فلسطيننا

حرب 48 عسكريا

حرب 48 عسكريا

أقسام هذا الباب

إن كانت الأزمة الفلسطينية قد بدأ التحضير لها على المستوى الدولي منذ بدايات القرن الماضي بالتزامن مع ضعف الدولة العثمانية واندلاع الحرب العالمية الأولى وما تمخضت عنه هذه الحرب من نتائج فإن هذه التحضيرات اتت أكلها عمليا على أرض الواقع عام 1948 بإعلان قيام دولة اسرائيل على ارض فلسطين ولم تفلح الحروب التي خاضتها خمس جيوش عربية ضد الجيش الاسرائيلي بالحيلولة دون تطبيق المخططات الدولية بل انه يمكن القول ان الهزائم التي مني بها العرب بحروبهم عام 1048 ساهمت بتكريس الاعتراف الدولي باسرائيل كدولة تملك مقومات البقاء.

3 عنصراً

كان الوضع العسكري للجيوش العربية النظامية التي دخل بعض وحداتها فلسطين عند انتهاء الانتداب يتمثل في ان عددها تراوح بين 14 و 20 الف من القوات النظامية والمتطوعين وهي من سورية والعراق وشرق الاردن ومصر ولبنان كما انضمت سرايا من الجيش السعودي والسوداني الى الفرق المصرية في وقت لاحق، والى جانب انخفاض عدد هذه القوات مقارنة بالقوى الصهيونية فقد كانت تشكو من ضعف التسليح وفساد العتاد الحربي.

كما ان هذه الجيوش العربية كانت تتبع أنظمة عسكرية مختلفة وكانت مدربة على اساليب متباينة كما ان طرق مواصلاتها وتموينها كانت طويلة (مصر الى فلسطين والعراق الى فلسطين) وكانت أسلحتها متعددة الأشكال والأنواع وكانت جميعها تفتقر الى الصناعات العسكرية حتى بالنسبة الى الذخيرة للأسلحة الخفيفة وزيادة على ذلك لم تكن هناك خطة عسكرية متفق عليها ولم تكن ثمة قيادة عسكرية واحدة كما ان بعض الدول العربية كان مرتبطا بمعاهدات مع بريطانيا تحول دون حرية التصرف الضرورية في مثل هذه الأحوال.

وكان العرب قد اتفقوا في عام 1947-12-08 في القاهرة على احباط مشروع التقسيم وتم تحديد حصص السلاح والمتطوعين لكل الدول العربية وعين اللواء إسماعيل صفوت من العراق قائدا عاما لقوات المقاتلين التي ستشكل من عرب فلسطين والمتطوعين الأخرين وعين فوزي القاوقجي قائداً لجيش المتطوعين الذي عرف باسم جيش الانقاذ.

لكن سرعان ما اتضح ان وحدة الدول العربية الحماسية لم تكن اكثر من مظاهرة ازاء الخارج وعمليا دار وراء الستار صراع على مستقبل البلد بعد جلاء البريطانيين عنه كان بطلاه الرئيسيان الحاج امين الحسيني مفتي القدس الذي سعى لاقامة دولة فلسطينية مستقلة والملك عبد الله في الاردن وهو الامر الذي سعى لاحداث انقسام في الموقف العربي حيث ايدت الحكومة العراقية مساعي الملك عبد الله فيما ايدت سوريا ومصر مساعي المفتي.

وفي اطار هذا الانقسام اصبحت العلاقة بين رجال المفتي وجيش الانقاذ علاقة عداء صريحة وعندما جاء القاوقجي الى الاراضي الفلسينية في بداية مارس 1948 لم يعترف به رجال المفتي قائدا عاما للقوات العربية رغم تعليمات الجامعة العربية وعينوا في جميع الامكنة قادة من قبلهم، واعتبروا عبد القادر الحسيني قائدا عاما للقوات العربية

وأثر هذه المشاحنات قسمت فلسطين الى ثلاث مناطق المنطقة الشمالية ووضعت تحت قيادة جيش الانقاذ والمنطقة الوسطى تحت سلطة رجال المفتي والمنطقة الجنوبية التي كانت تتبع مصر.

