فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

التراث الفلسطيني

من الحرم الإبراهيمي إلى مسجد بلال: كيف يحاول الاحتلال إعاده كتابة تاريخ المقدّسات؟

من الحرم الإبراهيمي إلى مسجد بلال: كيف يحاول الاحتلال إعاده كتابة تاريخ المقدّسات؟

في الخليل مسجد عمره قرون، يسمّيه المسلمون الحرم الإبراهيمي. وعند المدخل الشمالي لبيت لحم مسجد آخر يحمل اسم الصحابي بلال بن رباح. واليوم، إذا بحثت عنهما في خرائط الاحتلال الإسرائيلي ولافتاته، فلن تجد هذين الاسمين: الأول صار «مغارة الماكفيلا»، والثاني صار «قبر راحيل».

لم يكن تغيير الاسم سوى البداية. ففي الخليل قُسّم المسجد بعد مجزرة، ثم أُدرج في قائمة «التراث اليهودي»، ثم نُقلت صلاحياته إلى مجلس مستوطنة. وفي بيت لحم أُحيط المسجد بجدار من الإسمنت وضُمّ إلى القدس. هذه قصة كيف يعيد الاحتلال الصهيوني كتابة تاريخ المقدّسات الفلسطينية، خطوة بعد خطوة، منذ احتلال الضفة عام 1967.

الحرم الإبراهيمي: مسجد في قلب الخليل

يقوم الحرم الإبراهيمي في قلب البلدة القديمة بالخليل، داخل سور حجري يعود إلى القرن الأول الميلادي، بُني لحماية قبور النبي إبراهيم عليه السلام وعائلته. وصار الموقع على مدى قرون مقصدًا للحجّاج من أتباع الديانات الثلاث، بحسب اليونسكو.

وارتبطت المدينة كلها بالمسجد حتى في اسمها: «الخليل» نسبة إلى «خليل الرحمن» إبراهيم. وتشكّلت البلدة القديمة حوله في العهد المملوكي (1250–1517)، بحجرها الجيري المحلي وأحيائها المتلاصقة، ثم توسّعت في العهد العثماني.

مجزرة 1994: من الدم إلى التقسيم

فجر يوم الجمعة 25 شباط/فبراير 1994، في شهر رمضان، كان نحو 400 إلى 500 مصلٍّ يؤدّون صلاة الفجر في الحرم الإبراهيمي. دخل المستوطن باروخ غولدشتاين، وهو طبيب وضابط احتياط في جيش الاحتلال من مستوطنة «كريات أربع» وعضو في حركة «كاخ» العنصرية، وأطلق النار على المصلّين وهم سجود.

قُتل 29 مصلّيًا وأُصيب نحو 150. ثم قتل جنود الاحتلال أكثر من 20 فلسطينيًا آخرين في المواجهات التي تلت المجزرة، بحسب معهد التفاهم للشرق الأوسط.

عقاب الضحية

المفارقة أن العقاب لم يقع على المستوطنين، بل على أهل الخليل:

  • فُرض حظر تجول شامل على الفلسطينيين في المدينة، لا على المستوطنين.
  • أُغلق شارع الشهداء، شريان البلدة القديمة، ولُحمت أبواب محلاته، ومُنع الفلسطينيون من السير فيه.
  • وجدت لجنة التحقيق الإسرائيلية، المعروفة بـ«لجنة شمغار»، أن غولدشتاين تصرّف وحده، فبرّأت المؤسسة الإسرائيلية من المسؤولية.

تقسيم المسجد: 63% مقابل 37%

وكانت أخطر نتائج المجزرة تقسيم المسجد نفسه. فقد أوصت لجنة شمغار بتخصيص 63% من الحرم للمستوطنين، بما في ذلك منطقة الأذان، وترك 37% فقط للمسلمين، بحسب ذا نيو عرب. كما يُغلق المسجد أمام المسلمين بالكامل عشرة أيام في السنة خلال الأعياد اليهودية.

بهذا تحوّلت المجزرة إلى «مكسب» لمن ارتكبها: قُتل المصلّون، وأُخذ أكثر من نصف مسجدهم. ويعيش اليوم في البلدة القديمة بالخليل نحو 400 مستوطن، يحرسهم نحو 1,500 جندي من جيش الاحتلال.

