الكتاب الأبيض البريطاني لعام 1939: من الثورة الفلسطينية الكبرى إلى محاولة تغيير سياسة الانتداب
في 17 أيار/مايو 1939، أصدرت الحكومة البريطانية وثيقة سياسية جديدة بشأن فلسطين عُرفت باسم «الكتاب الأبيض لعام 1939» أو «كتاب ماكدونالد الأبيض»، نسبة إلى وزير المستعمرات البريطاني آنذاك مالكولم ماكدونالد.
مثّلت الوثيقة واحدًا من أهم التحولات في السياسة البريطانية تجاه فلسطين منذ صدور وعد بلفور عام 1917 وفرض الانتداب البريطاني؛ إذ أعلنت بريطانيا للمرة الأولى بصورة صريحة أن سياستها لا تهدف إلى تحويل فلسطين إلى دولة يهودية ضد إرادة سكانها العرب، واقترحت إنشاء دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات، وفرض قيود على الهجرة اليهودية وانتقال الأراضي من العرب إلى اليهود.
لكن هذه السياسة لم تعنِ التخلي عن مشروع «الوطن القومي اليهودي» الذي تبناه الانتداب، كما أنها لم تمنح الفلسطينيين استقلالًا فوريًا أو حكومة وطنية منتخبة؛ ولذلك اعتبرتها القيادة الفلسطينية تنازلًا بريطانيًا محدودًا جاء متأخرًا بعد سنوات من الثورة والقمع، ولم يلبِّ المطالب الأساسية للحركة الوطنية الفلسطينية.
فلسطين قبل الكتاب الأبيض
منذ احتلال بريطانيا لفلسطين خلال الحرب العالمية الأولى، ارتبطت سياستها بوعد بلفور الصادر في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917، الذي أعلن دعم إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين».
وعندما أقرت عصبة الأمم الانتداب البريطاني على فلسطين عام 1922، أُدرج وعد بلفور في صك الانتداب، وأصبحت الإدارة البريطانية مسؤولة عن تسهيل الهجرة اليهودية وتشجيع الاستيطان اليهودي على الأرض، مع النص في الوقت نفسه على عدم الإضرار بحقوق السكان الآخرين.
وخلال سنوات الانتداب ارتفعت أعداد المهاجرين اليهود وتوسعت المؤسسات الصهيونية والاستيطان وشراء الأراضي، فيما طالب الفلسطينيون بوقف الهجرة، ومنع انتقال الأراضي إلى المؤسسات الصهيونية، وإقامة حكومة وطنية تمثل سكان البلاد.
وبحسب الكتاب الأبيض نفسه، كان أكثر من 300 ألف يهودي قد هاجروا إلى فلسطين منذ أوائل عشرينيات القرن العشرين، ووصل عدد السكان اليهود بحلول عام 1939 إلى نحو 450 ألفًا، أي ما يقارب ثلث سكان البلاد.
الثورة الفلسطينية الكبرى 1936–1939
شكّلت الثورة الفلسطينية الكبرى التي اندلعت عام 1936 العامل الداخلي الأبرز الذي سبق التحول البريطاني في السياسة.
بدأت الثورة بإضراب عام واسع، ورفعت الحركة الوطنية الفلسطينية مطالب أساسية تمثلت في وقف الهجرة اليهودية، ومنع انتقال الأراضي العربية إلى اليهود، وإقامة حكومة وطنية فلسطينية.
وتحولت الثورة لاحقًا إلى مواجهة مسلحة واسعة ضد سلطات الانتداب البريطاني والمشروع الصهيوني، فيما ردت بريطانيا بإجراءات عسكرية وأمنية شديدة شملت الاعتقالات والإعدامات وهدم المنازل والنفي وحل الهيئات السياسية الفلسطينية.
وأقرت الحكومة البريطانية نفسها في الكتاب الأبيض بأن الخوف الفلسطيني من استمرار الهجرة اليهودية بلا حد كان واسع الانتشار، وأن اضطرابات السنوات الثلاث السابقة ارتبطت بصورة مباشرة بهذا الخوف وبالقلق من أن يصبح الفلسطينيون العرب خاضعين لأغلبية يهودية مستقبلًا.
