سرقة الكتب الكبرى في النكبة: كيف نهب الاحتلال الصهيوني 70 ألف كتاب فلسطيني؟
في ربيع عام 1948، وبينما كانت العصابات الصهيونية تهجّر الفلسطينيين من بيوتهم في القدس ويافا وحيفا، كانت فرق من أمناء المكتبات تدخل البيوت الخالية خلفها. لم يأتوا من أجل الأثاث أو الذهب، بل من أجل الكتب.
هكذا بدأت ما يُعرف اليوم بـ«سرقة الكتب الكبرى»: نهب نحو 70 ألف كتاب فلسطيني خلال النكبة، منها قرابة 30 ألفًا من بيوت القدس وحدها. ولا يزال آلاف منها حتى اليوم على رفوف المكتبة الوطنية في دولة الاحتلال الإسرائيلي، تحمل على كعوبها رمزين فقط: AP، أي «أملاك متروكة».

ماذا حدث للكتب الفلسطينية في النكبة؟
خلال نكبة 1948 هُجّر نحو 750 ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم. وخلّفوا وراءهم بيوتًا عامرة بالأثاث والصور والوثائق والمكتبات الخاصة، على أمل العودة بعد أيام. لكن الاحتلال الصهيوني لم يكتفِ بالاستيلاء على الأرض والبيوت، بل جمع منظّمًا ما فيها من ثقافة مكتوبة.
تتفاوت التقديرات بحسب المصدر، لكن الصورة العامة واضحة:
| المصدر الجغرافي | عدد الكتب التقريبي | الجهة التي جمعتها |
|---|---|---|
| غرب القدس (القطمون، الطالبية، البقعة، المستعمرة الألمانية، المصرارة) | نحو 30,000 كتاب ومخطوط وصحيفة | المكتبة الوطنية والجامعة العبرية |
| يافا وحيفا وطبريا والناصرة ومدن أخرى | نحو 40,000 إلى 50,000 كتاب، معظمها مدرسية | «حارس أملاك الغائبين» التابع لدولة الاحتلال |
| المجموع | نحو 70,000 كتاب |
وتستند هذه الأرقام إلى أبحاث الباحث الإسرائيلي غيش عميت في أرشيفات الدولة، بحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية والجزيرة.
القدس: 30 ألف كتاب من بيوت النخبة الفلسطينية
بين أيار/مايو 1948 وشباط/فبراير 1949، دخلت فرق من موظفي المكتبة الوطنية والجامعة العبرية أحياء غرب القدس العربية، بالتنسيق مع جيش الاحتلال. كانت هذه الأحياء موطن النخبة الثقافية الفلسطينية: معلّمين وأدباء وقضاة وأطباء ورجال سياسة.
وتضمّ قوائم المكتبات المنهوبة أسماء بارزة، منها:
- خليل السكاكيني: الأديب والمربّي، من حي القطمون.
- عارف حكمت النشاشيبي وناصر الدين النشاشيبي: من عائلة النشاشيبي المقدسية.
- خليل بيدس: رائد الرواية والترجمة في فلسطين.
- يوسف هيكل: رئيس بلدية يافا الأخير قبل النكبة.
- عمر صالح البرغوثي: المحامي والمؤرّخ، وتشغل مجموعته اليوم قسمًا كاملًا في المكتبة الوطنية.
- توفيق الطيبي وغيرهم من مثقفي القدس.
ويكشف المؤرّخ إيلان بابيه أن النهب جرى بطريقتين: أفراد أخذوا الكتب إلى بيوتهم، وجهات رسمية جمعتها لصالح الدولة وسلّمتها للمكتبة الوطنية. بل إن بعض الفلسطينيين أُجبروا على المشاركة: فقد روى محمد بطراوي أن عصابات الهاغاناه أرغمته على نهب بيوت فلسطينيين آخرين، ومنها بيته هو، بحسب الجزيرة.

«وداعًا يا مكتبتي!»: حكاية خليل السكاكيني
كان خليل السكاكيني (1878–1953) من أهم المربّين والأدباء في العالم العربي. بدأ بناء بيته في حي القطمون بالقدس عام 1934، وفيه احتفظ بمكتبته الخاصة.
غادر السكاكيني بيته في 30 نيسان/أبريل 1948، وكانت عائلته من آخر العائلات التي خرجت من القطمون. وبعد شهرين، من منفاه في القاهرة، كتب في يومياته وداعًا لمكتبته بدأه بعبارة: «وداعًا يا مكتبتي!». وتساءل فيه عن مصير كتبه: هل نُهبت؟ هل أُحرقت؟ هل نُقلت إلى مكتبة عامة؟ أم صارت أوراقًا يلفّ بها البقّالون بضاعتهم؟
جاء الجواب بعد 19 عامًا. فبعد احتلال القدس الشرقية عام 1967، دخلت ابنته المكتبة الوطنية في القدس، فوجدت كتب والدها هناك، وعليها ملاحظاته بخطّ يده، بحسب غيش عميت. وحين طالب عضو الكنيست جمال زحالقة لاحقًا باستعادتها، طُلب منه أولًا تقديم قائمة بالكتب، أي أن يثبت الضحية ملكية ما سُرق منه.

