقهم، أشار إعلان الاستقلال إلى أن القرار 181 ما زال يوفر سندًا دوليًا لحق الشعب الفلسطيني في السيادة والاستقلال.

هل أعلن الاستقلال الدولة على حدود عام 1967؟

كثيرًا ما يُقال إن إعلان عام 1988 أعلن دولة فلسطين على حدود ما قبل حزيران/يونيو 1967.

ومن الناحية السياسية، يعكس هذا الوصف الاتجاه الذي أصبحت استراتيجية منظمة التحرير تتحرك نحوه.

لكن نص إعلان الاستقلال نفسه لم يحدد بصورة صريحة حدود دولة فلسطين بخطوط عام 1967.

بل أعلن دولة فلسطين «فوق أرضنا الفلسطينية» وحدد القدس عاصمة لها.

أما البعد الإقليمي المتعلق بالأراضي المحتلة عام 1967 فيظهر بصورة أكثر وضوحًا في البيان السياسي الذي صدر عن الدورة نفسها.

البيان السياسي للمجلس الوطني

حوّل البيان السياسي إعلان الدولة إلى برنامج دبلوماسي أكثر تحديدًا.

فقد أكد حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.

والأهم أنه دعا إلى عقد مؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة، بمشاركة الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وجميع أطراف الصراع، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية على قدم المساواة.

وحدد البيان أن يكون المؤتمر قائمًا على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338، إلى جانب الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.

ما الذي طالبت به منظمة التحرير إلى جانب قبول 242 و338؟

لم يكن قبول القرارين منفصلًا عن مطالب سياسية فلسطينية واضحة.

فقد ربط المجلس الوطني هذا القبول بجملة من المطالب، أبرزها:

  • انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس العربية.
  • إلغاء إجراءات الضم والاستيلاء التي فرضتها إسرائيل في الأراضي المحتلة.
  • إزالة المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة منذ عام 1967.
  • وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة مؤقتًا تحت إشراف الأمم المتحدة بما يهيئ لإنهاء الاحتلال وممارسة السلطة الفلسطينية.
  • حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
  • الاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.
  • وضع ترتيبات تضمن الأمن والسلام لجميع دول المنطقة، بما فيها الدولة الفلسطينية.

وبذلك حاول المجلس الوطني وضع القرارين 242 و338 ضمن إطار فلسطيني أوسع، بدل اعتبارهِما وحدهما تعريفًا كاملًا للقضية الفلسطينية.

قرار مجلس الأمن رقم 242

صدر القرار 242 في 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1967 بعد احتلال إسرائيل الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة، وشبه جزيرة سيناء المصرية، وهضبة الجولان السورية.

أكد القرار مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالحرب.

ودعا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتلتها في النزاع عام 1967، وإنهاء حالات الحرب واحترام سيادة ووحدة أراضي واستقلال دول المنطقة.

كما دعا إلى «تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين».

لكنه لم يعترف صراحة بالشعب الفلسطيني باعتباره شعبًا صاحب حق في تقرير المصير.

ولم ينص على إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

كما عالج الفلسطينيين بصورة غير مباشرة من خلال عبارة «مشكلة اللاجئين».

قرار مجلس الأمن رقم 338

صدر القرار 338 في 22 تشرين الأول/أكتوبر 1973 خلال مواجهة أكتوبر بين مصر وسوريا من جهة وإسرائيل من جهة أخرى.

ودعا إلى وقف إطلاق النار فورًا، وتنفيذ القرار 242 بجميع أجزائه، وبدء مفاوضات تحت رعاية مناسبة تهدف إلى إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.

وبما أن القرار 338 أعاد تأكيد القرار 242، فقد أصبح القراران يُستخدمان معًا باعتبارهما الإطار الدبلوماسي الأساسي في المفاوضات العربية–الإسرائيلية.

لماذا رفضت منظمة التحرير القرار 242 سابقًا؟

رفضت منظمة التحرير الفلسطينية القرار 242 لمدة تقارب عقدين.

وكان جوهر الاعتراض الفلسطيني أن القرار عالج الصراع أساسًا باعتباره صراعًا بين دول، من دون الاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.

فلم يذكر حق الفلسطينيين في تقرير المصير.

ولم ينص على إقامة دولة فلسطينية.

ولم يشر صراحة إلى حق العودة، بل تحدث بصورة عامة عن «تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين».

