موسم قطف الزيتون في فلسطين: العونة والبدّ والمعصرة وعادات الموسم
موسم قطف الزيتون في فلسطين ليس مجرد عمل زراعي، بل عيد عائلي يجمع الأهل والجيران تحت الشجر من أول الصبح حتى المغرب. في تشرين الأول وتشرين الثاني تفرغ البيوت وتمتلئ الحقول، وتصير رائحة الزيت الجديد رائحة القرية كلها.
في هذا المقال نتعرف على موسم الزيتون الفلسطيني: متى يبدأ، وكيف تُقطف الثمار، وما هي العونة، وكيف يتحول الزيتون إلى زيت في البدّ والمعصرة، وما الأكلات والأمثال والأغاني التي ارتبطت به.
متى يبدأ موسم الزيتون في فلسطين؟
يبدأ موسم قطف الزيتون عادة في منتصف تشرين الأول ويستمر حتى أواخر تشرين الثاني، ويختلف موعده قليلًا من منطقة إلى أخرى حسب الارتفاع والطقس. ينتظر كثير من الفلاحين أول مطرة في الخريف قبل القطاف، لأنها تغسل الغبار عن الحب وتزيد من زيته.
يختلف المحصول من سنة إلى أخرى، لأن شجرة الزيتون تحمل بغزارة سنة وتقلّ في السنة التي تليها، وتسمى هذه الظاهرة «المعاومة».
العونة: حين تقطف القرية كلها معًا
العونة عادة فلسطينية قديمة، يتعاون فيها الأهل والأقارب والجيران على قطف زيتون عائلة واحدة، ثم ينتقلون جميعًا إلى أرض العائلة التالية. لا أجر في العونة، بل دَين محبة يُرَدّ في الموسم نفسه.
يشارك في القطاف الكبار والصغار:
- الرجال والشباب يصعدون الشجر ويقطفون الأغصان العالية.
- النساء يقطفن الأغصان القريبة، ويجمعن الحب عن المفارش، ويحضّرن الطعام.
- الأطفال يلتقطون الحبات المتناثرة على الأرض، وهي مهمة يسمونها «التلقيط».
كانت المدارس في كثير من القرى تعطّل أيامًا في الموسم، حتى يشارك الطلاب أهلهم في القطاف.
كيف يُقطف الزيتون؟
- فرد المفارش: تُمدّ تحت الشجرة قطع قماش أو شوادر كبيرة ليسقط عليها الحب.
- القطف باليد: يُمسَح الغصن باليد من الأعلى إلى الأسفل فيسقط الحب. هذه أفضل طريقة لأنها لا تؤذي الشجرة.
- السلالم والعصي: للأغصان العالية يُستخدم السلّم، ويلجأ البعض إلى العصا، مع أنها تكسر البراعم التي ستحمل في السنة القادمة.
- التنقية: يُفصل الحب عن الورق والأغصان الصغيرة.
- التعبئة: يُعبّأ الحب في أكياس الخيش ويُنقل إلى المعصرة خلال أيام قليلة، حتى لا يفسد ويرتفع حموضة زيته.
من البدّ إلى المعصرة
قبل المعاصر الحديثة، كان الزيتون يُعصر في البدّ: حجر دائري ضخم يدور فوق حجر مسطح، يجرّه حصان أو بغل أو جمل، فيطحن الحب. ثم توضع العجينة في قفف من القش وتُكبس، فيسيل الزيت. ما زالت آثار البدود القديمة موجودة في قرى فلسطينية كثيرة.
اليوم تعصر المعاصر الحديثة الزيتون في ساعات، لكن العائلات ما زالت تنتظر دورها في المعصرة بالساعات، وتتذوق الزيت الجديد هناك بالخبز الساخن.
يُخزَّن الزيت في التنكات أو في الخوابي الفخارية، ويكفي البيت سنة كاملة، ويُرسَل جزء منه هدايا للأقارب في المدن وفي الغربة.
ماذا يصنع الفلسطينيون من الزيتون؟
- زيت الزيتون: أساس المطبخ الفلسطيني، يُؤكل مع الخبز والزعتر كل صباح.
- الزيتون المرصوص: زيتون أخضر يُرصّ بحجر حتى يتشقق، ثم يُكبس بالماء والملح والليمون والفلفل.
- الزيتون المجرّح: يُجرح بالسكين بدل الرصّ، ويُكبس بالطريقة نفسها.
- الزيتون الأسود: يُقطف ناضجًا ويُملّح.
- الصابون: اشتهرت نابلس بصناعة الصابون من زيت الزيتون منذ مئات السنين.
- الجفت: بقايا العصر، تُكبس وتُستخدم وقودًا للتدفئة والطابون.
