فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

مقال

المقاهي في فلسطين قبل النكبة: من مقهى الصعاليك إلى كوكب الشرق

المقاهي في فلسطين قبل النكبة: من مقهى الصعاليك إلى كوكب الشرق

كان المقهى قبل النكبة قلب المدينة الفلسطينية: فيه تُقرأ الصحف وتُناقش السياسة، ويروي الحكواتي سيرة عنترة والزير سالم، ويُستمع إلى الفونوغراف ثم الراديو، ويلتقي التجار والأدباء والصحفيون. ففي القدس أسس خليل السكاكيني ورفاقه «مقهى الصعاليك»، وفي يافا أحصى أحد أبنائها 75 مقهى، وفي حيفا خرجت أم كلثوم من مقهى بلقب «كوكب الشرق». [1] [2] [4] [5]

يروي هذا المقال حكاية المقاهي والحياة الاجتماعية في المدن الفلسطينية قبل النكبة: ما كان يجري فيها، وأشهرها في القدس ويافا وحيفا والناصرة وطبريا وعكا، ودورها في السياسة والصحافة والفن، ثم ما حلّ بها عام 1948.

المقاهي في فلسطين قبل النكبة في سطور

البندالتفاصيل
أقدم مقهى موثّق في القدسفي حارة القرمي، عام 1578 [1]
تأسيس مقهى الصعاليك ومقهى الجوهرية في القدس1918 [1] [2]
بيان «حزب الصعاليك»1925، ثماني عشرة مادة [2]
عدد المقاهي في يافا قبل النكبة75 مقهى، بحسب إحصاء علي البواب [4]
زيارة أم كلثوم الأولى لفلسطينتشرين الأول 1931 [5]
عمر حمام الباشا في عكانحو 150 عامًا من أواخر القرن الثامن عشر حتى 1948 [20]
بدء إذاعة «هنا القدس»أواخر آذار 1936 [9]

جذور المقهى في المدينة الفلسطينية

عرفت المدن الفلسطينية المقهى منذ قرون، فقد ورد ذكر مقهى في حارة القرمي في القدس عام 1578. [1] وفي أواخر القرن التاسع عشر انتشرت المقاهي داخل أسوار القدس القديمة، ومنها مقهى خليل نجم ومقهى صيام ومقهى علي زحايمن ومقهى عارف زعترة ومقهى الباسطي، ومقهى النابلسي في عمارة الهندية قرب باب العمود. [1]

ومع اتساع المدن خارج أسوارها في أواخر العهد العثماني وعهد الانتداب، انتقلت المقاهي إلى الشوارع الجديدة والساحات ومحطات النقل: إلى باب الخليل وشارع يافا وماملا في القدس، وإلى ساحة الساعة والميناء في يافا، وإلى ساحة الحناطير قرب محطة القطار في حيفا. [1] [3] [15]

ماذا كان يجري في المقهى؟

لم يكن المقهى مكانًا لشرب القهوة فقط، بل كان ساحة عامة للمدينة:

  • الحكواتي: كان يجلس على كرسي مرتفع بلا ستائر ولا كواليس، ويروي السِّيَر الشعبية مثل سيرة عنترة بن شداد وتغريبة بني هلال وسيرة الزير سالم، وأحيانًا يغنّي ويعزف على الربابة، في سهرات وصفها راضي شحادة بـ«السهرات السحرية». ويعدّه شحادة الشكل المسرحي الشعبي الوحيد الذي استمر في فلسطين طوال العهد العثماني. [8]
  • خيال الظل: عرض كراكوز وعيواظ، الذي وصل إلى المقاهي من التقاليد العثمانية. [1] [8]
  • الموسيقى والغناء: استضافت المقاهي عروضًا موسيقية وخطبًا، ثم دخلها الفونوغراف والراديو، وتصف «المذكرات الجوهرية» سهرات الطرب التي كانت تجمع المطربين في القدس. [1]
  • المسرح: كانت بعض المقاهي مسارح أيضًا، ففي يافا كان مسرح قهوة البنور ومسرح مقهى الحلواني. [4]
  • السياسة: صارت المقاهي منابر للدعاية الحزبية والنقاش السياسي والفكري. [1]
  • التجارة: في يافا كان تجار البرتقال يبدأون يومهم بفنجان قهوة في «مقهى داوود»، ويتفاوضون فيه على الصفقات. [3]
مقهى في القدس سنة 1920
مقهى في القدس، 1920. من معرض صفحة القدس على موقع فلسطيننا.

