الكونت فولك برنادوت: وسيط الأمم المتحدة الذي اغتالته العصابات الصهيونية
الكونت فولك برنادوت: وسيط الأمم المتحدة الذي اغتاله تنظيم ليحي الصهيوني
في 17 أيلول/سبتمبر 1948، اغتال أعضاء من تنظيم ليحي الصهيوني المسلح، المعروف أيضًا باسم «عصابة شتيرن»، الكونت السويدي فولك برنادوت، وسيط الأمم المتحدة في فلسطين، أثناء تنقله في القدس.
وكان برنادوت قد عُيّن قبل ذلك بنحو أربعة أشهر وسيطًا للأمم المتحدة في فلسطين، وكُلّف بالعمل من أجل التوصل إلى تسوية سياسية، والمساعدة في تثبيت الهدنة، وحماية الأماكن المقدسة، ومعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي نتجت عن تهجير الفلسطينيين خلال النكبة واحتلال فلسطين سنة 1948.
وفي 16 أيلول/سبتمبر 1948، أي قبل اغتياله بيوم واحد، وقّع برنادوت تقريره النهائي إلى الأمم المتحدة. وكان من أبرز ما ورد فيه مطالبة صريحة بتأكيد حق اللاجئين العرب الفلسطينيين في العودة إلى منازلهم في المناطق الخاضعة للسيطرة اليهودية، إلى جانب دفع التعويضات لمن يختارون عدم العودة وعن الممتلكات المفقودة أو المتضررة.
كما قدم برنادوت مقترحات إقليمية اصطدمت بعدد من المكاسب التي كانت قد حققتها القوات التابعة لـدولة إسرائيل (فلسطين المحتلة) خلال احتلال فلسطين؛ فاقترح إعادة اللد والرملة إلى المنطقة العربية، وجعل النقب جزءًا من المنطقة العربية، ووضع القدس تحت سيطرة دولية فعالة.
وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة على استكمال تقريره، اغتيل برنادوت في القدس.
من هو فولك برنادوت؟
وُلد فولك برنادوت أف فيسبورغ في ستوكهولم عام 1895، وكان ينتمي إلى العائلة الملكية السويدية وحفيدًا للملك أوسكار الثاني ملك السويد.
وقبل وصوله إلى فلسطين، اكتسب برنادوت شهرة دولية بسبب نشاطه الإنساني خلال الحرب العالمية الثانية.
وبصفته نائب رئيس الصليب الأحمر السويدي، شارك في مفاوضات تتعلق بأسرى الحرب والسجناء المحتجزين في معسكرات الاعتقال النازية.
وفي الأشهر الأخيرة من الحرب، ارتبط اسمه بعملية الإنقاذ الإنسانية المعروفة باسم «الحافلات البيضاء»، التي نقلت آلاف السجناء من معسكرات الاعتقال النازية إلى مناطق آمنة في الدول الإسكندنافية.
وتختلف التقديرات التاريخية بشأن العدد الدقيق للأشخاص الذين أنقذتهم العملية، لكن الأبحاث الحديثة للصليب الأحمر السويدي تضع العدد عند أكثر من 15 ألف شخص من جنسيات متعددة، بينما كانت بعض التقديرات المعاصرة أعلى من ذلك.
تعيينه وسيطًا للأمم المتحدة في فلسطين
لم يُعيّن برنادوت وسيطًا في عام 1947، بل جاء تعيينه بعد اتساع المواجهات واحتلال أجزاء من فلسطين سنة 1948.
ففي 14 أيار/مايو 1948، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 186 (S-2)، الذي أنشأ منصب وسيط للأمم المتحدة في فلسطين.
وطلب القرار من الوسيط استخدام مساعيه الحميدة لتحقيق عدة أهداف، من بينها:
- العمل من أجل التوصل إلى تسوية سلمية لمستقبل فلسطين.
- المساعدة في استمرار الخدمات العامة الضرورية لحياة السكان وسلامتهم.