- خشب الزيتون: تُصنع منه في بيت لحم التحف والمسابح والصلبان.
أكلات موسم الزيتون
طعام الموسم بسيط ويُؤكل تحت الشجر. تحمل العائلة الزوّادة معها إلى الأرض: خبز طابون، وزيت وزعتر، وبندورة وخيار، وجبنة ولبنة، وإبريق شاي بالميرمية يُغلى على نار من أغصان الزيتون.
وحين يصل الزيت الجديد من المعصرة، يحتفل البيت بطبخة المسخّن: خبز طابون مغمّس بالزيت الجديد، فوقه البصل والسماق والدجاج. لذلك يرتبط المسخن في ذاكرة الفلسطينيين بموسم الزيتون. تعرّف على المزيد من الأكلات الشعبية في مدن وقرى فلسطين.
أمثال وأغاني عن الزيتون
احتل الزيتون مكانًا كبيرًا في الأمثال الشعبية الفلسطينية، ومن أشهرها:
- «الزيت عماد البيت»: البيت الذي فيه زيت لا يجوع.
- «القمح والزيت سبعين في البيت»: من عنده قمح وزيت عنده كل شيء.
- «كُل زيت وانطح الحيط»: الزيت يعطي الجسم قوة.
وكانت النساء يغنين أثناء القطاف أغاني الدلعونا والعتابا، ومن أشهر ما يُغنّى:
على دلعونا على دلعونا
زيتون بلادي أجمل ما يكونا
أصناف الزيتون الفلسطيني
- النبالي: أكثر الأصناف انتشارًا في فلسطين، زيته غني ويصلح للكبيس أيضًا.
- الصوري: نسبة إلى مدينة صور، زيته قوي النكهة ويكثر في شمال فلسطين.
- الرومي: اسم يطلقه الفلاحون على الأشجار المعمّرة جدًا، التي يقولون إنها من أيام الرومان.
الزيتون الرومي: شجر أقدم من الذاكرة
في فلسطين أشجار زيتون تُقدَّر أعمارها بمئات وآلاف السنين، ما زالت تحمل حتى اليوم. من أشهرها شجرة البدوي في قرية الولجة قرب بيت لحم، ويقدّر بعض الباحثين عمرها بآلاف السنين، وتُعد من أقدم أشجار الزيتون في العالم.
لهذا لا يرى الفلسطيني شجرة الزيتون مصدر رزق فقط، بل شاهدًا على وجوده في الأرض جيلًا بعد جيل.
موسم الزيتون تحت الاحتلال
يتحول الموسم في كثير من القرى من عيد إلى مواجهة. يمنع الاحتلال المزارعين من الوصول إلى أراضيهم القريبة من المستوطنات وخلف جدار الفصل إلا بتصاريح لأيام محدودة، ويتعرض المزارعون لاعتداءات المستوطنين، من الضرب إلى سرقة المحصول وحرق الأشجار.
وتقدّر مصادر فلسطينية أن مئات آلاف أشجار الزيتون اقتُلعت منذ عام 1967. ورغم ذلك يعود الفلاحون كل خريف إلى أرضهم، ويزرعون مكان الشجرة المقتلعة شجرة جديدة.
ولفهم مكانة الأرض في حياة الفلسطيني قبل النكبة، اقرأ مقال الزراعة في فلسطين قبل النكبة.
أسئلة شائعة عن موسم الزيتون في فلسطين
متى موسم قطف الزيتون في فلسطين؟
من منتصف تشرين الأول (أكتوبر) حتى أواخر تشرين الثاني (نوفمبر)، ويتأخر أو يتقدم قليلًا حسب المنطقة والطقس.
ما هي العونة في موسم الزيتون؟
عادة فلسطينية يتعاون فيها الأقارب والجيران في قطف زيتون عائلة بعد أخرى، بلا أجر، ويُرد المعروف في الموسم نفسه.
ما هو البدّ؟
معصرة الزيتون التقليدية، فيها حجر دائري كبير يجرّه حيوان ليطحن الحب، ثم يُكبس العجين ليخرج الزيت.
ما أشهر أكلة في موسم الزيتون؟
المسخّن، لأنه يُطبخ بالزيت الجديد فور وصوله من المعصرة.
اقرأ أيضًا:
- الأمثال الشعبية الفلسطينية ومعانيها
- الأكلات الشعبية في كافة مدن وقرى فلسطين
- الزراعة في فلسطين قبل النكبة
- القرى الفلسطينية المهجّرة
شاركنا: كيف كانت عائلتك تقضي موسم الزيتون؟ وما الأغنية أو المثل الذي ما زلت تتذكره من أيام القطاف؟ اكتبه في التعليقات مع اسم بلدك.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.