كما رفضت منظمة التحرير في مراحلها الأولى ما رأته في القرار من قبول ضمني ببقاء الوضع الإقليمي القائم وإسرائيل بوصفها دولة ضمن نظام إقليمي دائم.

ولهذا كررت المؤسسات الوطنية الفلسطينية رفض القرار خلال أواخر الستينيات والسبعينيات.

لماذا تغيّر الموقف عام 1988؟

بحلول عام 1988، كانت الاستراتيجية الفلسطينية قد تغيرت بصورة كبيرة.

فقد قضت منظمة التحرير سنوات في السعي إلى توسيع الاعتراف الدولي بها وبالحقوق الوطنية الفلسطينية.

وأدى الخروج من بيروت عام 1982 إلى تقليص قدرتها على الاحتفاظ بقاعدة عسكرية كبيرة بالقرب من فلسطين.

كما أعادت الانتفاضة الأولى مركز المبادرة السياسية إلى الداخل الفلسطيني.

وعزز فك الارتباط الأردني موقع منظمة التحرير باعتبارها المرجعية السياسية لمستقبل الضفة الغربية.

وفي الوقت نفسه، أخذت الدبلوماسية الدولية تركز بصورة متزايدة على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة عام 1967 باعتبار ذلك أساسًا لأي تسوية سياسية.

وبناءً على ذلك، اتجهت قيادة منظمة التحرير إلى استراتيجية تركز على إقامة دولة فلسطينية مستقلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، مع استمرار المطالبة بحقوق اللاجئين والقدس وتقرير المصير وبقية الحقوق الوطنية.

تحول استراتيجي كبير

مثلت قرارات تشرين الثاني/نوفمبر 1988 واحدة من أكبر التحولات في الدبلوماسية الرسمية لمنظمة التحرير.

فالمنظمة التي رفضت القرارين 242 و338 لسنوات، قبلتهما الآن أساسًا لمؤتمر دولي للسلام.

لكنها حاولت في الوقت نفسه معالجة النقص الفلسطيني في هذين القرارين من خلال ربطهما بحق تقرير المصير، وإقامة الدولة، وحقوق اللاجئين، والانسحاب من الأراضي المحتلة، وإزالة المستوطنات.

ولذلك لم يكن الأمر مجرد قبول بنص القرار 242.

بل كان محاولة لدمج إطار 242 و338 مع منظومة أوسع من قرارات الأمم المتحدة التي تعترف بالحقوق الوطنية الفلسطينية.

هل كان ذلك تخلّيًا عن المقاومة الفلسطينية؟

يُوصف تحول عام 1988 أحيانًا بأنه انتقال منظمة التحرير من الكفاح المسلح إلى الدبلوماسية.

وهذه العبارة تعكس جانبًا من التحول، لكنها تصبح غير دقيقة إذا فُهمت باعتبار أن المقاومة توقفت فورًا.

فالبيان السياسي نفسه دعا إلى استمرار الانتفاضة وتعزيزها.

كما أكد ما اعتبره المجلس الوطني حق الشعوب في مقاومة الاحتلال والاستعمار، وفي الوقت نفسه جدّد رفض الإرهاب بجميع أشكاله.

لذلك، الأدق وصف عام 1988 بأنه اللحظة التي أصبحت فيها الدبلوماسية والدولة والتفاوض محاور رئيسية في الاستراتيجية الرسمية لمنظمة التحرير، من دون أن يعني ذلك اختفاء جميع أشكال النضال الأخرى في اللحظة نفسها.

الجدل الفلسطيني الداخلي

أثار التحول الجديد خلافًا داخل الحركة الوطنية الفلسطينية.

رأى المؤيدون أن الاعتراف بالشرعية الدولية والسعي إلى تسوية تقوم على إنهاء احتلال الأراضي المحتلة عام 1967 يمثلان طريقًا واقعيًا نحو السيادة الفلسطينية.

كما اعتبروا أن الانتفاضة وفرت فرصة تاريخية لتحويل المقاومة الشعبية إلى إنجازات دبلوماسية دولية.

أما المعارضون، فخشوا من أن يؤدي قبول القرار 242 إلى تقليص المطالب الفلسطينية التاريخية، وخصوصًا ما يتعلق بحقوق اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا خلال النكبة.

وأشاروا إلى أن القرار 242 نفسه لم يعترف بحق تقرير المصير الفلسطيني، ولم ينص على دولة فلسطينية، ولم يذكر حق العودة صراحة.

