المواسم الشعبية في فلسطين قبل النكبة
المواسم الشعبية في فلسطين هي زيارات جماعية سنوية إلى مقامات الأنبياء والأولياء، تحوّلت عبر القرون إلى مهرجانات تجمع العبادة بالفرح والتجارة. أشهرها موسم النبي موسى قرب أريحا في الربيع، وموسم النبي روبين جنوب يافا في الصيف، ثم موسم النبي صالح قرب الرملة. وإلى جانبها عرف الفلسطينيون موسم النبي يوشع في الجليل، وعيد الخضر قرب بيت لحم، وأربعاء أيوب، وعشرات المواليد لأولياء القرى. [1] [2]
بدأت هذه المواسم في العهد المملوكي، وعاشت قرونًا حتى جاءت نكبة 1948 فهجّرت جمهور بعضها وقطعت بعضها الآخر، ثم أكمل احتلال 1967 ما بدأته النكبة. يعرض هذا المقال المواسم الفلسطينية واحدًا واحدًا: أين كانت، ومتى، وكيف كان الناس يحتفلون بها، وماذا حلّ بها.
المواسم الفلسطينية في جدول
| الموسم | المكان | الموعد | المدة | ما حلّ به |
|---|---|---|---|---|
| النبي موسى | قرب أريحا، على طريق القدس | الربيع، في الجمعة التي تسبق الجمعة العظيمة عند الأرثوذكس | نحو أسبوع | مُنع طويلًا بعد 1967، ثم سُمح به على نطاق ضيق [2] |
| النبي روبين | جنوب يافا، قضاء الرملة | من منتصف آب إلى منتصف أيلول | نحو شهر | انقطع بالنكبة، وهُجّرت القرية عام 1948 [1] |
| النبي صالح | قرب الرملة | نيسان | 3 إلى 5 أيام | انقطع بتهجير أهل الرملة عام 1948 [1] |
| النبي يوشع | الجليل الأعلى، قضاء صفد | 15 شعبان | غير محددة | سيطرت عليها القوات الصهيونية عام 1948 [3] |
| الخضر | دير الخضر قرب بيت لحم | أيار | غير محددة | تراجع بعد أن كان مناسبة إقليمية [4] |
| أربعاء أيوب | الينابيع المحلية | قبيل موسم النبي روبين | يوم | انقطع مع انقطاع النبي روبين [4] |
| سيدنا علي | قرية الحرم شمال يافا | الصيف | غير محددة | احتُلّت القرية عام 1948 [5] |
ما هو الموسم؟
«الموسم» في التراث الفلسطيني زيارة جماعية سنوية إلى مقام نبي أو وليّ، تُقام في موعد ثابت، ويخرج إليها الناس من المدن والقرى في مواكب ترفع البيارق. وفي أيام الموسم تقام حلقات الذكر والصلوات، إلى جانب الأسواق والمقاهي والدبكة وسباق الخيل والعروض الشعبية، فيجتمع فيه الدين بالفرح. [2]
وكان الموسم أيضًا مناسبة اجتماعية كبيرة: تُوفى فيه النذور، وتُذبح الذبائح لإطعام الزوار، ويُختن الأطفال قرب المقامات، وتلتقي العائلات وتتعارف. [2]
كيف نشأت المواسم؟
يعيد المؤرخ الفلسطيني محمود يزبك نشأة المواسم الكبرى إلى أواخر القرن الثالث عشر، حين بدأ المماليك تنظيم زيارات جماعية في مواعيد ثابتة عند المقامات الإسلامية، وتولّت السلطات تنظيمها وتمويلها بالكامل. [1]

ويذكر يزبك عدة دوافع لذلك: [1]
- إظهار الحضور الإسلامي في القدس: كانت مواكب عيد الفصح تجتذب حشودًا كبيرة من الحجاج المسيحيين، فأُقيمت المواسم في الموسم نفسه لتأكيد الطابع الإسلامي للمدينة.
- التعبئة ضد الصليبيين: حشد الدعم الشعبي للحرب، وتأكيد شرعية الحكام بوصفهم حماة الدين.
- حماية الساحل: المقامات القريبة من البحر، مثل النبي روبين وعلي بن عُليم، وفّرت حضورًا محليًا يمكنه التنبيه إلى أي غزو بحري.
وفي هذا الإطار بنى السلطان الظاهر بيبرس مقام النبي موسى في ستينيات القرن الثالث عشر، وبنى مقامًا فوق ضريح علي بن عُليم في أرسوف. [1]
ملامح مشتركة: البيارق والنوبة والنذور
اشتركت المواسم الفلسطينية في ملامح عامة: [2]
- البيارق: لكل نبي أو وليّ بيرق يحمله أتباع الطرق الصوفية. ومن البيارق المعروفة بيارق الشيخ عاطف والشيخ القزاز والشيخ علي الشريف والشيخ جراح.