عادات المقهى: الطاولة والنرجيلة والراديو

كان للمقهى طقوسه اليومية: يلعب روّاده الشطرنج والطاولة (طاولة الزهر)، ويدخّنون التبغ والنرجيلة، ويشربون القهوة والشاي. [17] ثم اشترى بعض أصحاب المقاهي الفونوغراف ليُسمعوا روّادهم أغاني كبار المطربين العرب، ولما جاء الراديو وضعوه في مكان مرتفع، فصار الناس يتجمّعون حوله لسماع الموسيقى والأغاني ونشرات الأخبار. [17]

وكان لكل مهنة مقهاها تقريبًا: في يافا كان للبحارة «مقهى المدفع» قرب الميناء، ولتجار البرتقال «مقهى داوود»، وللصيادين «قهوة الصيادين»، وللتجار وكبار الموظفين «مقهى الحلواني»، وللصحفيين مقهى على الشاطئ. [3] وفي الشوارع كانت «بسطات القهوة» تقدّم الفنجان لمن لا وقت له للجلوس. [22]

بسطة قهوة في يافا قبل النكبة
بسطة قهوة في يافا قبل النكبة. من معرض صفحة يافا على موقع فلسطيننا.

ليالي رمضان: الحكواتي والكراكوز

كانت ليالي رمضان أكثر ليالي المقهى حياة. ففي حيفا، كما يروي المؤرخ جوني منصور، كان الرجال والفتيان يخرجون بعد الإفطار إلى الساحات والمقاهي، ويبقى معظمهم فيها حتى منتصف الليل أو بعده، بينما يجوب الأطفال الأحياء يجمعون الحلوى والمكسرات. [17]

  • الحكواتي: انتشر الحكواتية في ساحات حيفا الشرقية ومقاهيها بعد الإفطار، وعُرفوا بأصواتهم الجهورية وحكاياتهم التي لا تنتهي في ليلة واحدة، بل تتواصل في الليلة التالية، فيعود الجمهور ليعرف بقية القصة. [17]
  • الكراكوز وعيواظ: شخصيتا خيال الظل المعروفتان في بلاد الشام، وكانا يقدّمان عروضًا ساخرة ومضحكة مقابل أجر زهيد، أو مقابل قليل من الطعام والحلوى في أحيان كثيرة. [17]
  • البحر: في يافا كان الناس يذهبون إلى البحر في رمضان هربًا من الحر، ويحمل بعضهم إفطارهم ليتناولوه على الشاطئ. [19]

مقاهي القدس

كانت منطقة باب الخليل، محطة النقل الرئيسية إلى بيت لحم والجنوب، قلب المقاهي الحديثة في القدس. [1] ومن مقاهي القدس قبل النكبة:

  • مقهى الصعاليك: داخل باب الخليل، تأسس عام 1918، وصار ملتقى الأدباء والشعراء والصحفيين ورجال السياسة. [1] [2]
  • مقهى الجوهرية: تأسس عام 1918 في شارع يافا. [1]
  • مقهى المعارف: خارج باب الخليل مباشرة، وكانت تُقام فيه حفلات موسيقية وعروض خيال الظل. [1] [18]
  • مقاهي ساحة عمر وباب الخليل: مثل مقهى ليدو في ساحة عمر، ومقهى البلور ومقهى البنك. [1]
  • مقاهي شارع يافا وماملا: مثل مقهى أوروبا في عمارة صنصور، ومقهى فيينا ومقهى بيكاديلي. [1]
  • مقهى برقرنيك: مقابل مقر الحاكم. [1]
  • مقاهي البلدة القديمة: مثل مقهى عارف زعترة ومقهى صيام ومقهى النابلسي قرب باب العمود. [1]
داخل باب الخليل في القدس قبل الحرب العالمية الأولى
داخل باب الخليل في القدس قبل الحرب العالمية الأولى، حيث قام مقهى الصعاليك. من معرض صفحة القدس على موقع فلسطيننا.