أين ذهبت الكتب؟ البيع والإتلاف والرمز AP
لم تلقَ الكتب المنهوبة مصيرًا واحدًا. فبحسب الوثائق التي كشفها غيش عميت:
- بيعت الكتب المدرسية لاحقًا لمدارس عربية في الداخل الفلسطيني المحتل، أي أن الفلسطينيين دفعوا ثمن كتبهم المنهوبة.
- عام 1957 أُتلف نحو 26,000 كتاب: قرّرت السلطات أنها غير صالحة للمدارس العربية، فبيعت ورقًا للإتلاف. واعتُبر بعضها «محرّضًا» على الدولة الجديدة.
- بقي نحو 6,000 كتاب في قسم الدراسات الشرقية بالمكتبة الوطنية، ولا تزال مسجّلة رسميًا باسم «حارس أملاك الغائبين» في وزارة المالية الإسرائيلية.
- بيعت كتب أخرى في مزادات، اشترى بعضها فلسطينيون، أي أنهم اشتروا تراثهم المسروق.
محو الأسماء: من اسم المالك إلى «AP»
في البداية، سجّل موظفو المكتبة اسم صاحب كل كتاب بقلم الرصاص في داخله، وأعطوا كل مجموعة رمزًا يربطها ببيت صاحبها. لكن في أواخر الخمسينيات والستينيات مُحيت هذه الرموز، واستُبدل بها رمز واحد: AP. وبهذا قُطعت الصلة بين الكتاب وصاحبه، وصار استرداده شبه مستحيل.
«إنقاذ» أم نهب؟ تفنيد رواية الاحتلال
رواية الاحتلال الإسرائيلي
تقول المكتبة الوطنية الإسرائيلية إن جمع الكتب كان عملية إنقاذ لحمايتها من الضياع في الحرب، وإن الكتب محفوظة أمانةً لصالح «حارس أملاك الغائبين». وقال أوري باليت، أحد أمناء المكتبة الذين شاركوا في الفهرسة، إن الكتب «جُمعت ولم تُنهب»، وإن أسماء أصحابها كُتبت لكي تُعاد إليهم «يومًا ما حين يحلّ السلام»، بحسب كريستيان ساينس مونيتور.
الرد
- المُنقِذ لا يُتلف ما أنقذه. إذا كان الهدف الحماية، فكيف بيع 26 ألف كتاب ورقًا للإتلاف عام 1957؟
- المُنقِذ لا يمحو أسماء أصحابه. استبدال أسماء المالكين برمز «AP» هو عكس الحفظ تمامًا؛ إنه قطع متعمّد للصلة.
- المُنقِذ لا يمنع العودة. الاحتلال الذي «حفظ» الكتب هو نفسه الذي منع أصحابها من العودة إلى بيوتهم، ثم طالبهم بإثبات ملكيتها.
- حتى الباحث الإسرائيلي يرفض الرواية. يقول غيش عميت إنه لا يستطيع قبول وصف المكتبة لما جرى بأنه «إنقاذ»، وينتقد رفضها الاعتراف بالظلم الواقع على الفلسطينيين.
ويذهب عميت أبعد من ذلك: فقد رأى أن جمع الكتب كان جهدًا مخطّطًا لمصادرة الثقافة الفلسطينية، انطلاقًا من اعتقاد استعلائي بأن الفلسطينيين غير قادرين على حماية تراثهم. وهي الفكرة نفسها التي قامت عليها الدعاية الصهيونية: أرض بلا شعب، وشعب بلا ثقافة.
كيف كُشفت الجريمة؟ غيش عميت وفيلم «سرقة الكتب الكبرى»
ظلّت القصة مدفونة قرابة ستة عقود. ثم عثر طالب الدكتوراه الإسرائيلي غيش عميت، من جامعة بن غوريون، عام 2006 على وثائق في أرشيف المكتبة الوطنية تتحدث عن «جمع» الكتب الفلسطينية. ونشر لاحقًا أبحاثه في كتاب بعنوان «إكس ليبريس: وقائع السرقة والحفظ والاستيلاء في المكتبة الوطنية اليهودية».
واعتمد المخرج الهولندي الإسرائيلي بيني برونر على هذه الأبحاث في فيلمه الوثائقي «سرقة الكتب الكبرى» (The Great Book Robbery). برونر جندي سابق في جيش الاحتلال قاتل في حرب 1973، ثم رفض الصهيونية لاحقًا. استغرق إنجاز الفيلم خمس سنوات، وعُرض أول مرة في فلسطين يوم 12 كانون الثاني/يناير 2013 في المكتبة العلمية بالقدس، ثم بُثّ على قناة الجزيرة الإنجليزية وشوهد في خمسين دولة، بحسب عرب ليت. لكنه لم يُعرض على التلفزيون الإسرائيلي.
ورافق الفيلمَ موقعٌ إلكتروني يوثّق عناوين الكتب وأسماء أصحابها، بهدف الوصول إلى ورثتهم.