كان الوضع العسكري الصهيوني في أوسط مايو قويا منظما فهناك قوة ضاربة (البالماخ) كاملة الاستعداد قوامها 6000 مجند موزعين على ألوية قد حددت لها معالم العمل الى جانب احتياطي من سكان المدن والمستعمرات يقارب 40 الف مقاتل وقوى بوليس المستعمرات اليهودية تقدر بنحو 16 الف يضاف الى هذا كله الحرس المحلي وعصابتا الأرعون وشتيرن اللتان أصبحتا بعد قيام دولة إسرائيل من أذرعت الجيش الصهيوني وهذه القوى كلها نحو 70 الف مقاتل كانت مسلحة فقد اعطت السلطات البريطانية في حزيران 1947 قوى بوليس المستعمرات ما يزيد على 7000 بندقية واضيف اليها ما لا يقل عن 3000 حتى وقت بدء الحرب.

هذا عدا عن الالاف من مدافع الهاون والرشاشات والمسدسات والقنابل اليدوية

يتقدم من قواعده على الحدود الجنوبية في اتجاه غزة ويشق طريقه الى قرية بيت جبريل قضاء الخليل ويربط جناحه الايمن هناك مع جناح الجيش العربي الاردني في حين يكون جناحه الايسر على الساحل جنوب مدينة يافا.

 يتقدم عبر الحدود الفلسطينية من جسر اللنبي الى القدس فالخليل ثم يتصل بجناح الجيش المصري الايمن بينما تزحف قوات اردنية اخرى لاحتلال اللد والرملة وفي حين تطبق القوات المصرية على تل ابيب من الجنوب تطبق عليها من الشرق القوات الاردنية بعد تركيز وحداتها بمدنتي الرملة واللد

يتقدم الجيش العراقي عبر الحدود من ناحية الغور الى نابلس ومن هناك يمتد جناحه لطولكرم فيشرف على تل ابيب من الشمال ويشترك مع الجيشين المصري والاردني في حصار تل ابيب واحتلالها وفي ذات الوقت يمتد جناحه الاخر الى جنين فيتعاون مع جيش الانقاذ المرابط فيها لاحتلال العفولة ومستعمرات مرج ابن عامر ثم يتجه الجيشان الى حيفا.

يتقدم عبر الحدود مع اعالي الحولة وجسر بنات يعقوب وشاطئ بحيرة طبرية ويربط جناحه من الغرب بالجيش اللبناني ويستمر جناحه الايسر في سيره حتى الناصرة  فيلتقي بالجيش العراقي في مرج ابن عامر بينما يواصل الجيشان السوري واللبناني الزحف الى خليج عكا.

يربط جناحه من الشرق بالجيش السوري ويواصل الزحف الى نهاريا فعكا ثم يلتقي بالجيش العراقي وبجناح الجيش السوري الايسر وبجيش الانقاذ للاشتراك في احتلال عكا وتطهير الشمال.

 استطاع الجيش العراقي أن يسترد مدينة جنين المهمة كما احتلت كتائبه مستعمرة الجسر على اليرموك وسارت في اتجاهين الاول في اتجاه نابلس فطولكرم والثاني في اتجاه مرج ابن عامر مشارفة مستعمرة العفولة.

جبهة الجيش العربي الأردني: كانت ابرز معارك تلك الجبهة معركة القدس فقد حاول الجنرال غلوب ان يحول دون وصول قوات الجيش العربي اليها بحجة انها دولية وان الجامعة العربية قد اسقطتها من حساب المعركة الحربية بيد ان تردي الحالة في المدينة وهجمات اليهود المستمرة على القدس القديمة وعدم تقييدهم بالهدنة التي فرضتها الأمم المتحدة بالقدس حدا بإقطاب المدينة من العرب الى ان يهرعوا للملك عبد الله في عمان راجين منه الامر بدخول الجيش العربي الى المدينة فلبى الملك رجاء الوفود العربية واتصل بالقائد عبد الله التل قائد الكتيبة السادسة التي كانت مرابطة في اريحا والخان الأحمر وأمره أن يمجد القدس القديمة فزحفت الكتيبة السادسة وتعاونت مع المقاتلين الفلسطينيين والسوريين في الدفاع عن المقدسات الاسلامية والمسيحية واستطاعت ان تحتل الحي اليهودي وتدمر الكنس اليهودي التي استملها اليهود اوكاراً للقتل.

 

وبالنسبة لسير الأمور في مواقع الكتائب الأردنية خارج القدس القديمة فإنها لم تكن تسير سيرا مشجعا فقد أخذت كتيبة باب الواد الذي تمت السيطرة عليه موقع الدفاع ووصلت هجمات اليهود الرامية الى فتح طريق القدس تل ابيب وظل موقفها سلبيا وجمد الجنرال علوب كتائبه المرابطة في رام الله ونشرها في خطوط دفاعية طويلة.

