فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

مجزرة 03 تشرين الثاني 1956

مجزرة خان يونس ورفح | ٣ - ١٢ نوفمبر ١٩٥٦

مجزرة خان يونس ورفح | ٣ - ١٢ نوفمبر ١٩٥٦

مجزرتا خان يونس ورفح، تشرين الثاني/نوفمبر 1956

خلال الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة في تشرين الثاني/نوفمبر 1956، شهد القطاع حادثتين واسعتين من القتل الجماعي: الأولى في خان يونس في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، والثانية في مخيم رفح للاجئين في 12 تشرين الثاني/نوفمبر.

ووقعت الحادثتان خلال العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، عندما نسقت إسرائيل وبريطانيا وفرنسا عملية عسكرية ضد مصر بعد تأميم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس.

ووثق تقرير معاصر صادر عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى (الأونروا) قوائم تضم أسماء 275 شخصًا قيل إنهم قُتلوا في خان يونس و111 شخصًا في رفح، مع إقرار التقرير بوجود خلافات بشأن الظروف الدقيقة التي وقعت فيها عمليات القتل.

وتصف شهادات فلسطينية ناجين ومدنيين غير مسلحين جرى جمعهم وتفتيشهم وإطلاق النار عليهم في الشوارع والساحات وخلال عمليات مداهمة المنازل، بينما قالت السلطات الإسرائيلية إن بعض الضحايا سقطوا خلال مقاومة الاحتلال أو أثناء عمليات أمنية للبحث عن مقاتلين وأسلحة.

وأصبحت الحادثتان لاحقًا معروفتين في الذاكرة التاريخية الفلسطينية باسم مجزرتَي خان يونس ورفح سنة 1956.

الخلفية السياسية: العدوان الثلاثي على مصر

جاءت المجزرتان في سياق المواجهة التي اندلعت بين مصر والقوى الغربية حول قناة السويس.

ففي 26 تموز/يوليو 1956، أعلن الرئيس المصري جمال عبد الناصر تأميم شركة قناة السويس.

وعارضت بريطانيا وفرنسا القرار بشدة، نظرًا إلى مصالحهما السياسية والاقتصادية والاستراتيجية المرتبطة بالقناة.

وفي الوقت نفسه، كانت العلاقات بين مصر وإسرائيل تشهد توترًا بسبب الاشتباكات الحدودية وعمليات الفدائيين المنطلقة من قطاع غزة والقيود المصرية على الملاحة الإسرائيلية والتنافس العسكري الإقليمي.

وبين 22 و24 تشرين الأول/أكتوبر 1956، اجتمع ممثلون عن إسرائيل وبريطانيا وفرنسا سرًا في سيفر قرب باريس، واتفقوا على خطة للعمل العسكري ضد مصر.

وفي 29 تشرين الأول/أكتوبر، بدأت القوات الإسرائيلية اجتياح شبه جزيرة سيناء.

ثم تدخلت بريطانيا وفرنسا عسكريًا، بعد توجيه إنذار إلى مصر وإسرائيل، لتبدأ بذلك المرحلة الرئيسية من العدوان الثلاثي.

احتلال قطاع غزة

كان قطاع غزة في ذلك الوقت خاضعًا للإدارة المصرية.

وكانت نسبة كبيرة من سكانه من اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا من المدن والقرى الفلسطينية خلال النكبة واحتلال فلسطين سنة 1948.

وبحلول عام 1956، كان أكثر من ثلثي سكان القطاع الذين شملتهم خدمات الأونروا من اللاجئين الذين اعتمدوا على الوكالة في الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والخدمات الأساسية الأخرى.

وبدأت القوات الإسرائيلية مهاجمة قطاع غزة في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 1956، وسرعان ما وسعت سيطرتها العسكرية على معظم القطاع.

وأصبحت خان يونس، في جنوب قطاع غزة، إحدى أبرز المناطق التي شهدت قتالًا وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا أثناء الاحتلال.

مجزرة خان يونس – 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1956

احتلت القوات الإسرائيلية مدينة خان يونس ومخيم الأونروا المجاور لها صباح 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1956.

وقُتل عدد كبير من الفلسطينيين خلال الساعات التي رافقت الاحتلال وأعقبته مباشرة.

ويقدم تقرير الأونروا المعاصر روايتين متعارضتين جزئيًا بشأن ما حدث.