- المساعدة في حماية الأماكن المقدسة والمباني والمواقع الدينية.
- العمل مع الأطراف للتوصل إلى هدن والإشراف على تنفيذها.
وفي 20 أيار/مايو 1948، اختارت لجنة ضمت ممثلين عن الصين وفرنسا والاتحاد السوفيتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الكونت فولك برنادوت لتولي المهمة.
وأصبح بذلك أول وسيط للأمم المتحدة في فلسطين في وقت كانت فيه العمليات العسكرية تتسع، بينما كانت أزمة اللاجئين الفلسطينيين تتفاقم بسرعة نتيجة احتلال المدن والقرى وتهجير سكانها.
برنادوت والهدنة الأولى
كان من أول الإنجازات الرئيسية لبرنادوت مساهمته في التوصل إلى أول هدنة عامة في فلسطين.
وبعد مفاوضات مكثفة مع الأطراف المختلفة، دخل وقف لإطلاق النار لمدة أربعة أسابيع حيز التنفيذ في 11 حزيران/يونيو 1948.
ونسبت الأمم المتحدة إلى جهود برنادوت الدبلوماسية دورًا رئيسيًا في الحصول على موافقة الأطراف على الهدنة.
كما أسهمت هذه المرحلة في تطوير نظام المراقبين العسكريين الدوليين الذي تطور لاحقًا إلى هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة (UNTSO).
برنادوت وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين
اتخذ برنادوت موقفًا واضحًا بصورة استثنائية من قضية اللاجئين الفلسطينيين.
فقد أكد في تقريره النهائي أن الأشخاص الذين اقتُلعوا من منازلهم نتيجة العمليات العسكرية يجب أن يمتلكوا حق العودة إليها.
وأوصى بأن تؤكد الأمم المتحدة حق اللاجئين العرب في العودة إلى منازلهم في المناطق الخاضعة للسيطرة اليهودية في أقرب وقت ممكن.
كما دعا إلى دفع تعويض مناسب عن ممتلكات اللاجئين الذين يختارون عدم العودة.
ولم يتعامل برنادوت مع المسألة باعتبارها أزمة إنسانية فقط، بل باعتبارها كذلك قضية عدالة وعنصرًا أساسيًا في أي تسوية سياسية دائمة.
واعتبر أنه سيكون مخالفًا لمبادئ العدالة أن يُمنع الفلسطينيون الذين اقتُلعوا من منازلهم من العودة بصورة دائمة، في الوقت الذي يُسمح فيه لمهاجرين يهود جدد بالدخول إلى البلاد.
مقترحات برنادوت الإقليمية الأخيرة
لم تكرر خطة برنادوت الأخيرة الحدود الواردة في قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين سنة 1947.
بل اقترح تعديلات واسعة أخذت في الاعتبار الواقع السياسي والعسكري الذي كان قد تشكل بحلول أيلول/سبتمبر 1948.
ومن أبرز مقترحاته:
- أن تصبح منطقة النقب الواقعة جنوب خط يمتد تقريبًا من المجدل إلى الفالوجة جزءًا من المنطقة العربية.
- أن تقع مدينتا اللد والرملة، اللتان احتلتهما القوات الإسرائيلية في تموز/يوليو وهُجّر عشرات آلاف الفلسطينيين منهما، داخل المنطقة العربية.
- أن يصبح الجليل ضمن المنطقة اليهودية.
- أن تخضع القدس لمعاملة خاصة ومنفصلة تحت سيطرة فعالة للأمم المتحدة، مع منح المجتمعات العربية واليهودية فيها حكمًا محليًا واسعًا.
- أن يصبح ميناء حيفا ميناءً حرًا متاحًا للدول العربية المجاورة.
- أن يصبح مطار اللد مطارًا حرًا.
- أن تعترف الأمم المتحدة دوليًا بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى منازلهم.