اقرأ عن القدس وقراها المهجّرة.

مقهى الصعاليك وحزب البطالة

كان اسم المقهى في الأصل «قهوة المختار»، تأسس عام 1918 داخل باب الخليل، وصاحبه عيسى ميخائيل الطبّة، وكان مختارًا في البلدة القديمة، ثم سمّاه خليل السكاكيني ورفاقه «مقهى الصعاليك». [2] وكان يرتاده كل أربعاء حلقة من الأدباء، منهم عادل جبر وإسعاف النشاشيبي وعيسى العيسى وإسحق موسى الحسيني وخليل نخلة، وزاره من خارج فلسطين أحمد زكي باشا وخليل مطران. [1] [2] وكان السكاكيني يأخذ ضيوفه إليه بدل بيته، فيجلسون قرب البركة. [1]

ومن هذه الحلقة وُلد «حزب الصعاليك»، الذي كتب له السكاكيني بيانًا ساخرًا من ثماني عشرة مادة نُشر عام 1925. [2] ومن مبادئه:

  • العضوية مفتوحة للرجال والنساء جميعًا ما لم يخالفوا مبادئ الحزب. [2]
  • لا رئيس للحزب ولا أمين صندوق ولا مقر، ويلتقي أعضاؤه في الشارع. [2]
  • لا ألقاب: يُخاطَب الجميع بصيغة المفرد، وتُرفض ألقاب مثل «صاحب السعادة». [2]
  • البطالة شعار الحزب، ويوم العمل ساعتان، والأعياد للأكل والشرب والمرح. [2]
  • النقد بلا مجاملة، ورفض تصنيفات اليمين واليسار. [2]

وكانت جلسات المقهى قراءة وكتابة وغناء ولعبًا، ووصفها السكاكيني في يومياته بأنها «رائعة». وفي عام 1921 رفض السكاكيني تكريمًا من نادٍ في بيت لحم، محتجًّا بأن نظام الحزب يمنع أعضاءه من قبول الأوسمة. [2] لكن المقهى تراجع بعد عودة السكاكيني إلى وظيفته مفتشًا للتعليم عام 1926، وانتقال الصحف إلى يافا وحيفا في العشرينيات، وانصراف المثقفين إلى السياسة الوطنية، فرثى السكاكيني في رسالة نهاية «عصر البطالة». [2]

مقهى في القدس سنة 1920
مقهى آخر في القدس، 1920. من معرض صفحة القدس على موقع فلسطيننا.

مقاهي يافا

كانت يافا مدينة المقاهي بامتياز، وقد أحصى علي البواب فيها 75 مقهى قبل النكبة، كانت تُقرأ فيها الصحف وتُناقش السياسة ويُستمع إلى الحكواتي والمذياع. [4] ومن مقاهيها:

  • مقهى المدفع: قرب الميناء، وسُمّي باسم مدفع عثماني كان يُطلق في رمضان عند الغروب، وكان رواده من «بحارة يافا الأشاوس». [3]
  • مقهى داوود: مقهى تجار البرتقال، الذين كانوا يبدأون فيه يومهم بفنجان القهوة ويتداولون أمور التجارة. [3]
  • مقهى الانشراح: وصفه شفيق الحوت بأنه أكثر المقاهي بهجة، وكان ركاب الحافلة يتراهنون على وجود أحد روّاده الدائمين فيه. [3]
  • مقهى الحلواني: مقهى البلدية، يلتقي فيه التجار وكبار الموظفين والوجهاء، وكان فيه مسرح أيضًا. [3] [4]
  • مقهى أبو شاكوش: مسرح ومقهى مقابل مكاتب جريدة «الدفاع». [3]
  • مقهى على شاطئ البحر: لأحد أبناء عائلة سكر، يلتقي فيه الصحفيون مساءً لينتقدوا أعمالهم وأحوال الصحافة. [3]
  • شرفة فندق كونتيننتال: ملتقى الكتّاب والشعراء والفنانين. [3]

وكانت ساحة الساعة قلب سهرات المدينة، ففيها كانت «الظريفية»، التي أحيا لياليها فنانون وفنانات من مصر ولبنان. واستقبلت مسارح يافا أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، وانتشرت فيها دور السينما مثل الحمراء ونبيل والرشيد وفاروق، ووصف شفيق الحوت سينما الحمراء بأنها «فريدة من نوعها في الشرق الأوسط من حيث الضخامة والفخامة». [3] ويتذكر الصحفي ناصر الدين النشاشيبي تلك الأيام: «كنا نسهر كثيرًا ونضحك كثيرًا ونكتب كثيرًا». [3]

قهوة محمد الحلواني في يافا في 8 أيلول 1931
قهوة محمد الحلواني في يافا، 8 أيلول 1931. من معرض صفحة يافا على موقع فلسطيننا.
قهوة الصيادين في يافا
قهوة الصيادين في يافا. من معرض صفحة يافا على موقع فلسطيننا.
أحد مقاهي يافا قبيل النكبة
أحد مقاهي يافا قبيل النكبة. من معرض صفحة يافا على موقع فلسطيننا.
ساحة برج الساعة في يافا سنة 1918
ساحة برج الساعة في يافا، 1918. من معرض صفحة يافا على موقع فلسطيننا.

وقرب يافا كانت للقرى مقاهيها أيضًا، مثل مقهى أبو عرب في ساحة الشيخ مرزوق في بيت دجن، القرية التي كانت تبعد نحو 9 كم شرق يافا ويسكنها 3,840 نسمة، وبدأ تهجير أهلها في 25 نيسان 1948. [13]

مقهى أبو عرب في ساحة الشيخ مرزوق في بيت دجن
مقهى أبو عرب في ساحة الشيخ مرزوق في بيت دجن. من معرض صفحة بيت دجن على موقع فلسطيننا.

اقرأ: يافا قبل النكبة: عاصمة الصحافة والسينما والمقاهي.

حيفا: مقهى كوكب الشرق

كانت حيفا «مدينة صيف وسهر»، بنواديها ومقاهيها وصحفها وشعرائها. [7] وفي تشرين الأول 1931 زارت أم كلثوم فلسطين للمرة الأولى، فغنّت في يافا والقدس وحيفا، ثم عادت إلى حيفا عام 1935. [5] وجاءت فلسطين بلقب «بلبلة الشرق» وعادت منها بلقب «كوكب الشرق»، إذ يروي المؤرخ جوني منصور أن أحد الحاضرين هتف بها في حفلة في مقهى بحيفا: «أم كلثوم أنتِ كوكب الشرق»، ويقول إن المقهى كان يحمل الاسم نفسه. [5] [6]

وتروي ذاكرة أهل وادي الصليب رواية أخرى، تقول إن أم كلثوم غنّت في «بستان الانشراح» في حيفا، وإن حفلتها هناك أسهمت في منحها اللقب. [16]

ومن مقاهي حيفا العربية «قهوة العجمي» أسفل بناية العجمي، و«قهوة الراديو» في الطابق الأرضي من بناية شبيب في شارع الملوك، و«مقهى المتروبول». [16] وكثرت المقاهي في حيفا العربية حتى صارت ملتقى الأصدقاء للعب الشطرنج والطاولة. [17] وكان أهل المدينة يقصدون أيضًا سينما الأمين، وشاطئي أبو نصّور والعزيزية. [16]

وكانت حيفا محطة للفرق المصرية في طريقها إلى لبنان: قدّم فيها يوسف وهبي وفرقة رمسيس عروضهما، وأحيا فيها فريد الأطرش ست حفلات. [6]

ساحة الحناطير في حيفا قرب محطة القطار عام 1934
ساحة الحناطير في حيفا قرب محطة القطار، الساحة الحيوية في قلب المدينة، 1934. من معرض صفحة حيفا على موقع فلسطيننا.