لجنة بيل ومشروع تقسيم فلسطين
في محاولة لمعالجة الثورة، أرسلت بريطانيا اللجنة الملكية لفلسطين – لجنة بيل، التي نشرت تقريرها عام 1937 واقترحت تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، مع بقاء مناطق معينة تحت السيطرة البريطانية.
رفض الفلسطينيون مبدأ تقسيم بلادهم، بينما دار داخل الحركة الصهيونية نقاش حول قبول التقسيم أساسًا لقيام دولة يهودية.
لكن بريطانيا تراجعت لاحقًا عن تنفيذ مشروع لجنة بيل، وبعد دراسة أخرى أجرتها لجنة التقسيم المعروفة باسم لجنة وودهيد عام 1938، خلصت الحكومة البريطانية إلى أن إقامة دولتين مستقلتين وقابلتين للحياة وفق مشروع التقسيم المقترح غير عملية. وأشار كتاب 1939 الأبيض صراحة إلى أن فشل خيار التقسيم دفع الحكومة إلى البحث عن سياسة بديلة.
مؤتمر لندن عام 1939
مع استمرار الثورة واقتراب أوروبا من حرب عالمية جديدة، دعت بريطانيا إلى مؤتمر في لندن لبحث مستقبل فلسطين.
بدأ المؤتمر في 7 شباط/فبراير 1939، وشاركت فيه وفود فلسطينية وعربية وممثلون عن الحركة الصهيونية، لكن بريطانيا أجرت المباحثات مع العرب والصهاينة بصورة منفصلة بسبب رفض الوفد العربي الاجتماع رسميًا مع ممثلي الوكالة اليهودية.
وطالب الوفد الفلسطيني بالاعتراف بحق الفلسطينيين في الاستقلال، وإنهاء الانتداب، ووقف الهجرة اليهودية، ووقف بيع الأراضي لليهود، وإقامة دولة عربية فلسطينية ترتبط ببريطانيا بمعاهدة شبيهة بالمعاهدة البريطانية–العراقية. وتظهر الوثائق الدبلوماسية البريطانية والأميركية أن هذه كانت المطالب الأساسية التي حملها الوفد الفلسطيني إلى المؤتمر.
كما أُعيد خلال المؤتمر بحث مراسلات الحسين–مكماهون خلال الحرب العالمية الأولى، وتمسك الوفد العربي بأن فلسطين كانت ضمن المناطق التي تعهدت بريطانيا بالاعتراف باستقلالها العربي، بينما استمرت بريطانيا في رفض هذا التفسير. ولم يصل الطرفان إلى اتفاق مشترك حول معنى المراسلات.
وانتهت محادثات لندن في آذار/مارس 1939 من دون التوصل إلى اتفاق تقبله الأطراف، فقررت الحكومة البريطانية إصدار سياستها بصورة منفردة في الكتاب الأبيض.
لماذا غيّرت بريطانيا سياستها؟
لم يكن الكتاب الأبيض نتيجة عامل واحد.
فالثورة الفلسطينية الكبرى أظهرت لبريطانيا أن استمرار سياسة الهجرة والاستيطان من دون مراعاة الرفض الفلسطيني يتطلب حكم البلاد بقوة عسكرية متزايدة، كما أقر الكتاب الأبيض بأن استمرار الهجرة بلا حدود من شأنه أن يفاقم العداء داخل فلسطين ويجعل القضية مصدر توتر في الشرق الأوسط.
وفي الوقت نفسه، كانت أوروبا تتجه بسرعة نحو الحرب العالمية الثانية، وكانت فلسطين تقع ضمن منطقة استراتيجية حيوية للمصالح البريطانية المرتبطة بشرق البحر المتوسط ومصر وقناة السويس والعالم العربي. وتظهر المراسلات الدبلوماسية البريطانية والأميركية في تلك الفترة أن تجنب اتساع العداء العربي لبريطانيا أصبح اعتبارًا استراتيجيًا مهمًا في صياغة السياسة الجديدة.
وهكذا مثّل الكتاب الأبيض محاولة بريطانية لإعادة التوازن إلى سياسة الانتداب بعد نحو عقدين من دعم تطوير الوطن القومي اليهودي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على السيطرة البريطانية ومصالحها الاستراتيجية.