كما اقترح برنادوت أن يُحسم مستقبل الجزء العربي المتبقي من فلسطين بالتشاور الكامل مع السكان العرب والحكومات العربية، ورأى أن هناك أسبابًا تدفع باتجاه ربطه بشرق الأردن.
ولهذا لم تكن مقترحاته مطابقة للمطالب الوطنية الفلسطينية؛ فهي أقرت بوجود دولة إسرائيل (فلسطين المحتلة)، ولم تجعل إقامة دولة فلسطينية مستقلة شرطًا أساسيًا للتسوية.
دور يتسحاق شامير
كان يتسحاق شامير، الذي أصبح بعد عقود رئيسًا لوزراء إسرائيل، واحدًا من أبرز قادة تنظيم ليحي.
وتختلف الروايات التاريخية في تحديد التسلسل الدقيق لاتخاذ قرار اغتيال برنادوت ودور كل فرد من قيادة التنظيم.
لكن المصادر اللاحقة وشهادات أعضاء سابقين في ليحي تشير إلى أن فكرة اغتيال برنادوت نوقشت على مستوى قيادة التنظيم، وأن القيادة لم تمنع تنفيذها.
أما التخطيط التنفيذي للعملية في القدس، فارتبط بصورة رئيسية باسم يهوشع زيتلر، قائد فرع ليحي في المدينة.
وفي شهادات ظهرت بعد عقود من الاغتيال، أقر زيتلر بدوره في التخطيط للعملية وتنظيمها.
اغتيال برنادوت في 17 أيلول/سبتمبر 1948
بعد ظهر 17 أيلول/سبتمبر 1948، كان برنادوت يتنقل في القدس ضمن موكب تابع للأمم المتحدة يتألف من ثلاث سيارات.
وكانت سيارتان ترفعان أعلام الأمم المتحدة، بينما كانت سيارة أخرى تحمل علم الصليب الأحمر.
وعندما دخل الموكب منطقة القطمون في القدس، التي كانت حينها واقعة تحت سيطرة دولة إسرائيل (فلسطين المحتلة)، اعترضته مركبة عسكرية شبيهة بسيارات الجيش.
وكان المسلحون يرتدون ملابس تشبه الزي العسكري للقوات الإسرائيلية.
وتقدم أحد المهاجمين نحو السيارة التي كان برنادوت يستقلها وأطلق النار من مسافة قريبة عبر نافذتها.
وأصيب برنادوت بعدة طلقات وقُتل.
وكان يجلس إلى جانبه العقيد أندريه سيرو، وهو ضابط فرنسي ومراقب عسكري تابع للأمم المتحدة، فقُتل هو الآخر في الهجوم.
وأبلغ رالف بانش، أحد كبار المسؤولين في بعثة الأمم المتحدة والذي خلف برنادوت لاحقًا، المنظمة الدولية بأن الهجوم كان اغتيالًا مخططًا ومتعمدًا نفذه مهاجمون يهود.
رد الفعل الدولي
أثار اغتيال برنادوت وسيرو صدمة واسعة داخل الأمم المتحدة وعلى المستوى الدولي.
وفي 18 أيلول/سبتمبر 1948، تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع القرار رقم 57، الذي أعرب عن صدمته من مقتل برنادوت ووصف الهجوم بأنه عمل جبان ارتكب أثناء قيام ممثل الأمم المتحدة بمهمته السلمية.
كما طلبت الأمم المتحدة إجراء تحقيق كامل في ظروف الاغتيال.
وأدانت الحكومة المؤقتة لـدولة إسرائيل (فلسطين المحتلة) العملية علنًا، واتخذت إجراءات ضد تنظيم ليحي واعتقلت عددًا من أعضائه، ثم أعلنت التنظيم غير قانوني.
لكن رغم التحقيقات والاعتقالات والضغوط الدولية، لم يُدن أي شخص قضائيًا باغتيال فولك برنادوت وأندريه سيرو.