اقرأ عن حيفا وقراها المهجّرة، والفن في فلسطين قبل النكبة.

مقاهي الناصرة وطبريا وعكا

  • الناصرة: كانت مقاهيها ملتقى أهلها، ومنها مقهى شعبي يظهر في صورة من عام 1903، ومقهى جرجورة الذي بُني في تموز 1935. [10]
  • طبريا: من مقاهيها مقهى في أحد أحيائها يظهر في صورة من عام 1925، وفيها فندق طبريا الذي يظهر في صورة من عام 1936. [11]
  • عكا: من صورها قبل النكبة مقصف (كافتيريا) من عام 1946. [12]
مقهى شعبي في مدينة الناصرة عام 1903
مقهى شعبي في الناصرة، 1903. من معرض صفحة الناصرة على موقع فلسطيننا.
مبنى مقهى جرجورة في الناصرة أثناء الإنشاء في تموز 1935
مبنى مقهى جرجورة في الناصرة أثناء الإنشاء، تموز 1935. من معرض صفحة الناصرة على موقع فلسطيننا.
مقهى في أحد أحياء مدينة طبريا عام 1925
مقهى في أحد أحياء طبريا، 1925. من معرض صفحة طبريا على موقع فلسطيننا.
كافتيريا في عكا عام 1946
مقصف (كافتيريا) في عكا، 1946. من معرض صفحة عكا على موقع فلسطيننا.

الحمامات والأندية والشاطئ

لم يكن المقهى المكان الاجتماعي الوحيد في المدينة الفلسطينية، بل كانت إلى جانبه أماكن أخرى للقاء:

  • الحمامات العامة: في عكا بنى أحمد باشا الجزار في أواخر القرن الثامن عشر «حمام الباشا»، الذي ظل يعمل نحو 150 عامًا حتى 1948، وكان مكانًا للقاء والراحة والاحتفال، يعمل فيه الحلاقون أيضًا. [20] وفي حيفا كان «الحمام الصغير» وسط سوق الشوام لعائلتي قزبر ورنو. [16] وفي غزة ما زال «حمام السمرة»، الذي يقارب عمره 900 عام، شاهدًا على هذا التقليد. [21]
  • الأندية والجمعيات: انتشرت في المدن الأندية الأدبية والفكرية والنقابات والجمعيات الخيرية، وصارت المقاهي ودور السينما والمسارح أماكن لمناقشة قضايا المجتمع. [18]
  • السينما والمسرح: تكاثرت دور السينما في القدس ويافا وحيفا، حتى بلغت في يافا خمس دور، وكان في القدس عام 1944 ثلاثون فرقة مسرحية. [18]
  • الشاطئ: كان البحر متنفس أهل يافا وحيفا، يقصدونه للسباحة والتنزه. [3] [16] [19]

اقرأ أيضًا: الرياضة في فلسطين قبل النكبة.