فقد قالت السلطات الإسرائيلية إن مقاومة مسلحة استمرت أثناء دخول القوات، وإن بعض اللاجئين الفلسطينيين شاركوا فيها.

أما الشهادات التي وصلت إلى الأونروا من اللاجئين، فذكرت أن المقاومة المنظمة كانت قد توقفت عندما وقع جانب كبير من عمليات القتل، وأن القوات الإسرائيلية تحركت بعد ذلك داخل المدينة والمخيم بحثًا عن الأسلحة والمقاتلين، وقتلت خلال ذلك مدنيين غير مسلحين.

275 اسمًا في قوائم الأونروا

أكدت الأونروا أنها لم تكن قادرة، في الظروف التي أعقبت الاحتلال، على تحديد العدد النهائي للقتلى والجرحى بصورة يقينية كاملة.

كما لم يُتح لمراقبي الهدنة التابعين للأمم المتحدة إجراء تحقيق مستقل واسع من النوع الذي كان يجري عادة في الحوادث الواقعة على خطوط الهدنة.

ولذلك اعتمد مدير الأونروا على شهادات موظفي الوكالة واللاجئين ومصادر أخرى اعتبرها موثوقة.

وأفاد بأنه تلقى قوائم بأسماء 275 شخصًا قيل إنهم قُتلوا في خان يونس في 3 تشرين الثاني/نوفمبر.

وكانوا موزعين على النحو الآتي:

  • 140 لاجئًا فلسطينيًا مسجلًا لدى الأونروا.
  • 135 من السكان المحليين في خان يونس.

وأصبح رقم 275 بذلك أبرز رقم معاصر وارد في وثائق الأمم المتحدة المتعلقة بضحايا خان يونس في ذلك اليوم.

شهادات فلسطينية عن عمليات قتل ميداني

تصف شهادات الناجين الفلسطينيين جنودًا إسرائيليين يأمرون الرجال بالخروج من البيوت ويجمعون السكان في أماكن عامة خلال عمليات التفتيش.

كما تتحدث شهادات جُمعت لاحقًا عن فصل رجال عن عائلاتهم، وعن مجموعات أُمرت بالوقوف بمحاذاة الجدران أو التجمع في ساحات وأمام مبانٍ عامة.

ووصف بعض الناجين إطلاق نيران الرشاشات على مجموعات من الرجال، بينما تحدث آخرون عن عمليات قتل وقعت خلال البحث عن الأسلحة والمشتبه بانتمائهم إلى الفدائيين.

وتختلف تفاصيل بعض الشهادات الفردية، وخصوصًا تلك التي سُجلت بعد عقود من الحدث، لكن الوثيقة المعاصرة للأونروا تؤكد وقوع قتل واسع للمدنيين خلال احتلال خان يونس، مع استمرار الخلاف بشأن الظروف الدقيقة لكل حالة.

من كانوا ضحايا خان يونس؟

كان بين القتلى لاجئون يعيشون في مخيم الأونروا وسكان أصليون في مدينة خان يونس نفسها.

ولهذا فإن المجزرة لم تقع داخل مخيم اللاجئين وحده، كما لم يكن جميع الضحايا من لاجئي النكبة.

وتظهر قوائم الأونروا أن العدد انقسم تقريبًا بالتساوي بين اللاجئين والسكان المحليين.

لكن بالنسبة إلى عائلات المدينة والمخيم، لم تكن هذه التصنيفات الإدارية ذات أهمية أمام واقع فقدان الآباء والأبناء والإخوة والأقارب خلال أيام الاحتلال.

تقديرات فلسطينية أخرى لضحايا خان يونس

قدمت دراسات فلسطينية لاحقة أرقامًا أعلى من الرقم الوارد في تقرير الأونروا.

فقد جمع الباحث والمؤرخ المحلي إحسان خليل الآغا في دراساته عن خان يونس أسماء أعداد أكبر من الفلسطينيين الذين قُتلوا في عمليات الإعدام والقصف وحوادث أخرى خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي سنة 1956.

لكن هذه الأرقام تغطي نطاقًا زمنيًا وجغرافيًا أوسع من حادثة 3 تشرين الثاني/نوفمبر وحدها، ولذلك لا ينبغي استخدامها باعتبارها بديلًا مباشرًا عن قائمة الأونروا التي تضم 275 اسمًا لذلك اليوم.