أولًا: بريطانيا تعلن أن فلسطين لن تتحول إلى دولة يهودية
كان هذا من أبرز البنود السياسية في الوثيقة.
فقد أعلنت الحكومة البريطانية بصورة صريحة أن تحويل فلسطين إلى دولة يهودية ضد إرادة السكان العرب لا يدخل ضمن سياستها، وأنها تعتبر إخضاع الفلسطينيين العرب لدولة يهودية لا يريدونها مخالفًا لالتزاماتها تجاههم.
لكن بريطانيا لم تُلغِ في المقابل مفهوم «الوطن القومي اليهودي»، بل قالت إن هذا الوطن أصبح حقيقة قائمة وإنه يجب الحفاظ على موقعه وحقوقه داخل النظام السياسي المستقبلي لفلسطين.
وهنا ظهرت واحدة من أهم نقاط الخلاف الفلسطينية مع الوثيقة: فهي حدّت من احتمال تحول فلسطين إلى دولة يهودية، لكنها لم تتراجع عن الأساس السياسي والقانوني الذي أنشأه وعد بلفور والانتداب لصالح الوطن القومي اليهودي.
ثانيًا: دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات
أعلن الكتاب الأبيض أن الهدف البريطاني هو إنشاء دولة فلسطينية مستقلة خلال عشر سنوات، تكون مرتبطة ببريطانيا بمعاهدة تراعي المصالح التجارية والاستراتيجية للطرفين.
وكان يفترض أن يتشارك العرب واليهود في حكم الدولة المستقبلية بصورة تضمن حماية المصالح الأساسية لكل جماعة.
أما خلال المرحلة الانتقالية، فكانت بريطانيا ستحتفظ بالمسؤولية النهائية عن إدارة فلسطين، مع إشراك عدد متزايد من الفلسطينيين العرب واليهود في مؤسسات الحكومة، وصولًا تدريجيًا إلى إدارة فلسطينية أوسع.
ولم يتضمن الكتاب الأبيض وعدًا بإنشاء برلمان منتخب فورًا، بل جعل هذا التطور مرتبطًا بما سمّاه «الظروف المحلية» والتطور التدريجي للمؤسسات السياسية. كما أبقى احتمال تأجيل الاستقلال بعد مرور عشر سنوات إذا رأت الحكومة البريطانية أن الظروف لا تسمح بتنفيذه.
لماذا رفض الفلسطينيون وعد الاستقلال؟
لم ترفض اللجنة العربية العليا مبدأ الاستقلال نفسه؛ بل رحبت باعتراف بريطانيا بأن الهدف النهائي يجب أن يكون دولة فلسطينية مستقلة.
لكنها رأت أن الشروط المحيطة بالوعد تجعل الاستقلال غير مضمون، لأن بريطانيا احتفظت بالسلطة خلال المرحلة الانتقالية، وربطت قيام الدولة بالعلاقات بين العرب واليهود وبقرار بريطاني نهائي حول ملاءمة «الظروف».
وطالبت القيادة الفلسطينية بدلًا من ذلك بإنشاء حكومة وطنية خلال فترة انتقالية معقولة، ووضع دستور بواسطة مجلس وطني منتخب، ثم إنهاء الانتداب وإقامة علاقة تعاهدية مع بريطانيا.
كما اعترضت على منح «الوطن القومي اليهودي» وضعًا خاصًا دائمًا داخل الدولة المستقبلية، معتبرة أن هذا أبقى أحد الأسس التي كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تعارضها منذ بداية الانتداب.
ثالثًا: تقييد الهجرة اليهودية
كان موضوع الهجرة من أهم أجزاء الكتاب الأبيض وأكثرها تأثيرًا.
قررت بريطانيا السماح بدخول نحو 75 ألف مهاجر يهودي خلال خمس سنوات ابتداءً من عام 1939، على أن يكون ذلك خاضعًا للقدرة الاقتصادية للبلاد على الاستيعاب.
وقُسم العدد إلى:
- 10 آلاف مهاجر سنويًا لمدة خمس سنوات، أي 50 ألفًا.
- 25 ألف لاجئ يهودي إضافي، مع إعطاء أولوية للأطفال والمعالين، في ظل تصاعد اضطهاد اليهود في أوروبا.