المقهى والسياسة والصحافة والراديو

ارتبط المقهى بالصحافة ارتباطًا وثيقًا: ففي القدس كان مقهى الصعاليك ملتقى الصحفيين، وفي يافا قام مقهى أبو شاكوش مقابل مكاتب جريدة «الدفاع»، وكان الصحفيون يلتقون مساءً في مقهى على الشاطئ لينتقد بعضهم عمل بعض. [2] [3] وكانت المقاهي منابر للدعاية الحزبية والنقاش السياسي والفكري. [1]

ثم دخل الراديو المقهى: ففي أواخر آذار 1936 بدأت إذاعة «هنا القدس» البث من فندق «بالاس» في القدس، بالعربية والإنجليزية والعبرية، وأدار قسمها العربي الشاعر إبراهيم طوقان، حتى فصلته السلطات البريطانية عام 1940. [9] واحتلت الإذاعة الفلسطينية المرتبة الثانية في الوطن العربي بعد الإذاعة المصرية. [18] وفي يافا عملت «إذاعة الشرق الأدنى العربية»، التي كانت من أشهر إذاعات الحرب العالمية الثانية. [3] وصار الاستماع إلى الأخبار والأغاني في المقهى جزءًا من الحياة اليومية. [1] [4]

اقرأ أيضًا: المكتبات والصحافة في فلسطين قبل النكبة.

المقاهي في عام النكبة

في عام 1948 انتهى هذا العالم: ففي القدس دُمّر كثير من المقاهي العربية في المدينة الجديدة، في ماملا وباب الخليل وشارع يافا، أو هُجّر أصحابها، وأُغلقت معظم مقاهي البلدة القديمة وتحولت إلى دكاكين. [1] وفي يافا لم يبق من نحو 120 ألفًا من أهلها وأهل قراها سوى نحو 4 آلاف بعد سقوطها في أيار 1948، فانتهت بتهجير أهلها حياة مقاهيها. [4] [14] وانتقلت إذاعة «هنا القدس» بعد احتلال مبناها إلى رام الله باسم «إذاعة القدس العربية». [9]

وتوقف حمام الباشا في عكا عن العمل عام 1948 بعد نحو قرن ونصف من افتتاحه. [20] وفي حيفا تشتّت أهل وادي الصليب، روّاد مقاهيه وحماماته، ووصل كثير منهم إلى مخيم اليرموك في سوريا. [16]

وفي عكا، التي بقي فيها جزء من أهلها بعد النكبة، تُظهر صورة من عام 1950 مقهى فيه فونوغراف. [12]

مقهى مع غرامافون في عكا عام 1950
مقهى فيه فونوغراف في عكا، 1950. من معرض صفحة عكا على موقع فلسطيننا.

خاتمة

كانت المقاهي قبل النكبة مرآة المدن الفلسطينية: في القدس جلس السكاكيني ورفاقه يكتبون بيان «البطالة» ويسخرون من الألقاب، وفي يافا بدأ تجار البرتقال يومهم بفنجان قهوة، وفي حيفا خرجت أم كلثوم من مقهى بلقب «كوكب الشرق». وفي كل مدينة كان الحكواتي يروي، والراديو يذيع، والناس يتناقشون في مصير البلاد. ثم جاءت النكبة فأغلقت المقاهي وشتّتت روّادها، لكن ذكراها بقيت في مذكرات أهلها وصورهم.

أسئلة شائعة عن المقاهي في فلسطين قبل النكبة

ما هو مقهى الصعاليك؟

مقهى داخل باب الخليل في القدس، تأسس عام 1918، وجعله خليل السكاكيني ورفاقه ملتقى للأدباء، وأسسوا فيه «حزب الصعاليك» الساخر الذي نُشر بيانه عام 1925.

كم كان عدد المقاهي في يافا قبل النكبة؟

أحصى علي البواب 75 مقهى في يافا قبل النكبة، منها مقهى المدفع ومقهى داوود ومقهى الانشراح ومقهى الحلواني ومقهى أبو شاكوش.

من أين جاء لقب أم كلثوم «كوكب الشرق»؟

يروي المؤرخ جوني منصور أن أم كلثوم نالت اللقب في حيفا، حين هتف بها أحد الحاضرين في حفلة في مقهى بالمدينة: «أم كلثوم أنتِ كوكب الشرق».