كما نشر باحثون فلسطينيون آخرون، ومنهم غازي الصوراني، تقديرات أعلى لضحايا الاحتلال الإسرائيلي في قطاع غزة كله خلال تلك الفترة.

ولهذا يجب الفصل بين ضحايا مجزرة خان يونس في 3 تشرين الثاني/نوفمبر وبين العدد الأوسع للضحايا الذين سقطوا في القطاع خلال أشهر الاحتلال سنة 1956–1957.

رفح – مجزرة أخرى بعد تسعة أيام

بعد تسعة أيام من أحداث خان يونس، وقع حادث قتل جماعي آخر في مخيم رفح للاجئين.

ففي 12 تشرين الثاني/نوفمبر 1956، نفذت القوات الإسرائيلية عملية أمنية واسعة للفرز والتفتيش في رفح.

وقالت السلطات الإسرائيلية إن الهدف كان العثور على أفراد من «لواء فلسطين» الذي نظمته مصر، وعلى أشخاص يُشتبه في مشاركتهم في عمليات الفدائيين.

وفُرض حظر تجول لمدة أربع وعشرين ساعة.

وطُلب عبر مكبرات الصوت من الرجال ضمن فئات عمرية محددة التوجه إلى نقاط تجمع وفرز، بينما فتش الجنود الإسرائيليون المنازل ومساكن اللاجئين بحثًا عن أشخاص بقوا فيها.

111 قتيلًا في قوائم رفح

كما فعل في خان يونس، حصل مدير الأونروا من مصادر اعتبرها موثوقة على قوائم بأسماء الضحايا في رفح.

وسجل التقرير أسماء 111 شخصًا قيل إنهم قُتلوا في رفح في 12 تشرين الثاني/نوفمبر.

وكانوا:

  • 103 لاجئين فلسطينيين.
  • 7 من السكان المحليين.
  • مصريًا واحدًا.

وقدمت الأونروا احتجاجًا رسميًا إلى السلطات الإسرائيلية بشأن الحادث، وحذرت من أن تكرار العنف ضد اللاجئين قد يجعل استمرار الوكالة في أداء مسؤولياتها داخل قطاع غزة بالغ الصعوبة.

وردت الحكومة الإسرائيلية بأنها تتخذ إجراءات للتحقق من الوقائع ومنع تكرار حوادث مشابهة.

حادثتان منفصلتان وليستا مجزرة واحدة متصلة

من المهم تاريخيًا الفصل بين ما وقع في خان يونس وما وقع في رفح.

فقائمة الـ275 اسمًا التي أوردتها الأونروا تتعلق بخان يونس في 3 تشرين الثاني/نوفمبر.

أما قائمة الـ111 اسمًا فتتعلق بحادث رفح في 12 تشرين الثاني/نوفمبر.

وفصل بين الحادثتين تسعة أيام، كما اختلف السياق المباشر لكل منهما.

فوقعت عمليات القتل في خان يونس خلال احتلال المدينة والمخيم وفي أعقاب القتال الذي سبق السيطرة الإسرائيلية عليهما.

أما رفح، فوقع القتل أثناء عملية أمنية للفرز والتفتيش بعد أن كانت القوات الإسرائيلية قد رسخت وجودها العسكري في المنطقة.

ومع ذلك، تربط الذاكرة الفلسطينية بين الحادثتين لأنهما وقعتا خلال الفترة نفسها من الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، واستهدفت نتائجهما مجتمعات فلسطينية كان جزء كبير منها يتكون أصلًا من لاجئي النكبة.

العنف لم يقتصر على خان يونس ورفح

تؤكد الروايات والدراسات الفلسطينية أن عمليات القتل والانتهاكات خلال الاحتلال الإسرائيلي للقطاع لم تقتصر على هاتين الحادثتين.

وسُجلت في مناطق أخرى من غزة حالات قتل وإطلاق نار واعتقال واختفاء وإساءة معاملة.

ولهذا قدمت دراسات فلسطينية لاحقة تقديرات لضحايا فترة الاحتلال بأكملها تزيد بصورة كبيرة على مجموع قوائم الأونروا الخاصة بخان يونس ورفح.

لكن هذه التقديرات الأوسع يجب أن تبقى منفصلة عن الأرقام المعاصرة المتعلقة بالحادثتين المحددتين.

