فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

التراث الفلسطيني

البرتقال اليافاوي: كيف صار برتقال فلسطين علامة «Jaffa» إسرائيلية؟

البرتقال اليافاوي: كيف صار برتقال فلسطين علامة «Jaffa» إسرائيلية؟

في متاجر بريطانيا، يمكنك أن تشتري برتقالًا يحمل علامة «Jaffa»، وقد زُرع في البيرو أو جنوب أفريقيا. أما يافا نفسها، المدينة التي أعطت البرتقال اسمه، فقد هُجّر معظم أهلها عام 1948، واستولى الاحتلال الصهيوني على بياراتهم، ثم صار اسم مدينتهم علامة تجارية يُرخّصها مجلس إسرائيلي لمن يدفع.

هذه قصة البرتقال اليافاوي: فاكهة طوّرها فلاحون فلسطينيون في القرن التاسع عشر، وصارت أشهر صادرات فلسطين، ورمزًا لمدينة كانت «عروس البحر»، ثم تحوّلت بعد النكبة إلى رمز لدولة قامت على أنقاض أصحابها.

بيارات البرتقال في يافا قبل النكبة عام 1948
بيارات البرتقال حول يافا قبل النكبة. 

الشموطي: برتقال طوّره فلاحو يافا

عُرف البرتقال في بلاد الشام منذ قرون، لكن البرتقال اليافاوي بصيغته المعروفة عالميًا وُلد في منتصف القرن التاسع عشر. فقد طوّر مزارعون فلسطينيون في محيط يافا، خلال العهد العثماني، صنفًا جديدًا يُسمّى «الشموطي»، نشأ من طفرة على شجرة برتقال «بلدي»، بحسب ويكيبيديا. وتنسب الكاتبة الإسرائيلية يانا غور تطويره إلى مزارع اسمه أنطون أيوب، بحسب مجلة تابلت.

تميّز الشموطي بصفات جعلته مثاليًا للتصدير:

  • قشرة سميكة سهلة التقشير تحمي الثمرة في الرحلات البحرية الطويلة.
  • بذور قليلة وطعم حلو.
  • قدرة عالية على التخزين، ما سمح بوصوله إلى أوروبا سليمًا.

أي أن «البرتقال اليافاوي» ليس مجرد برتقال زُرع في يافا، بل صنف زراعي طوّره فلاحون فلسطينيون بخبرتهم وتجربتهم.

العصر الذهبي: من 200 ألف برتقالة إلى ملايين الصناديق

مع ظهور السفن البخارية التي اختصرت الرحلة إلى أوروبا، انطلقت صادرات البرتقال اليافاوي:

السنةحجم صادرات برتقال يافا
1845نحو 200,000 برتقالة
1870نحو 38 مليون برتقالة
1900نحو 650,000 صندوق
الثلاثينياتعشرات ملايين الصناديق سنويًا

المصادر: ويكيبيديا وعربي بوست وزوخروت.

وفي عام 1870 استخدمت شركة تصدير ألمانية اسم «Jaffa» علامةً تجارية لأول مرة، ووصل البرتقال إلى الأسواق العالمية. وفي فترة ما بين الحربين العالميتين، شكّلت الحمضيات نحو 75% من صادرات فلسطين، بحسب مجلة تابلت. وبحلول 1939 كانت البيارات تشغّل أكثر من 100,000 عامل.

من كان يملك البيارات؟

كانت البيارات الأولى ملكًا في الغالب لتجّار فلسطينيين أثرياء. ومع الهجرة اليهودية في عهد الانتداب، اشترت جهات صهيونية بيارات كثيرة، حتى صار اليهود يملكون نحو نصف بيارات المنطقة بحلول 1928، وتجاوز إنتاجهم إنتاج العرب عام 1933. لكن الإنتاج العربي استعاد الصدارة خلال الحرب العالمية الثانية، بحسب ويكيبيديا. أي أن البيارات الفلسطينية كانت حتى عشية النكبة جزءًا أساسيًا من هذه الصناعة.

يافا: مدينة صنعها البرتقال

لم يكن البرتقال مجرد محصول في يافا، بل اقتصاد مدينة كاملة. فقد ربطت تجارته يافا بأسواق أوروبا والبحر المتوسط، وقامت عليه البنوك وشركات الشحن والنقل ومكاتب الاستيراد والتصدير، ووفّر آلاف فرص العمل، بحسب زوخروت.