وكان الهدف المعلن أن تصل نسبة السكان اليهود إلى نحو ثلث سكان فلسطين.
والأهم أن الكتاب الأبيض نص على أنه بعد انتهاء السنوات الخمس لا يُسمح بمزيد من الهجرة اليهودية إلا بموافقة عرب فلسطين. كما أعلنت بريطانيا أنها ستعمل على مكافحة الهجرة اليهودية غير القانونية، وأن من يدخلون بصورة غير قانونية ولا يمكن ترحيلهم سيُخصم عددهم من الحصص المقررة.
الموقف الفلسطيني من الهجرة
اعتبرت اللجنة العربية العليا أن الاعتراف بضرورة وقف الهجرة في نهاية السنوات الخمس يمثل إقرارًا جزئيًا بصحة الموقف الفلسطيني الذي حذّر طوال سنوات من آثار الهجرة على مستقبل البلاد.
لكنها رفضت استمرار الهجرة خمس سنوات إضافية، واعترضت بصورة خاصة على السماح بدخول 75 ألف مهاجر جديد، وطالبت بوقف الهجرة فورًا وكاملًا.
وكان موقفها أن المشكلة الإنسانية التي تعرض لها اليهود في أوروبا لا ينبغي أن تُحل على حساب الحقوق السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني أو بتغيير التركيبة السكانية للبلاد.
رابعًا: تقييد انتقال الأراضي
تناول الكتاب الأبيض أيضًا واحدة من أكثر القضايا حساسية في الصراع على فلسطين: انتقال الأراضي العربية إلى اليهود والمؤسسات الصهيونية.
وأقرت الحكومة البريطانية بأن عدة لجان تحقيق رسمية توصلت إلى أن استمرار انتقال الأراضي في بعض المناطق يهدد بزيادة عدد الفلاحين العرب الذين لا يملكون أرضًا، وأن الأراضي المتاحة في بعض المناطق لم تعد تسمح باستمرار عمليات البيع من دون التأثير في السكان العرب.
ولهذا منح الكتاب الأبيض المندوب السامي صلاحية منع أو تقييد انتقال الأراضي في أجزاء من فلسطين.
لكن الوثيقة لم تحظر بيع الأراضي لليهود في فلسطين كلها، كما أبقت للمندوب السامي سلطة مراجعة القيود أو تعديلها وفق تطور الأوضاع الزراعية.
قوانين انتقال الأراضي لعام 1940
في 20 شباط/فبراير 1940، أصدرت سلطات الانتداب لوائح تنفيذية لتطبيق سياسة الكتاب الأبيض بشأن الأراضي.
وقُسمت فلسطين عمليًا إلى مناطق ذات أنظمة مختلفة:
- المنطقة A: حُظر فيها انتقال الأراضي إلى غير العربي الفلسطيني إلا في حالات استثنائية محددة.
- المنطقة B: تطلب انتقال الأرض من عربي فلسطيني إلى غير عربي فلسطيني موافقة خطية من المندوب السامي.
- مناطق أخرى: بقي انتقال الأراضي فيها خارج هذه القيود الخاصة.
وشملت المنطقة A أجزاء واسعة من المناطق الجبلية ومناطق أخرى رأت بريطانيا أن الأرض المتاحة فيها لا تكفي أصلًا للسكان العرب، بينما شملت المنطقة B مناطق من الجليل ومرج ابن عامر والسهل الساحلي والنقب.
ورفضت اللجنة العربية العليا هذه الصيغة أيضًا، وطالبت بمنع نهائي وشامل لانتقال الأراضي العربية إلى اليهود، معتبرة أن بقاء الاستثناءات وصلاحيات المندوب السامي يجعل الحماية غير كاملة.
رفض اللجنة العربية العليا للكتاب الأبيض
في 30 أيار/مايو 1939، أصدرت اللجنة العربية العليا ردًا تفصيليًا على الكتاب الأبيض.
وأوضحت أن الوثيقة تضمنت بعض النقاط التي اقتربت من مطالب الحركة الوطنية الفلسطينية، مثل الاعتراف بهدف الاستقلال، ووضع حد مستقبلي للهجرة، وفرض قيود على انتقال الأراضي.