المقبرة الجماعية المبلغ عنها قرب خان يونس

بعد انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة في آذار/مارس 1957، ظهرت في دراسات وروايات فلسطينية لاحقة تقارير عن اكتشاف مقبرة جماعية قرب خان يونس.

وتذكر هذه المصادر أن المقبرة ضمت جثامين نحو 40 رجلًا فلسطينيًا.

وتصف بعض الروايات الضحايا بأنهم أُصيبوا بالرصاص في مؤخرة الرأس، وتذكر مصادر أخرى أن أيدي بعضهم كانت مقيدة.

لكن هذه الرواية لم تظهر في التقرير الخاص الذي أصدرته الأونروا في كانون الأول/ديسمبر 1956، إذ يُقال إن المقبرة لم تُكتشف إلا بعد الانسحاب الإسرائيلي في العام التالي.

ولذلك ينبغي التمييز بين هذه الرواية التاريخية اللاحقة وبين قوائم الضحايا التي وثقتها الأونروا بصورة معاصرة لأحداث تشرين الثاني/نوفمبر 1956.

الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة

أدى الضغط الدولي في نهاية المطاف إلى انسحاب القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية من الأراضي التي احتُلت خلال العدوان الثلاثي.

وأنشأت الأمم المتحدة قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة (UNEF) للإشراف على وقف القتال والمساعدة في تنفيذ الانسحاب.

لكن القوات الإسرائيلية بقيت في قطاع غزة عدة أشهر بعد انتهاء العمليات العسكرية الرئيسية.

وفي 6 و7 آذار/مارس 1957، انسحبت القوات الإسرائيلية من معظم مناطق القطاع ودخلت قوات الطوارئ الدولية لتسلم مواقعها.

وفي مساء 7 آذار/مارس، غادرت آخر القوات الإسرائيلية المتبقية في مخيم رفح، وأعلن الأمين العام للأمم المتحدة في اليوم التالي اكتمال الانسحاب من قطاع غزة.

ثم عادت الإدارة المصرية إلى القطاع.

جو ساكو وكتاب «هوامش في غزة»

بعد أكثر من نصف قرن، أصبحت مجزرتا خان يونس ورفح موضوعًا لواحد من أبرز أعمال الصحافة المصورة المتعلقة بفلسطين.

ففي عام 2009، نشر الصحافي ورسام القصص المصورة الأميركي المولود في مالطا جو ساكو كتابه Footnotes in Gaza، أو «هوامش في غزة».

وكان ساكو قد عثر على إشارات إلى أحداث 1956 أثناء عمله الصحافي في غزة خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

ولفت انتباهه أن حادثتين بهذا الحجم، مع وجود أرقام للضحايا في وثائق الأمم المتحدة، لم تحظيا إلا بمساحة محدودة في كثير من الروايات التاريخية الغربية المتداولة عن أزمة السويس.

وقضى بعد ذلك سنوات في البحث في أحداث خان يونس ورفح.

وأجرى مقابلات مع ناجين وشهود، واستعان بمؤرخين محليين، وراجع وثائق الأمم المتحدة، وقارن بين شهادات متباينة لأحداث مضى عليها نحو نصف قرن.

وجمع الكتاب بذلك بين التاريخ الشفوي والوثائق الأرشيفية والتحقيق الصحافي وإعادة البناء البصرية.

الذاكرة والأدلة التاريخية

تكمن إحدى نقاط أهمية عمل جو ساكو في أنه لم يتعامل مع كل شهادة فردية باعتبارها حقيقة دقيقة بالضرورة في جميع تفاصيلها.

فقد ناقش الاختلافات بين الشهود ومحدودية الذاكرة والتناقضات في بعض الروايات وصعوبة إعادة بناء أحداث عنيفة بعد مرور عقود.

ولهذا لا يحل عمله محل تقرير الأونروا المعاصر.

بل يضيف إليه أصوات الفلسطينيين الذين ظهرت تجاربهم في الوثائق الرسمية في كثير من الأحيان على شكل أرقام وقوائم وفقرات قصيرة.

لماذا غابت مجزرتا 1956 عن كثير من الروايات الدولية؟

لم تحظَ أحداث خان يونس ورفح باهتمام دولي مستمر يتناسب مع أعداد الضحايا، مقارنة بالبعد الجيوسياسي الكبير لأزمة السويس والعدوان الثلاثي.