وحُوكم بعض أعضاء ليحي بتهم تتعلق بالانتماء إلى تنظيم غير قانوني أو إرهابي، لكن المسؤولين عن التخطيط والتنفيذ لم يُحاكموا على جريمة الاغتيال نفسها.
تقرير برنادوت بقي بعد اغتياله
لم يؤدِّ اغتيال برنادوت إلى اختفاء تقريره الأخير.
فقد كان قد استكمله ووقّعه في رودس في 16 أيلول/سبتمبر 1948، قبل مقتله بيوم واحد.
وبعد اغتياله، واصلت الأمم المتحدة مناقشة عدد من التوصيات التي تضمنها التقرير.
وتولى رالف بانش مهام الوسيط بالإنابة، وقاد لاحقًا جهود الوساطة التي انتهت إلى اتفاقيات الهدنة سنة 1949.
أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فكان أهم ما بقي من تقرير برنادوت تأكيده أن قضية اللاجئين لا يمكن التعامل معها باعتبار التهجير واقعًا دائمًا ونهائيًا، وأن حق المهجرين في العودة يجب أن يكون جزءًا من أي تسوية.
من تقرير برنادوت إلى القرار 194
في 11 كانون الأول/ديسمبر 1948، أي بعد أقل من ثلاثة أشهر على اغتيال برنادوت، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 194 (III).
وأشاد القرار بعمل برنادوت وأشار إلى أنه ضحى بحياته في سبيل محاولة تحقيق تسوية سلمية في فلسطين.
كما أنشأ القرار لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، وتناول قضية اللاجئين الفلسطينيين بصورة مباشرة.
ونصت الفقرة 11 على أن اللاجئين الراغبين في العودة إلى منازلهم والعيش بسلام مع جيرانهم ينبغي السماح لهم بذلك في أقرب وقت عملي، وعلى دفع تعويضات لمن يختارون عدم العودة وعن الممتلكات المفقودة أو المتضررة.
وأصبحت هذه الفقرة واحدة من أهم المراجع الدولية التي استند إليها الفلسطينيون في المطالبة بـحق العودة والتعويض.
الدلالة التاريخية لاغتيال برنادوت
يبقى اغتيال فولك برنادوت واحدًا من أبرز حوادث الاغتيال السياسي في التاريخ المبكر للأمم المتحدة.
فوسيط عيّنته المنظمة الدولية لمحاولة التوصل إلى تسوية في فلسطين اغتيل في وضح النهار داخل منطقة خاضعة لسيطرة دولة إسرائيل (فلسطين المحتلة)، على يد أعضاء في تنظيم صهيوني مسلح عارض مقترحاته السياسية.
وكان أحد أبرز قادة ذلك التنظيم، يتسحاق شامير، سيصبح بعد عقود رئيسًا لوزراء دولة إسرائيل (فلسطين المحتلة).
أما الرجل الذي نسب إليه أعضاء سابقون في ليحي إطلاق النار، يهوشع كوهين، فقد عاش لاحقًا في سديه بوكير وأصبح قريبًا من ديفيد بن غوريون.
ومع ذلك، لم يُدن أي شخص قضائيًا باغتيال برنادوت وسيرو.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، يرتبط اغتيال برنادوت بصورة خاصة بقضية اللاجئين التي تقع في قلب النكبة الفلسطينية. فقد قُتل بعد يوم واحد من استكمال تقرير أكد فيه أن الفلسطينيين الذين اقتُلعوا من منازلهم يمتلكون حقًا في العودة، وأن تهجيرهم لا ينبغي أن يتحول ببساطة إلى حقيقة سياسية دائمة.
ولم يؤدِّ اغتياله إلى اختفاء هذا المبدأ؛ فبعد أقل من ثلاثة أشهر، أدرجت الأمم المتحدة مسألة عودة اللاجئين والتعويض في القرار 194، لتبقى القضية التي وضعها برنادوت في قلب وساطته واحدة من القضايا المركزية غير المحسومة في القضية الفلسطينية.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.