زحف الجيش المصري في الموعد المحدد وانضمت اليه فيما بعد سرايا من السعوديين ومتطوعين من السودان والليبيين وتمركز في غزة وبئر السبع وسار في اتجاهين، الأول نحو الخليل وسارت فيه الوحدة التي كان يقودها احمد عبد العزيز الذي استشهد فيما بعد والثاني الذي كانت فيه القوات النظامية الرئيسية اتجاه نحو اسدود وقد تمكن الجيش المصري من السيطرة على القسم الجنوبي من فلسطين ودك حصون عدد من المستعمرات اليهودية الا أن قسما كبيرا منها ظل خارج السيطرة العملية للقوات المصرية وخلف خطوطها الأمامية وذلك بسبب أن ماكان لهذه المستعمرات من تحصين عسكري منيع.

 

الجبهة اللبنانية: تمركزت القوات اللبنانية على طول الجبهة اللبنانية الفلسطينية وكانت اهم معركة خاضها الجيش اللبناني هي معركة المالكية 5 حزيران، واستطاعت القوات اللبنانية ايضا احتلال الناقورة واخذت تهيمن على معابر الجليل الغربي.

كانت القدس الجديدة تمثل اروع صور النجاح في الزحف العربي فقد كانت هذه المدينة تضم مائة الف يهودي وكانت تمثل الروح المقدسة بالنسبة لليهود كانت محاصرة من جميع الاتجاهات وكان المجاهدون الفلسطينيون قد احتلوا منذ امد رأس العين وبذلك حرمت جمع اليهود من الماء واعتمدوا على الابار بداخلها ووزعوها بالبطاقات في كميات لا تكفي ولا تروي وحال المحاصرون العرب من جنود الجيش العربي وقوات المجاهدين احمد عبد العزيز والمناضلين الفلسطينيين دون وصول الامدادات والتموين اليها فتسرب الجوع بعد العطش الى تلك المدينة المكتظة المهمة وواصلت المدفعية العربية قصفها ليلا نهارا فحرم السكان من النوم وانهارت اعصابهم وضاق بهم مجال النجاة وكان العالم كله يتوقع سقوط المدينة في ايدي العرب بين لحظة واخرى لاسيما بعد ان فشلت مساعي مندوب الصليب الاحمر في ادخال المياه الى القدس واشترط القائد العربي ان يلقي اليهود سلاحهم وأن يؤسر المحاربون منهم ولقد كاد الأمر أن يحدث لولا أن بريطانيا تدخلت لصالح اليهود.

 

كان ذلك عندما تقدمت بريطانيا الى مجلس الامن تطلب وقف القتال أربعة أسابيع والتعهد بعدم إرسال محاربين ومواد حربية الى فلسطين خلال هذه الفترة وتطبيق مادة العقوبات العسكرية والاقتصادية على من يخالف الامر، وفي 29 مايو 1948 وافق مجلس الأمن على هذا القرار واعلنت الحكومة البريطانية انها ستتوقف عن ارسال الاسلحة الى الدول العربية المرتبطة معها بمعاهدات وهي مصر والعراق والاردن، كما قرر مجلس الأمن تعيين الكونت برنادوت وسيطا منتدبا من قبل هيئة الامم مهمته التوفيق بين العرب واليهود وسميت هذه الهدنة بعد ذلك بالهدنة الاولى وبدأ تطبيقها رسميا في 11 يونيو وفيما التزم العرب بالهدنة استمرت اوروبا بإمداد اليهود خلال هذه الفترة من بناء الخنادق وفتحوا الطرق التي ربطت تل أبيب بالقدس بعد ان استحال عليهم ذلك مدة الحصار العربي واستوردوا الطائرات والدبابات والرجال من بريطانيا وأمريكا وواصلوا التدريب العملي الشاق ليجعلوا من عصاباتهم جيشا منظما.

كما ان اليهود خرقوا الهدنة بمجرد وصول كميات السلاح اليهم حيث بدأت العصابات الصهيونية تشن هجماتها على المدينة القديمة بالرغم من الهدنة وقد قامت قوات البالماخ بهجومها العنيف على باب النبي داوود يوم 30 من حزيران 1948 فاستخدمت مدافع الهاون ثلاث ساعات متتالية ولم يجب الجيش العربي حتى بدأوا تقدمهم وكان صداما عنيفا انتهى بتراجع اليهود بعد أن تركوا وراءهم 85 قتيلاً.