واستمر هذا الجدل خلال مرحلة مدريد ثم أوسلو وما بعدها.

هل تخلت منظمة التحرير عن حق العودة؟

لم يعنِ اعتماد المسار الجديد أن المجلس الوطني تخلّى رسميًا عن قضية اللاجئين الفلسطينيين.

فالبيان السياسي أكد حق العودة وطالب بحل قضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

وبذلك سعت القيادة الفلسطينية إلى الجمع بين استراتيجية إقامة الدولة في الأراضي المحتلة عام 1967 وبين استمرار الحقوق المرتبطة بالنكبة وتهجير الفلسطينيين عام 1948.

وظل التوتر بين هذين البعدين—الدولة في الأراضي المحتلة وحقوق اللاجئين الفلسطينيين—واحدًا من أهم القضايا غير المحسومة في الدبلوماسية الفلسطينية اللاحقة.

الاعتراف الدولي بدولة فلسطين

أدى إعلان الاستقلال إلى موجة واسعة وسريعة من الاعترافات الدولية.

واعترفت دول عربية وأفريقية وآسيوية واشتراكية وغيرها بدولة فلسطين خلال الأيام والأسابيع التي تلت إعلان الجزائر.

وبحلول مطلع التسعينيات، كانت وثائق الأمم المتحدة تشير إلى اعتراف نحو 100 دولة بدولة فلسطين.

واستمر عدد الدول المعترفة بالدولة الفلسطينية بالارتفاع خلال العقود اللاحقة.

وتحولت مكاتب منظمة التحرير في عدد من الدول تدريجيًا إلى بعثات دبلوماسية مرتبطة بدولة فلسطين، مع اختلاف الوضع القانوني لهذه البعثات من دولة إلى أخرى.

الأمم المتحدة تعترف بإعلان الدولة

في 15 كانون الأول/ديسمبر 1988، أي بعد شهر واحد تمامًا من إعلان الاستقلال، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 43/177.

وأقرت الجمعية العامة رسميًا بإعلان دولة فلسطين الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني.

كما أكدت ضرورة تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة سيادته على أرضه المحتلة منذ عام 1967.

وقررت استخدام تسمية «فلسطين» بدلًا من «منظمة التحرير الفلسطينية» داخل منظومة الأمم المتحدة، من دون تغيير وضع المنظمة القائم آنذاك بصفة مراقب أو مهامها.

واعتمد القرار بأغلبية 104 أصوات مقابل صوتين، مع امتناع 36 دولة.

وصوتت الولايات المتحدة وإسرائيل ضده.

الحوار الأميركي لم يبدأ يوم إعلان الاستقلال

قرارات الجزائر قرّبت منظمة التحرير كثيرًا من استيفاء الشروط الأميركية لفتح حوار رسمي معها، لكن واشنطن لم تبدأ المحادثات فورًا بعد 15 تشرين الثاني.

فقد طلبت الولايات المتحدة تصريحًا فلسطينيًا مباشرًا وواضحًا يتضمن قبول القرارين 242 و338، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود بسلام وأمن، ونبذ الإرهاب.

وأدى ذلك إلى أسابيع من الاتصالات السياسية والدبلوماسية المكثفة.

عرفات يتوجه إلى جنيف

في كانون الأول/ديسمبر 1988، سعى ياسر عرفات إلى مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك.

لكن الولايات المتحدة رفضت منحه تأشيرة دخول.

لذلك نقلت الجمعية العامة بصورة مؤقتة مناقشاتها المتعلقة بفلسطين إلى جنيف.

وألقى عرفات خطابه أمام الجمعية العامة هناك في 13 كانون الأول/ديسمبر.

واستمرت المشاورات الدولية بعد الخطاب، إذ طالبت واشنطن بمزيد من التوضيح بشأن الموقف الرسمي لمنظمة التحرير.

14 كانون الأول/ديسمبر 1988: توضيح الموقف الفلسطيني

في 14 كانون الأول/ديسمبر 1988، قدّم عرفات توضيحًا علنيًا للموقف الفلسطيني.

وأعلنت منظمة التحرير قبولها الصريح بقراري مجلس الأمن 242 و338، واعترفت بحق أطراف الصراع في الوجود بسلام وأمن، بما في ذلك إسرائيل، وأعلنت نبذ الإرهاب.

وقد اعتبرت الولايات المتحدة أن هذا التوضيح استوفى الشروط التي وضعتها لفتح الحوار الرسمي مع المنظمة.