- النجّاب والنقّارة: كان «النجّاب» يعلن وصول الشيخ بقرع النقّارة، فيستقبله الدراويش والصوفية بالطبول والأناشيد، وتُطلق الأعيرة النارية في الهواء.
- المواكب: تسير بالطبول والموسيقى والدبكة، ويصطف الناس على الطرقات وأسطح البيوت. ولأن الموكب يسير وقت الظهيرة، حمل الناس المظلات، فسُمّي موكب النبي موسى «عيد الشماسي».
- الطعام والنذور: تُطبخ الولائم بكميات كبيرة، وتُذبح الذبائح وفاءً للنذور لإطعام الزوار.
- النساء: يشاهدن المواكب من الشرفات، أو يشاركن في الاحتفال في ساحات المقام، غالبًا بصحبة قريب.
- الختان: تُقام حفلات ختان الأطفال قرب المقامات تبرّكًا.

موسم النبي موسى
كان موسم النبي موسى أكبر المواسم الفلسطينية وأشهرها. يقع المقام في البرية على بعد نحو 8 كيلومترات جنوب أريحا، و28 كيلومترًا من القدس. ويبدأ الموسم في الجمعة التي تسبق الجمعة العظيمة عند الروم الأرثوذكس، في نيسان عادة، ويستمر نحو أسبوع. [2]

الموكب من القدس
كان الموكب ينطلق من القدس، وتحمل عائلة الحسيني «بيرق النبي موسى» المصنوع من المخمل الأخضر المطرّز بخيوط الذهب والمحاط بالحرير الأسود، ويشارك فيه مفتي القدس والأعيان. ويودّع رئيس بلدية القدس وأعضاء مجلسها الموكب عند رأس العامود. [2]
الوفود والزوار
كانت الوفود تصل إلى المقام على دفعات: أهل الخليل وشباب نابلس، وأعيان القدس وصوفيتها، وعشيرة العدوان، وبدو الدوايك، وأهل أريحا. وقد يصل عدد الزوار إلى نحو 150 ألفًا. [2]
الطعام والاحتفالات
كانت عائلة الحسيني تقدّم نحو 300 كيلوغرام من اللحم يوميًا، وتقدّم عائلة اليونس كمية مماثلة، ويُقدَّم للزوار وجبتان في اليوم. ومن أنشطة الموسم: عروض السيف والترس، والرقص والدبكة، ومسرح الدمى وخيال الظل، وسباق الخيل ورمي العصي، والأسواق والمقاهي وحلقات الذكر. [2]

للتفاصيل الكاملة عن تاريخ المقام وعمارته وطقوس الموسم وما يتعرض له اليوم، اقرأ مقالنا مقام النبي موسى.
موسم النبي روبين
كان موسم النبي روبين ثاني المواسم الكبرى، والأطول بينها. يُقام كل صيف عند مقام النبي روبين على الضفة الجنوبية لنهر روبين، جنوب يافا، ويستمر نحو شهر. كانت زفّته تخرج من يافا حاملة البيارق، ويقيم زواره في مدينة من الخيام على الرمل، بلغ عددهم بعد الحرب العالمية الأولى 40 إلى 50 ألفًا. [1]

ومع الوقت صار الموسم أقرب إلى مصيف منه إلى زيارة دينية: مسرح وسينما وغناء وسباحة وسباق خيل ومصارعة. [1] [4] وتذكر روايات أن نساء يافا كنّ يركضن إلى البحر طلبًا للبركة، وأن الموسم كان يجتذب زوارًا من خارج المجتمع المسلم أيضًا. [4]
للتفاصيل الكاملة، اقرأ مقالنا عن موسم النبي روبين.