لكنها خلصت إلى أن السياسة الجديدة لا تحقق المطالب الفلسطينية الأساسية.
وكانت أبرز اعتراضاتها:
- عدم وقف الهجرة اليهودية فورًا.
- السماح بدخول 75 ألف مهاجر يهودي إضافي خلال خمس سنوات.
- عدم ضمان الاستقلال بصورة نهائية بعد عشر سنوات.
- إبقاء السيطرة البريطانية خلال المرحلة الانتقالية.
- عدم إنشاء حكومة وطنية وبرلمان منتخب فورًا.
- استمرار الاعتراف بالوطن القومي اليهودي ومنحه وضعًا خاصًا.
- عدم فرض حظر شامل ونهائي على انتقال الأراضي العربية إلى اليهود.
ولهذه الأسباب أعلنت اللجنة العربية العليا، باسم الفلسطينيين الذين كانت تمثلهم، رفض السياسة وعدم التعاون مع بريطانيا في تنفيذها.
رفض الحركة الصهيونية
رفضت الحركة الصهيونية الكتاب الأبيض بصورة أشد، لكن لأسباب معاكسة تقريبًا للأسباب الفلسطينية.
فقد اعتبرت الوكالة اليهودية أن السياسة البريطانية الجديدة تمثل تراجعًا عن وعد بلفور وعن الالتزامات التي تضمنها صك الانتداب، ورفضت تحديد الهجرة أو جعل استمرارها بعد خمس سنوات خاضعًا لموافقة العرب، كما رفضت القيود على شراء الأراضي وفكرة إنشاء دولة يكون اليهود فيها أقلية سكانية.
وفي المؤتمر الصهيوني الحادي والعشرين الذي عُقد في جنيف في آب/أغسطس 1939، كان رفض الكتاب الأبيض موضع إجماع تقريبًا بين المندوبين، وجرى تبني سياسة لمقاومته سياسيًا والاستمرار في الهجرة والاستيطان رغم القيود البريطانية.
وهكذا وجد الكتاب الأبيض نفسه مرفوضًا من الطرفين: الفلسطينيون رأوا أنه لا يحقق استقلالهم ووقف الهجرة والاستيطان فورًا، بينما اعتبرته الحركة الصهيونية تهديدًا لمشروعها في فلسطين.
الكتاب الأبيض داخل البرلمان البريطاني
أثار الكتاب الأبيض انقسامًا داخل بريطانيا نفسها.
فبعد مناقشات يومي 22 و23 أيار/مايو 1939، وافق مجلس العموم البريطاني على السياسة الجديدة بأغلبية 268 صوتًا مقابل 179. لكن عددًا من النواب، بمن فيهم أعضاء من الأحزاب الحكومية، عارضوا الوثيقة واعتبروها متعارضة مع الالتزامات السابقة الواردة في الانتداب ووعد بلفور.
ومثّل هذا الانقسام مؤشرًا إلى أن السياسة الجديدة لم تكن مجرد تعديل إداري، بل إعادة نظر واسعة في الاتجاه الذي اتبعته بريطانيا في فلسطين منذ بداية الانتداب.
الحرب العالمية الثانية تغير المشهد
بعد أقل من أربعة أشهر على صدور الكتاب الأبيض، اندلعت الحرب العالمية الثانية في أيلول/سبتمبر 1939.
وسرعان ما أصبح الصراع العالمي العامل المسيطر على السياسة البريطانية، لكن أحكام الكتاب الأبيض، وخصوصًا المتعلقة بالهجرة والأراضي، بقيت أساسًا مهمًا للسياسة البريطانية في فلسطين خلال سنوات الحرب.
وفي الوقت نفسه، أدى تصاعد اضطهاد اليهود في أوروبا ثم المحرقة النازية إلى زيادة الضغط من أجل الهجرة إلى فلسطين، في حين حاولت بريطانيا تطبيق الحصص المفروضة ومواجهة الهجرة اليهودية غير المصرح بها.
وساهم هذا الوضع في زيادة المواجهة بين سلطات الانتداب والحركة الصهيونية، التي اعتبرت قيود الهجرة البريطانية، في ظل ما كان يحدث لليهود في أوروبا، سياسة غير مقبولة، بينما استمر الفلسطينيون في الاعتراض على أي محاولة لزيادة الهجرة وتغيير التركيبة السكانية للبلاد.