الولايات المتحدة تفتح الحوار مع منظمة التحرير

في اليوم نفسه، 14 كانون الأول/ديسمبر 1988، أعلن الرئيس الأميركي رونالد ريغان أنه سمح لوزارة الخارجية ببدء حوار جوهري مع ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية.

وشكّل ذلك أول حوار سياسي رسمي من هذا النوع بين الحكومة الأميركية ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وكان هذا القرار أحد أبرز النتائج الدبلوماسية المباشرة للتحول الفلسطيني في عام 1988.

منظمة التحرير كانت معترفًا بها فلسطينيًا ودوليًا قبل 1988

من المهم عدم ربط كل الاعتراف الدولي بمنظمة التحرير بإعلان 1988.

فقد كانت جامعة الدول العربية قد اعترفت بالمنظمة في قمة الرباط عام 1974 بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

وفي العام نفسه، ألقى ياسر عرفات خطابًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحصلت منظمة التحرير على صفة مراقب في الأمم المتحدة.

لذلك، لم تكن أهمية عام 1988 في أن منظمة التحرير أصبحت فجأة ممثلًا للفلسطينيين.

بل تمثلت أهمية اللحظة في أن المنظمة أعلنت أيضًا قيام دولة فلسطين واعتمدت رسميًا برنامجًا دبلوماسيًا جديدًا يتمحور حول القرارين 242 و338.

من الجزائر إلى مؤتمر مدريد

لم تؤد قرارات 1988 مباشرة إلى مفاوضات مع إسرائيل.

كما تعرّض الحوار الأميركي–الفلسطيني لاحقًا للتعليق، بينما غيّرت نهاية الحرب الباردة وأزمة الخليج عامي 1990 و1991 البيئة السياسية الإقليمية والدولية.

لكن الإطار السياسي الذي أقر في الجزائر ساهم في المسار الذي قاد في النهاية إلى مؤتمر مدريد للسلام في تشرين الأول/أكتوبر 1991.

وشارك ممثلون فلسطينيون في مدريد ضمن وفد أردني–فلسطيني مشترك، مع تنسيق وثيق مع قيادة منظمة التحرير.

وشكّل القراران 242 و338 جزءًا أساسيًا من الإطار التفاوضي للمؤتمر.

من مدريد إلى أوسلو

لم تحقق المفاوضات العلنية التي أعقبت مؤتمر مدريد تقدمًا حاسمًا.

لكن مفاوضات سرية بدأت لاحقًا بين ممثلين عن منظمة التحرير وإسرائيل في النرويج.

وفي 9 أيلول/سبتمبر 1993، تبادلت منظمة التحرير وإسرائيل رسائل الاعتراف المتبادل.

وأكد ياسر عرفات مجددًا قبول منظمة التحرير قراري مجلس الأمن 242 و338.

وبعد أربعة أيام، في 13 أيلول/سبتمبر، وُقع إعلان مبادئ أوسلو في واشنطن.

وأسفر الاتفاق عن الإطار الذي تأسست بموجبه السلطة الوطنية الفلسطينية في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة.

لكن أوسلو لم ينشئ الدولة الفلسطينية ذات السيادة التي أُعلنت في الجزائر عام 1988، ولم يحسم قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود والسيادة النهائية.

ما الذي تغيّر في تشرين الثاني/نوفمبر 1988؟

يمكن تلخيص أهمية عام 1988 في سلسلة من التحولات المتداخلة.

أعلنت منظمة التحرير رسميًا قيام دولة فلسطين.

وربطت الاستقلال الفلسطيني بإطار قانوني وسياسي دولي.

وقبلت قراري مجلس الأمن 242 و338 أساسًا لمؤتمر دولي للسلام.

وطالبت بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس العربية.

وربطت هذا الانسحاب بحق تقرير المصير والدولة وحقوق اللاجئين وإزالة المستوطنات.

وخلال أسابيع، أدى هذا التحول إلى فتح الحوار الرسمي بين منظمة التحرير والولايات المتحدة.

من تحرير كامل فلسطين إلى دولة في الأراضي المحتلة عام 1967

تكمن إحدى أعمق دلالات قرار 1988 في تطور الاستراتيجية الإقليمية لمنظمة التحرير.

فقد ركزت البرامج الفلسطينية السابقة على تحرير كامل فلسطين التاريخية.