موسم النبي صالح في الرملة
كان موسم النبي صالح قرب الرملة ثالث المواسم الكبرى في فلسطين، بعد النبي موسى والنبي روبين، وأصغر منهما قليلًا. كان يُقام في نيسان ويستمر بين ثلاثة وخمسة أيام، وتزدحم الطرق المؤدية إلى المقام بالزوار ذهابًا وإيابًا. [1]
ويُقام في الشهر نفسه الذي يُقام فيه موسم النبي موسى، في إطار الدافع المملوكي نفسه: تأكيد الحضور الإسلامي في فصل الربيع، حين تجتذب أعياد الفصح الحجاج المسيحيين إلى البلاد. [1]
موسم النبي يوشع في الجليل
في أقصى الجليل الأعلى، على بعد نحو 17 كيلومترًا من صفد، قامت قرية النبي يوشع حول مقام يُعتقد أنه ضريح النبي يوشع. أسستها عائلة آل الغول، سدنة المقام، في أواخر القرن الثامن عشر، وبنت فيها مسجدًا ودارًا للزوار. [3]
وكان أهل القرية يقيمون موسمًا سنويًا في الخامس عشر من شعبان، يشبه موسم النبي روبين. وكانت القرية صغيرة، بلغ عدد سكانها 70 نسمة في 1944–1945. [3]
عيد الخضر: موسم مشترك للمسلمين والمسيحيين
في قرية الخضر قرب بيت لحم، كان دير القديس جاورجيوس (الخضر) يستقبل كل أيار احتفالًا يحضره الفلسطينيون مسلمين ومسيحيين معًا. وتُروى أن أم القديس كانت من اللد، مما أعطى الزيارة مكانة خاصة عند الفلسطينيين. وقبل 1948 كان الاحتفال مناسبة إقليمية يقصدها الآلاف من القريب والبعيد. [4]
ويمثّل الخضر نموذجًا لما يسميه الباحثون «العوالم المشتركة» في فلسطين: أماكن مقدسة يزورها أتباع الديانات المختلفة ويتقاسمون رموزها وطقوسها. [4]
أربعاء أيوب
قبيل موسم النبي روبين، كان الفلسطينيون يحتفلون بـ«أربعاء أيوب»، فيخرجون إلى الينابيع المحلية، ويؤدّون أغاني ورقصات ترتبط بالخصب والبركة. [4]
مقام سيدنا علي في الحرم
على الساحل شمال يافا قامت قرية الحرم حول مقام كبير يقصده الناس من أنحاء فلسطين كل صيف للصلاة وأداء الطقوس وجمع التذكارات. [5] وتنسب الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية المقام إلى الحسن بن علي، أحد أحفاد الخليفة عمر بن الخطاب، المتوفى عام 1081 م. [5] ويُعرف المكان شعبيًا بـ«سيدنا علي»، ويذكر يزبك أن بيبرس بنى مقامًا فوق ضريح علي بن عُليم في أرسوف. [1]
وما زال المقام قائمًا، بأروقته المقوّسة ومئذنته، لكن مقبرة القرية المطلة على البحر صارت موقفًا للسيارات. [5]
النبي يوسف والنبي صموئيل ومواليد الأولياء
إلى جانب المواسم الكبرى، أحيا الفلسطينيون مواسم أصغر عند مقامات أخرى: [2]
- النبي يوسف: في بلاطة شرق نابلس.
- النبي صموئيل: في القرية المجاورة للقدس.
وأقامت القرى «مواليد» لأوليائها، ومن المقامات التي كانت تُزار: [2]
- الشيخ القطرواني، بين بيرزيت وعطارة.
- أبو هريرة، في وادي الشريعة.
- أحمد الكركي الطيار، في القسطل.
- الشيخ ياسين، في دير ياسين.
- الشيخ عبد العزيز، قرب بيت سوريك.
- الشيخ النوران، بين الشلالة وخان يونس.
- الشيخ جراح والشيخ سعد، في القدس.
من موسم ديني إلى مناسبة وطنية
في عهد الانتداب البريطاني تغيّرت المواسم. ففي الثلاثينيات والأربعينيات اكتسبت مواكب النبي روبين طابعًا وطنيًا، فرُفعت فيها الشعارات السياسية والأعلام الفلسطينية. [1] وتحوّل موسم النبي موسى كذلك إلى مناسبة وطنية يعبّر فيها الفلسطينيون عن هويتهم. [6]

وفي الوقت نفسه بدأت سلطات الانتداب تمنع أتباع كل دين من حضور أعياد غيرهم باسم «حفظ النظام». ويرى الباحث أليكس شمس أن هذه الإدارة البيروقراطية للدين أضعفت تدريجيًا الأعياد المشتركة التي كانت تجمع الفلسطينيين. [4]
النكبة والاحتلال: نهاية المواسم
جاءت نكبة 1948 فقطعت المواسم الساحلية والشمالية: [1] [2] [3] [5]
- النبي روبين: أُقيم آخر مرة عام 1946، وهُجّر أهل يافا والرملة واللد، وطُرد سكان القرية في 1 حزيران 1948، وحُوّل المقام إلى موقع يهودي حصرًا.
- النبي صالح: انقطع بتهجير أهل الرملة عام 1948.