هل أنهى الكتاب الأبيض وعد بلفور؟
لم يُلغِ الكتاب الأبيض وعد بلفور رسميًا، ولم يُلغِ «الوطن القومي اليهودي».
بل أكد استمرار الاعتراف بوجود الوطن القومي اليهودي في فلسطين، لكنه أعاد تفسير حدود السياسة البريطانية تجاهه، معلنًا أن بريطانيا ليست ملزمة بتوسيعه بالهجرة إلى ما لا نهاية، وأن فلسطين لا ينبغي أن تتحول إلى دولة يهودية ضد إرادة سكانها العرب.
ولهذا يمكن النظر إلى الكتاب الأبيض باعتباره تراجعًا مهمًا عن الاتجاه الذي اتبعته بريطانيا في دعم التوسع الديموغرافي والسياسي للمشروع الصهيوني، لكنه لم يكن إلغاءً للأساس الذي أنشأه وعد بلفور والانتداب.
الثورة الفلسطينية وأثرها في السياسة البريطانية
كانت إحدى أهم الدلالات التاريخية للكتاب الأبيض أنه جاء في نهاية ثلاث سنوات من الثورة الفلسطينية الكبرى.
فبعد سنوات طويلة تجاهلت فيها بريطانيا المطالب الفلسطينية بوقف الهجرة والاستيطان وبناء حكومة وطنية، أصبحت في عام 1939 تعترف رسميًا بأن استمرار الهجرة بلا حدود ضد إرادة العرب يهدد بإدامة الصراع، وأن مستقبل البلاد يجب أن يتجه نحو الاستقلال لا نحو دولة يهودية مفروضة على الأغلبية العربية.
ومن هذا المنظور، مثّل الكتاب الأبيض اعترافًا بريطانيًا متأخرًا بوجود مشكلة سياسية لم تستطع القوة العسكرية وحدها إنهاءها.
لكن هذا التحول جاء بعد أن كانت سلطات الانتداب قد ألحقت بالحركة الوطنية الفلسطينية خلال الثورة أضرارًا هائلة عبر القتل والاعتقال والنفي وحل المؤسسات وملاحقة القيادات، وهو ما ترك الفلسطينيين في نهاية الثلاثينيات في وضع سياسي وعسكري أكثر ضعفًا قبيل التحولات التي قادت إلى النكبة.
بين التنازل البريطاني ورفض الفلسطينيين
يمثل الكتاب الأبيض لعام 1939 واحدة من أكثر المحطات تعقيدًا في تاريخ الانتداب البريطاني على فلسطين.
فمن جهة، تراجعت بريطانيا عن فكرة التقسيم، وأعلنت أنها لا تسعى إلى إقامة دولة يهودية، ووعدت بدولة فلسطينية مستقلة، ووضعت سقفًا للهجرة اليهودية، وبدأت في تقييد انتقال الأراضي.
ومن جهة أخرى، لم تمنح الفلسطينيين الاستقلال الفوري الذي طالبوا به، ولم توقف الهجرة فورًا، ولم تُلغِ الوطن القومي اليهودي أو الانتداب، بل أبقت القرار النهائي بشأن الانتقال إلى الاستقلال بيد الحكومة البريطانية.
ولهذا رأت اللجنة العربية العليا أن التنازلات الواردة في الوثيقة غير كافية، بينما رأت الحركة الصهيونية أن الوثيقة تهدد الأساس السياسي والديموغرافي لمشروعها.
وبقي الكتاب الأبيض يحكم جزءًا مهمًا من السياسة البريطانية خلال السنوات الأخيرة من الانتداب، لكن بريطانيا لم تنجح في تحويله إلى تسوية دائمة للقضية الفلسطينية.
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، عاد الصراع حول الهجرة والاستيطان ومستقبل فلسطين بقوة أكبر، ودخل الانتداب البريطاني سنواته الأخيرة وسط تصاعد المواجهة، إلى أن أحالت بريطانيا القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة عام 1947، فاتحة الطريق إلى مرحلة التقسيم ثم النكبة عام 1948.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.