أما بحلول 1988، فقد اتجه البرنامج الدبلوماسي الرسمي نحو إقامة دولة فلسطينية مستقلة يكون مركزها الإقليمي المباشر في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

ولم يعنِ ذلك اختفاء المطالب التاريخية المتعلقة بالنكبة واللاجئين وحق العودة والقدس.

فالبيان السياسي أبقى هذه الحقوق ضمن البرنامج الرسمي.

لكن الذي تغير كان وسيلة تحقيق السيادة الفلسطينية: الاعتراف الدولي، والمؤتمر الدولي، والانسحاب الإسرائيلي، وإقامة سلطة فلسطينية على الأرض المحتلة أصبحت جميعها عناصر مركزية في الاستراتيجية الرسمية.

نقطة تحول وليست نهاية الطريق

لم تُنه قرارات 1988 الاحتلال الإسرائيلي.

ولم تنشئ حكومة فلسطينية ذات سيادة فعلية على الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.

ولم تحل قضية اللاجئين.

كما لم تُنه الخلافات الفلسطينية الداخلية بشأن المسار السياسي الذي اختارته قيادة منظمة التحرير.

لكن أهميتها تمثلت في تغيير الإطار الدولي للحركة الوطنية الفلسطينية.

فقد أصبحت دولة فلسطين معلنة رسميًا.

واعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بالإعلان.

واعترفت أعداد كبيرة من الدول بالدولة الفلسطينية.

واعتمدت منظمة التحرير رسميًا إطارًا تفاوضيًا يقوم على إنهاء الاحتلال في أراضي عام 1967، مع استمرار تمسكها بالحقوق الوطنية الفلسطينية الأخرى.

الجدل الفلسطيني حول قرار 1988

بقيت قرارات الجزائر محل تفسيرين رئيسيين داخل الساحة الفلسطينية.

رأى المؤيدون أنها حققت اختراقًا دبلوماسيًا ضروريًا.

واعتبروا أن الشعب الفلسطيني استطاع تحويل الزخم الذي صنعته الانتفاضة الأولى إلى اعتراف بالدولة ووضع حق تقرير المصير في قلب الدبلوماسية الدولية.

أما المعارضون، فرأوا أن اعتماد إطار 242 و338 مثّل تنازلًا سياسيًا وإقليميًا كبيرًا، خصوصًا لأن القرار 242 نفسه لم يعترف بدولة فلسطينية أو بحق تقرير المصير أو بحق العودة بصورة صريحة.

وعكست هذه الخلافات نقاشًا فلسطينيًا أعمق حول العلاقة بين الحقوق التاريخية والتسوية الإقليمية والدبلوماسية والتحرر الوطني.

وحاولت وثائق تشرين الثاني/نوفمبر 1988 الجمع بين الاتجاهين من خلال قبول المسار السياسي مع استمرار التأكيد على العودة وتقرير المصير والدولة وإنهاء الاحتلال والحقوق الفلسطينية المعترف بها في قرارات دولية أخرى.

الإرث التاريخي ليوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988

يظل يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988 واحدًا من أهم التواريخ في التاريخ السياسي الفلسطيني الحديث.

ففي ذلك اليوم، أعلن المجلس الوطني الفلسطيني قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس.

وفي بيان سياسي منفصل صدر عن الدورة نفسها، قبل المجلس قراري مجلس الأمن 242 و338 أساسًا لمؤتمر دولي للسلام.

وطالب بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس العربية، وإزالة المستوطنات، والاعتراف بحق تقرير المصير، وحل قضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة.

لم يؤد إعلان الاستقلال فورًا إلى قيام دولة فلسطينية ذات سيادة فعلية على الأرض.

واستمر الاحتلال الإسرائيلي.

لكن الخريطة السياسية تغيّرت.

فقد أعلنت الحركة الوطنية الفلسطينية دولتها رسميًا، وحصلت على اعتراف دولي واسع، واعتمدت إطارًا دبلوماسيًا شكّل الأساس للمسار الذي قاد لاحقًا إلى جنيف ومدريد وأوسلو والتحركات الفلسطينية اللاحقة داخل الأمم المتحدة.

ومن منظور تاريخي فلسطيني، لم تكن الجزائر عام 1988 نهاية النضال الوطني ولا اكتمال الاستقلال.

بل كانت بداية مرحلة جديدة سعت فيها القيادة الفلسطينية إلى تحويل المقاومة الشعبية والحقوق الوطنية والانتفاضة الأولى إلى اعتراف دولي بالدولة وسيادة فلسطينية فعلية على الأرض.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.