- النبي يوشع: استولت الهاغاناه على مركز الشرطة في القرية في أيار 1948، ووصلت القوات الإسرائيلية إلى القرية في تشرين الأول خلال عملية «حيرام»، وبقي المقام مهملًا خلف الأسلاك الشائكة.
- سيدنا علي: احتُلّت قرية الحرم قبل 15 أيار 1948.
ثم جاء احتلال 1967: [2]
- النبي موسى: مُنع الموسم مدة طويلة، ثم سُمح به على نطاق أضيق بكثير.
- النبي يوسف: احتُلّت بلاطة، وصار المقام موقعًا للمستوطنين.
- النبي صموئيل: احتُلّت القرية وصودرت لاحقًا.
اقرأ أيضًا في موقعنا: مقام النبي موسى، ومقال موسم النبي روبين، ومقال يافا قبل النكبة.
خاتمة
كانت المواسم الشعبية تقويمًا آخر للحياة الفلسطينية: النبي موسى والنبي صالح في الربيع، والنبي روبين في الصيف، والخضر في أيار، ومواليد الأولياء على مدار السنة. فيها التقى الدين بالفرح، والمدينة بالقرية، والمسلم بالمسيحي. وحين وقعت النكبة لم تنقطع الطقوس فقط، بل تفرّق المجتمع الذي كان يحييها، وبقيت المقامات شاهدة على زمن كانت فيه فلسطين تحتفل.
أسئلة شائعة عن المواسم الشعبية في فلسطين
ما هي المواسم الشعبية في فلسطين؟
هي زيارات جماعية سنوية إلى مقامات الأنبياء والأولياء، تُقام في مواعيد ثابتة، وتجمع الصلوات وحلقات الذكر بالمواكب والأسواق والدبكة وسباق الخيل. أشهرها مواسم النبي موسى والنبي روبين والنبي صالح.
ما أشهر المواسم الفلسطينية قبل النكبة؟
أشهرها موسم النبي موسى قرب أريحا في الربيع، وموسم النبي روبين جنوب يافا في الصيف، وموسم النبي صالح قرب الرملة في نيسان. ومن المواسم الأخرى النبي يوشع في الجليل، وعيد الخضر قرب بيت لحم، وأربعاء أيوب.
متى نشأت المواسم في فلسطين؟
نشأت المواسم الكبرى في أواخر القرن الثالث عشر، حين نظّم المماليك زيارات جماعية في مواعيد ثابتة عند المقامات الإسلامية. وبنى السلطان بيبرس مقام النبي موسى في ستينيات القرن الثالث عشر.
لماذا يُقام موسم النبي موسى في الربيع؟
يُقام في الجمعة التي تسبق الجمعة العظيمة عند الروم الأرثوذكس. ويرى المؤرخ محمود يزبك أن المماليك ربطوه بموسم عيد الفصح لإظهار الحضور الإسلامي في القدس حين كانت المواكب المسيحية تجتذب حشودًا كبيرة.
ما هو عيد الخضر؟
هو احتفال سنوي في أيار عند دير القديس جاورجيوس (الخضر) في قرية الخضر قرب بيت لحم، كان يحضره الفلسطينيون مسلمين ومسيحيين معًا، وكان قبل 1948 مناسبة إقليمية يقصدها الآلاف.
ماذا حدث للمواسم الفلسطينية بعد النكبة؟
انقطعت مواسم النبي روبين والنبي صالح والنبي يوشع وسيدنا علي بتهجير أهلها عام 1948. وبعد احتلال 1967 مُنع موسم النبي موسى طويلًا ثم سُمح به على نطاق ضيق، وصودر مقاما النبي يوسف والنبي صموئيل.
المصادر والمراجع
- محمود يزبك، «The Muslim Festival of Nabi Rubin in Palestine: From Religious Festival to Summer Resort» (موسم النبي روبين: من موسم ديني إلى مصيف)، Holy Land Studies، المجلد 10، العدد 2، 2011.
- محمد حسين الشيخ، «النبي موسى ومواسم الزيارة: طقوس الفرح الفلسطيني قبل الاحتلال»، نون بوست، 16 نيسان 2025، ويعتمد على توفيق كنعان وكامل جميل العسلي ووليد الخالدي.
- الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية: النبي يوشع (قضاء صفد).
- أليكس شمس، «Between al-Khader and Nabi Rubeen: Religious Pilgrimage and Palestinian Shared Worlds of Meanings»، حوليات القدس (Jerusalem Quarterly)، العدد 63–64.
- الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية: الحرم (قضاء يافا).
- فلسطيننا: مقام النبي موسى.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.