هكذا صارت يافا «عروس البحر»، ومن أكثر مدن فلسطين حداثة وانفتاحًا قبل 1948: ميناء ومطابع وصحف ودور سينما، وبيارات تمتد حولها حتى الأفق، تفوح منها رائحة زهر البرتقال في الربيع. ولموقع «فلسطيننا» مقال عن أكلات يافا والساحل الفلسطيني قبل النكبة.

صناديق البرتقال اليافاوي في ميناء يافا قبل تصديرها إلى أوروبا
ميناء يافا: من هنا خرج البرتقال الفلسطيني إلى العالم.

1948: البيارات بلا أصحابها

في النكبة عام 1948، هجّر الاحتلال الإسرائيلي معظم أهل يافا وقرى قضائها. وبعد الحرب، صادرت دولة الاحتلال بيارات المهجّرين ومنحتها لمستوطنين يهود. وصار «قانون أملاك الغائبين» لعام 1950 ينقل ملكية كل ما تركه الفلسطينيون المهجّرون إلى «حارس أملاك الغائبين» التابع للدولة، بحسب زوخروت.

والأقسى أن بعض الفلاحين الذين بقوا في البلاد صاروا يعملون عمّالًا مياومين في البيارات نفسها التي زرعتها عائلاتهم أجيالًا. يقطفون البرتقال من أشجار أجدادهم، لصالح من استولى عليها.

وتقول ويكيبيديا إن صناعة الحمضيات صُوّرت لاحقًا على أنها مشروع لحركة العمل الصهيونية «بلا وجود عربي»، رغم أن كثيرًا من البيارات العربية انتُزعت من أصحابها بعد 1948.

من رمز فلسطين إلى رمز إسرائيل

كان البرتقال رمزًا لفلسطين قبل النكبة، حتى إن أحد مقترحات العلم الفلسطيني عام 1929 تضمّن البرتقال. لكن بعد 1948 انقلب الرمز:

  • في الخمسينيات والستينيات صار البرتقال شعارًا لدولة الاحتلال، ولُقّبت تل أبيب بـ«البرتقالة الكبيرة».
  • بلغت الحمضيات الإسرائيلية ذروتها مطلع السبعينيات، بمساحة تجاوزت 100,000 فدان وصادرات نحو مليون طن سنويًا من برتقال «يافا».
  • كتبت الكاتبة الإسرائيلية يانا غور أن برتقال يافا كان «رمزًا للتعاون اليهودي العربي»، لكنها أقرّت بأن الفلسطينيين صاروا يرون فيه بعد 1948 رمزًا لمنفاهم القسري.

هكذا تحوّلت الفاكهة التي طوّرها فلاحو يافا، وصدّرها تجّارها، إلى شعار لدولة هجّرتهم.

«Jaffa» علامة تجارية: برتقال من البيرو باسم يافا

ثم جاء الانحدار. فمنذ الثمانينيات تراجعت الحمضيات الإسرائيلية بسبب المنافسة وشحّ المياه وارتفاع أسعار الأراضي، فباع المزارعون أراضيهم للمطوّرين العقاريين. وتقلّصت البيارات من ذروة بلغت 500,000 دونم إلى نحو 180,000 دونم، بحسب غلوبس. وفي موسم 2019/2020 قُطف 42,000 طن فقط من البرتقال، وصُدّر نحو 2,000 طن، بحسب مجلة تابلت.

لكن الاسم بقي، وصار سلعة بحد ذاته:

  • مالك الاسم: تملك اسم المنشأ «Jaffa» شعبة الحمضيات في مجلس الإنتاج والتسويق الزراعي الإسرائيلي، بحسب وورلد تريدمارك ريفيو.
  • الترخيص: يدفع متجر «تيسكو» البريطاني للمجلس الإسرائيلي نحو مليون شيكل في الموسم لاستخدام علامة «Jaffa»، بحسب غلوبس.
  • برتقال ليس من يافا: تُباع تحت هذه العلامة حمضيات مزروعة في البيرو وجنوب أفريقيا، حين لا يكون البرتقال الإسرائيلي في موسمه، بحسب جويش كرونيكل.
  • القضاء يقرّ: أبقت لجنة استئناف إسرائيلية على تسجيل اسم المنشأ «Jaffa» رغم استخدامه لتسويق برتقال مزروع في جنوب أفريقيا.