2010: المسجدان في قائمة «التراث اليهودي»

في شباط/فبراير 2010، أعلن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ضمّ الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال بن رباح إلى قائمة مواقع «التراث القومي» الإسرائيلية، ضمن خطة بقيمة نحو 106 ملايين دولار لترميم 150 موقعًا تراثيًا خلال ست سنوات، بحسب الكاتب ستانلي مايسلر.

والمشكلة أن المسجدين يقعان في الضفة الغربية المحتلة، لا داخل أراضي 1948. أي أن دولة الاحتلال أدرجت في «تراثها القومي» مواقع في أرض تعترف الأمم المتحدة بأنها محتلة. وكتب الصحفي أوستن إيفريه أن مثل هذه «الترميمات» وسيلة لضمّ الأرض الفلسطينية وتثبيت المستوطنات، بحسب مجلة أمريكا.

ردّ اليونسكو: «جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة»

قرار 2010

في تشرين الأول/أكتوبر 2010 تبنّى المجلس التنفيذي لليونسكو قرارًا يحثّ دولة الاحتلال على إزالة الموقعين من قائمة تراثها القومي. ووصف القرار الموقعين بأنهما ذوا أهمية دينية لليهودية والمسيحية والإسلام، وأكّد أنهما «جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة».

صوّتت لصالح القرار 44 دولة، وعارضته دولة واحدة هي الولايات المتحدة، وامتنعت 12 دولة. أما نتنياهو فوصف القرار بأنه «سخيف»، ومحاولة لفصل الشعب اليهودي عن تراثه، رغم أن القرار نفسه أقرّ بالأهمية الدينية للموقعين لليهود.

قرار 2017: الخليل تراث فلسطيني مهدَّد

وفي 7 تموز/يوليو 2017، خلال الدورة 41 للجنة التراث العالمي في كراكوف ببولندا، أدرجت اليونسكو «البلدة القديمة في الخليل» على قائمة التراث العالمي باسم فلسطين، وفي الوقت نفسه على قائمة التراث العالمي المعرّض للخطر، بحسب اليونسكو. ويشمل الإدراج الحرم الإبراهيمي في قلب البلدة.

2025–2026: صلاحيات المسجد لمجلس مستوطنة

بقي تقسيم 1994 على حاله أكثر من ثلاثين عامًا. ثم بدأت في 2025 مرحلة جديدة هي الأخطر منذ المجزرة:

  1. شباط/فبراير 2025: نُقلت صلاحيات تخطيطية في المسجد من وزارة الأوقاف الفلسطينية إلى سلطة التخطيط في «الإدارة المدنية» التابعة للاحتلال.
  2. تموز/يوليو 2025: سحبت «الإدارة المدنية» صلاحيات من بلدية الخليل الفلسطينية ونقلتها إلى المجلس الديني لمستوطنة «كريات أربع»، بهدف تسهيل «تغييرات هيكلية» في الموقع. ووصفت صحيفة «يسرائيل هيوم» الخطوة بأنها «تاريخية وغير مسبوقة»، بحسب ميدل إيست مونيتور.
  3. 20 أيار/مايو 2026: رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية التماس بلدية الخليل والأوقاف ولجنة إعمار الخليل ضد أمر الاستيلاء على سطح الصحن الداخلي للمسجد، بمساحة 288 مترًا مربعًا، لتسقيفه ببناء دائم، بحسب وكالة وفا.

واعتبرت وزارة الأوقاف الفلسطينية أن الحكم «يشرعن الاستيلاء على فضاء المسجد»، وحذّرت من أن المشروع قد يضرّ بالآثار ويغيّر طابع الموقع المسجّل على قائمة التراث العالمي. ودعت الفلسطينيين إلى تكثيف الحضور في المسجد، واليونسكو والمجتمع الدولي إلى التدخّل.

هكذا انتقل الحرم الإبراهيمي في ثلاثة عقود من مسجد، إلى مسجد مقسّم، إلى «تراث يهودي»، إلى موقع تديره مستوطنة. وكل خطوة بُنيت على التي قبلها.