الكتب المنهوبة اليوم: هل يمكن استعادتها؟
لا تزال نحو 6,000 كتاب فلسطيني منهوب موجودة في المكتبة الوطنية الإسرائيلية، ويمكن البحث عنها في فهرسها الإلكتروني. لكن استعادتها تصطدم بعقبات:
- عبء الإثبات على الضحية: تشترط المكتبة أن يثبت الورثة ملكية الكتب، بينما فقدت معظم العائلات وثائقها حين هُجّرت.
- محو الأسماء: رمز «AP» أخفى أصل آلاف الكتب.
- قانون أملاك الغائبين: تعتبر دولة الاحتلال كل ما تركه المهجّرون ملكًا لـ«حارس أملاك الغائبين»، وهو القانون نفسه الذي صادر بيوتهم وأراضيهم.
وفي حالات نادرة، وجد أحفاد كتب أجدادهم. فقد عثرت رشا البرغوثي على كتابين لجدّها عمر صالح البرغوثي في المكتبة الوطنية، حيث تشغل مجموعته قسمًا كاملًا. لكن العثور على الكتاب شيء، واستعادته شيء آخر.
ولا تزال القصة تُلهم الأجيال الجديدة. ففي عام 2026 أصدرت الشاعرة الفلسطينية لينا جودت مجموعة شعرية بعنوان «70,000»، تكتب فيها الأرقام من واحد حتى سبعين ألفًا بخط يدها، وتتخيّل كل رقم كتابًا فلسطينيًا مسروقًا، بحسب الشرق للأخبار.

سرقة الكتب الكبرى ليست حادثة جانبية في النكبة. إنها الوجه الثقافي لاحتلال فلسطين: فمن يستولي على الأرض يحتاج أيضًا إلى الاستيلاء على ذاكرة أهلها، لكي يقول إنهم لم يكونوا هنا.
أسئلة شائعة عن سرقة الكتب الفلسطينية في النكبة
ما هي سرقة الكتب الكبرى؟
هي نهب الاحتلال الصهيوني نحو 70 ألف كتاب من بيوت الفلسطينيين ومؤسساتهم خلال نكبة 1948، منها نحو 30 ألفًا من بيوت غرب القدس جمعتها المكتبة الوطنية والجامعة العبرية.
كم كتابًا فلسطينيًا نُهب عام 1948؟
نحو 70 ألف كتاب بحسب التقديرات الأكثر تداولًا: قرابة 30 ألفًا من القدس، و40 إلى 50 ألفًا من يافا وحيفا وطبريا والناصرة.
ماذا يعني رمز AP على الكتب الفلسطينية؟
يعني «Abandoned Property» أي «أملاك متروكة». وقد وضعته المكتبة الوطنية الإسرائيلية على الكتب المنهوبة بدل أسماء أصحابها، فقطعت صلتها بهم.
أين توجد الكتب الفلسطينية المنهوبة اليوم؟
نحو 6,000 كتاب ما زالت في المكتبة الوطنية الإسرائيلية في القدس، مسجّلة باسم «حارس أملاك الغائبين». وأُتلف نحو 26 ألف كتاب عام 1957، وبيعت كتب أخرى لمدارس عربية أو في مزادات.
من صاحب أشهر مكتبة منهوبة في النكبة؟
من أشهرها مكتبة الأديب والمربّي خليل السكاكيني في حي القطمون بالقدس، الذي كتب في منفاه بالقاهرة وداعًا مؤثرًا لمكتبته، ثم وجدت ابنته كتبه في المكتبة الوطنية عام 1967.
من كشف سرقة الكتب الفلسطينية؟
كشفها الباحث الإسرائيلي غيش عميت عام 2006 أثناء أبحاث الدكتوراه في أرشيف المكتبة الوطنية، ثم وثّقها المخرج بيني برونر في فيلم «سرقة الكتب الكبرى».
اقرأ أيضًا في فلسطيننا
- ملف النكبة الفلسطينية
- القرى والمدن الفلسطينية المهجّرة
- فلسطين قبل النكبة
- كل مواد التراث الفلسطيني في موسوعة فلسطيننا
المصادر
- ممتلكات لا مالك لها؟ قصة الكتب التي تركها الفلسطينيون وراءهم عام 1948، غيش عميت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية
- Israel's 'Great Book Robbery' unravelled، الجزيرة الإنجليزية، 29 كانون الثاني 2013
- Scores of Palestinian books, Nakba's lesser-known victims، مجلة +972، 29 كانون الثاني 2012
- Israelis, Palestinians dispute books appropriated in 1948، كريستيان ساينس مونيتور، 27 شباط 2013
- Stolen Books, Stolen Identity، نورا ليستر مراد، عرب ليت، 20 كانون الثاني 2013
- The Nakba and the Great Book Robbery of 1948، موندوايس، 25 تشرين الأول 2010
- Ex-Libris: Chronicles of Theft, Preservation, and Appropriating at the Jewish National Library، مجلة أسطور، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
- Khalil Sakakini، ويكيبيديا
- 70 ألف قصيدة لمكتبات فلسطين المسروقة، الشرق للأخبار، 12 تشرين الأول 2026
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.