تأمّل المفارقة: اسم «يافا» يمكن أن يُلصق على برتقالة من البيرو، ما دام المجلس الإسرائيلي يقبض ثمنه. أما الفلسطيني اليافاوي المهجّر، صاحب البيارة والاسم، فلا يحقّ له العودة إلى أرضه.

بطاقة توضيحية لعلامة Jaffa التجارية على برتقال مزروع خارج يافا
علامة «Jaffa»: اسم مدينة فلسطينية يُرخَّص على برتقال من مناطق عده.

أرض البرتقال الحزين

لم يبقَ البرتقال اليافاوي في الذاكرة الفلسطينية فاكهة، بل صار رمزًا للمنفى. ففي عام 1958 كتب الأديب الفلسطيني غسان كنفاني، ابن عكا، قصته «أرض البرتقال الحزين»، التي صدرت ضمن مجموعة بالاسم نفسه عام 1962. تروي القصة رحلة عائلة هُجّرت من يافا إلى عكا ثم إلى لبنان، والأب يحمل معه برتقالة من أرضه، بحسب عربي بوست.

ومن أشهر ما جاء فيها أن «البرتقال يذبل إذا ما تغيّرت اليد التي تتعهّده بالماء». وكأن كنفاني تنبّأ بما سيحدث: فالبيارات التي ازدهرت بأيدي أصحابها، ذبلت بعد أن انتُزعت منهم، ولم يبقَ منها اليوم سوى اسم يُباع.

البرتقال اليافاوي هو قصة النكبة في ثمرة واحدة: فلاحون طوّروا صنفًا، وتجّار بنوا عليه مدينة، واحتلال استولى على الأرض ثم على الاسم، وحوّل كليهما إلى سلعة. لكن الفلسطيني الذي يحمل في ذاكرته رائحة زهر البرتقال في يافا، يعرف أن الاسم وحده لا يكفي لصنع الأصل.

أسئلة شائعة عن البرتقال اليافاوي

هل البرتقال اليافاوي فلسطيني؟

نعم. طوّر مزارعون فلسطينيون صنف «الشموطي» المعروف عالميًا باسم برتقال يافا في محيط يافا في منتصف القرن التاسع عشر، خلال العهد العثماني، قبل قيام إسرائيل بنحو قرن.

ما هو صنف الشموطي؟

صنف برتقال نشأ من طفرة على شجرة برتقال «بلدي» قرب يافا، يتميّز بقشرة سميكة سهلة التقشير، وبذور قليلة، وقدرة عالية على التخزين، ما جعله مثاليًا للتصدير.

كم كانت صادرات برتقال يافا قبل النكبة؟

ارتفعت من نحو 200,000 برتقالة عام 1845 إلى 38 مليون برتقالة عام 1870، ثم إلى عشرات ملايين الصناديق في الثلاثينيات. وشكّلت الحمضيات نحو 75% من صادرات فلسطين بين الحربين العالميتين.

ماذا حدث لبيارات يافا عام 1948؟

هُجّر معظم أهل يافا في النكبة، وصادرت دولة الاحتلال بياراتهم بموجب «قانون أملاك الغائبين» ومنحتها لمستوطنين، وعمل بعض من بقوا عمّالًا مياومين في بياراتهم السابقة.

من يملك علامة «Jaffa» التجارية اليوم؟

شعبة الحمضيات في مجلس الإنتاج والتسويق الزراعي الإسرائيلي، التي ترخّص الاسم لمتاجر مثل «تيسكو» البريطاني مقابل نحو مليون شيكل في الموسم، حتى على حمضيات مزروعة في البيرو وجنوب أفريقيا.

ما قصة «أرض البرتقال الحزين»؟

قصة قصيرة كتبها غسان كنفاني عام 1958، تروي تهجير عائلة فلسطينية من يافا عام 1948، وصارت رمزًا أدبيًا لارتباط البرتقال بالنكبة والمنفى.

اقرأ أيضًا في فلسطيننا

المصادر

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.