فانصب اهتمام العالم على تأميم قناة السويس، والاجتياح الإسرائيلي لسيناء، والتدخل البريطاني والفرنسي، والخلاف بين الولايات المتحدة وحليفتيها الأوروبيتين، والموقف السوفياتي، وإنشاء قوة الطوارئ الدولية.

وفي خضم هذه التطورات الدولية الكبرى، ظهرت عمليات قتل المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة في كثير من الروايات التاريخية باعتبارها أحداثًا هامشية.

ومن هنا استعار جو ساكو لكتابه فكرة «الهوامش»: أحداث تكاد تكون هامشًا في السرد السياسي الدولي، لكنها كانت بالنسبة إلى عائلات خان يونس ورفح أحداثًا مركزية غيّرت حياتها إلى الأبد.

مجزرتا خان يونس ورفح في الذاكرة الفلسطينية

في الذاكرة الفلسطينية، ترتبط أحداث تشرين الثاني/نوفمبر 1956 بتاريخ أطول بدأ مع النكبة الفلسطينية.

فكان عدد كبير من ضحايا خان يونس ورفح من اللاجئين أصلًا.

وقبل ثمانية أعوام فقط، كانوا هم أو عائلاتهم قد هُجّروا من مدن وقرى فلسطينية أصبحت ضمن الأراضي التي احتلتها إسرائيل سنة 1948.

وبحلول عام 1956، كانوا يعيشون في مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، حين وصل إليهم الاحتلال العسكري الإسرائيلي مرة أخرى.

وأعطى هذا التسلسل التاريخي للمجزرتين معنى خاصًا: فلسطينيون نجوا من التهجير الأول خلال النكبة، ثم خضعوا بعد سنوات قليلة لاحتلال عسكري جديد، وقُتل بعضهم داخل المخيمات التي أُنشئت أصلًا كملاجئ مؤقتة بعد تهجير سنة 1948.

الدلالة التاريخية لمجزرتَي خان يونس ورفح

توضح الوثائق المعاصرة عدة حقائق أساسية بشأن أحداث تشرين الثاني/نوفمبر 1956.

فقد احتلت القوات الإسرائيلية خان يونس ومخيمها في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، وقُتل عدد كبير من الفلسطينيين خلال الاحتلال وفي أعقابه.

وتلقى مدير الأونروا من مصادر اعتبرها موثوقة قوائم تضم أسماء 275 شخصًا قيل إنهم قُتلوا، مع تسجيل الخلاف بين الروايتين الفلسطينية والإسرائيلية بشأن الظروف الدقيقة للقتل.

وبعد تسعة أيام، وخلال عملية فرز وتفتيش نفذتها القوات الإسرائيلية في رفح، قُتل عدد كبير آخر من الفلسطينيين.

وتلقى مدير الأونروا قوائم تضم أسماء 111 قتيلًا في حادث رفح، بينما أكد تقرير الوكالة وجود مشكلات خطيرة في طريقة تنظيم العملية وتنفيذها.

وبذلك بلغ مجموع الأسماء الواردة في قائمتي الأونروا للحادثتين 386 شخصًا.

وتقدم مصادر ودراسات فلسطينية أرقامًا أعلى لضحايا فترة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة بأكملها، لكن هذه التقديرات يجب فصلها عن قائمتي الأونروا المتعلقتين تحديدًا بخان يونس في 3 تشرين الثاني ورفح في 12 تشرين الثاني.

ومن منظور التاريخ الفلسطيني، بقيت خان يونس ورفح أكثر من مجرد حادثتين وقعتا على هامش العدوان الثلاثي على مصر؛ فقد أصبحتا مجزرتين بحق مجتمع فلسطيني كان ما يزال يحمل آثار النكبة والتهجير، ثم وجد نفسه بعد ثمانية أعوام فقط تحت احتلال عسكري جديد في قطاع غزة.

كما أن غيابهما النسبي عن كثير من الروايات الدولية لأزمة السويس أصبح جزءًا من إرثهما التاريخي: مئات الفلسطينيين الذين اختُصروا لعقود في بضعة أسطر من تقارير الأمم المتحدة، بينما ظلت عائلات خان يونس ورفح تحمل ذاكرة ما جرى في الشوارع والبيوت ومخيمات اللاجئين في تشرين الثاني/نوفمبر 1956.

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.