ماذا كان الناس يفعلون في المقاهي؟

كانوا يشربون القهوة والشاي، ويلعبون الشطرنج والطاولة، ويدخّنون النرجيلة، ويستمعون إلى الحكواتي والفونوغراف والراديو، ويقرأون الصحف ويتناقشون في السياسة والتجارة.

ما هو الكراكوز؟

عرض خيال ظل بطلاه كراكوز وعيواظ، كان يقدّم مشاهد ساخرة ومضحكة في المقاهي والساحات، ولا سيما في ليالي رمضان، مقابل أجر زهيد أو قليل من الحلوى.

ماذا كان يقدّم الحكواتي في المقاهي؟

كان يروي السِّيَر الشعبية مثل سيرة عنترة وتغريبة بني هلال وسيرة الزير سالم، جالسًا على كرسي مرتفع، وأحيانًا يغنّي ويعزف على الربابة.

ماذا حدث للمقاهي الفلسطينية عام 1948؟

دُمّر كثير من مقاهي القدس الجديدة أو هُجّر أصحابها، وأُغلقت معظم مقاهي البلدة القديمة، وفرغت مقاهي يافا بعد تهجير معظم أهلها.

المصادر والمراجع

  1. دراسة عن المقاهي في مدينة القدس، المستودع الرقمي لجامعة القدس.
  2. سليم تماري، «مقهى الصعاليك وإمارة البطالة المقدسية»، حوليات القدس، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
  3. «يافا القدس عمان وبالعكس: ذكريات وروايات»، من مذكرات شفيق الحوت وتمام الأكحل وناصر الدين النشاشيبي، موقع يافا.
  4. محمود يزبك، «يافا ما قبل النكبة: مدينة تنبض بالحياة»، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 93، 2013.
  5. وديع عواودة، «‘كوكب الشرق’.. تاج عادت به أم كلثوم من حيفا»، الجزيرة نت، 7 شباط 2015.
  6. بيسان العمري، «جوني منصور: حيفا قبل النكبة لؤلؤة بلاد الشام»، الجزيرة نت، 10 أيار 2016.
  7. سلمان ناطور، «ذاكرة حيفا على بحيرة متجمدة»، ديوان العرب، 9 أيار 2012.
  8. راضي شحادة، «المسرح في فلسطين قبل النكبة وبعدها بقليل»، ديوان العرب، 4 كانون الثاني 2026.
  9. «‘هنا القدس’.. إذاعة أطلقها الانتداب من فندق لمواجهة ‘كراهية’ العرب»، موسوعة الجزيرة نت، 16 تشرين الأول 2025.
  10. «الناصرة» (معرض الصور)، موقع فلسطيننا.
  11. «طبريا» (معرض الصور)، موقع فلسطيننا.
  12. «عكا» (معرض الصور)، موقع فلسطيننا.
  13. «بيت دجن»، تبويب القرى المهجّرة، موقع فلسطيننا.
  14. سامي أبو شحادة وفادي أبو شبيطة، «يافا: من السمو إلى التطهير العرقي»، جريدة حق العودة، مركز بديل.
  15. «حيفا» (معرض الصور)، موقع فلسطيننا.
  16. علي بدوان، «حي وادي الصليب من حيفا إلى اليرموك والعكس»، ديوان العرب، 2 نيسان 2020.
  17. جوني منصور، «رمضان في المدينة»، ديوان العرب، 4 آب 2012.
  18. أحمد سيف النصر، «كيف كانت الحياة في فلسطين قبل النكبة؟»، نون بوست، 13 أيار 2024.
  19. عبد الباسط خلف، «ذاكرة لا تصدأ» (الحلقة 14)، ديوان العرب، 23 تموز 2013.
  20. «حمام الباشا»، موسوعة أرابيكا.
  21. «الوحيد المتبقي بالمدينة وعمره يقارب 900 عام.. ‘حمام السمرة’ في غزة»، عربي بوست، 11 تموز 2022.
  22. «يافا» (معرض الصور)، موقع فلسطيننا.
افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.