ودفع الخرق اليهودي للهدنة الأمين العام لجامعة الدول العربية الى تقديم شكوى الى برنادوت عن انتهاكات اليهود وكانت هذه الشكوى تحتوي على تهديد من قبل الأمين العام بإلغاء اتفاق وقف اطلاق النار إذا لم تتوقف انتهاكات اليهود لهدنة ولكن الجامعة لم تنفذ تهديدها بالرغم من كل الانتهاكات التي فعلها اليهود خلال الهدنة.

تجدد الاقتتال في التاسع من يوليو حيث رفض العرب تجديد الهدنة ولكن الوضع كان قد تغير فقد زال الخطر العربي الذي كان يحدث بالقدس الجديدة وفي 11-7 سحب الجنرال غلوب باشا الجيش الأردني فجأة من المدينتين العربيتين اللد والرملة ، الأمر الذي مكن اليهود من احتلالها وزاد الارتباك العربي بخلق هجرة جماعية جديدة وكشف بذلك ميمنة الجيش المصري واحتل اليهود مطار اللد الذي لا يبعد عن عاصمتها اكثر من 14 ميل، واستولوا على 750 دونم من أخصب أراضي العرب.

وكان الجيش العراقي يرابط في المثلث العربي – جنين ونابلس وطولكرم، ويهاجم القوات الصهيونية بالتعاون مع المقاتلين الفلسطينيين الأمر الذي مكنهم من الاستيلاء على عدة قرى منها فقوعة وتل الخروبة وغرانة وصندلة وجليلة لكن قيادته لم تسمح له باحتلال نتانيا على البحر المتوسط ليشطر خطوط اليهود الى قسمين، وباستثناء معركة كوكب الهوى واستعادة جنين وقراها فإن الجيش العراقي لم يعط فرصة لاثبات وجوده خاصة بعد ان سحب من مواقعه الى نابلس ولم تصدر الاوامر له بمعاونة جيش الانقاذ بقيادة فوزي قاوقجي في منطقة الجليل حين هاجمه اليهود بقوات كبيرة واستولوا على الناصرة وكانت الجبهتان المصرية السورية متحفظتين في مواقفهما.

في الثامن عشر من يوليو تموز فرض مجلس الأمن هدنة جديدة اطلق عليها اسم الهدنة الثانية وحاول اليهود خلال فترة الهدنة اعادة احتلال القدس حيث شنوا هجوما عليها بقيادة موشي ديان لكنهم فشلوا في محاولتهم وسقط 600 من قواتهم بين قتيل وجريح.

قامت اسرائيل ما بين 15 و 22 اكتوبر بهجوم على الجبهة المصرية وبذلك استولت على اكثر النقب وانتهى الهجوم بقبول الجانبين وقف لاطلاق النار من جديد.

نقلت اسرائيل قواتها الضاربة الى الشمال فجددت بين 28 و 31 اكتوبر تشرين الاول هجوما على جيش الانقاذ الذي كان قد دخل البلاد من لبنان مجددا بعد انسحابه من وسط فلسطين اثر دخول الجيوش العربية في 15 مايو فاحتلت الجليل باكمله واستولت على بعض القرى داخل الحدود اللبنانية

اعادت اسرائيل قواتها الضاربة الى الجنوب فشنت هجوما عاما على القوات المصرية

في 30 نوفمبر 1948 استفردت اسرائيل بقوات الجيش اعربي الاردني في جنوب النقب ومعابر العقبة من جهة فلسطين فاضطر الاردن الى سحب قواته من المنطقة وجرت المفاوضات مع الاردن لهدنة كان من نتيجتها ان انسحبت القوات العراقية من منطقة المثلث الواقع ما بين نابلس وجنين وطولكرم، التي دخلتها القوات الاردنية في مقابل التخلي الاسرائيلي عن منطقة المثلث الصغيرة ومساحتها 450 كم مربع، وتقع هذه المنطقة في الزاوية الشمالية الغربية للضفة الغربية وكانت تضم نحو 24 قرية عربية من بينها ام الفحم وعارة وعرعرة ومصمص يقيم فيها نحو 60 الف نسمة كما حدثت تعديلات اخرى في جنوبي منطقة الجليل شملت التخلي للقوات الاسرائيلية عن نحو 150 الف كم مربع من الأراضي هناك.

تحميل تطبيق فلسطيننا اقرأ أبواب النكبة من جوّالك — القرى، المجازر، ومخيمات اللجوء.