مسجد بلال بن رباح: من قبة على الطريق إلى قلعة خلف الجدار

مكان مشترك عبر القرون

عند المدخل الشمالي لبيت لحم، على طريق القدس–الخليل، تقع قبة يسمّيها المسلمون «قبة راحيل» أو «مسجد بلال بن رباح». بنى محمد باشا في العهد العثماني عام 1560 القبة القائمة فوق الضريح. وفي القرن التاسع عشر أضاف المحسن اليهودي البريطاني موشيه مونتفيوري غرفتين وممرًّا فيه محراب لصلاة المسلمين، بحسب موقع بلدية بيت لحم السياحي.

وتجاور الموقع مقبرة إسلامية قديمة. وظلّ الموقع في عهد الانتداب البريطاني تحت إدارة فلسطينية، مفتوحًا لأتباع الديانات الثلاث، بحسب مجلة أمريكا.

بعد 1967: إغلاق ثم تحصين

  • بعد احتلال 1967: صادر الاحتلال الموقع، ومُنع المسلمون من الصلاة فيه ومن دفن موتاهم في المقبرة المجاورة، وأُزيل الهلال عن أبواب القبة.
  • منذ 1994: بدأ تحصين الموقع عسكريًا تحت ذريعة الحماية.
  • بعد الانتفاضة الثانية: أُقيم حاجز عسكري عند مدخل بيت لحم، وضرب ذلك الحركة التجارية في المنطقة.

11 أيلول 2002: الضمّ إلى القدس

في 11 أيلول/سبتمبر 2002 قرّر المجلس الوزاري الأمني في حكومة الاحتلال إبقاء الموقع تحت سيطرته بضمّه إلى ما وراء جدار الفصل. وتضمّنت الخطة طريقًا بطول نحو كيلومتر وعرض 20 مترًا، بين جدارين بارتفاع 10 أمتار، ومصادرة نحو 20 دونمًا، بحسب مشروع رصد الاستيطان (بويكا).

وهدّدت الخطة بإخلاء أو هدم 12 إلى 15 مبنى سكنيًا، وورشًا ومصنعًا، واقتلاع 400 إلى 500 شجرة زيتون، إضافة إلى المقبرة الإسلامية وأملاك الكنيسة الأرمنية. واليوم يقع المسجد خلف الجدار، محاطًا بالأسوار وأبراج المراقبة، ضمن ممرّ يصل إليه الإسرائيليون من القدس، ولا يصل إليه أهل بيت لحم الذين يعيشون على بُعد أمتار منه.

مسجد بلال بن رباح عند مدخل بيت لحم محاطًا بجدار الفصل العنصري
مسجد بلال بن رباح عند مدخل بيت لحم، خلف جدار الفصل.

كيف تُعاد كتابة تاريخ المقدّسات؟ خمس خطوات

إذا وضعنا قصة المسجدين جنبًا إلى جنب، يظهر نمط متكرّر يتّبعه الاحتلال الإسرائيلي:

الخطوةالحرم الإبراهيميمسجد بلال بن رباح
1. تغيير الاسم«مغارة الماكفيلا»«قبر راحيل»
2. تقييد الوصولإغلاق عشرة أيام سنويًا أمام المسلمينمنع الصلاة والدفن بعد 1967
3. التقسيم أو العزل63% للمستوطنين بعد مجزرة 1994العزل خلف الجدار منذ 2002
4. الضمّ الرمزيقائمة «التراث القومي» 2010قائمة «التراث القومي» 2010
5. نقل السيطرة الإداريةصلاحيات لمجلس مستوطنة كريات أربع 2025الضمّ الفعلي إلى نطاق القدس

في كل خطوة يُقدَّم التغيير على أنه «حماية» أو «ترميم» أو «إدارة»، لا على أنه استيلاء. ولا يحتاج الاحتلال إلى إنكار أن المسلمين صلّوا هنا قرونًا؛ يكفيه أن يغيّر الاسم أولًا، ثم يقسّم، ثم يدير، حتى يصبح الحاضر الجديد هو الرواية الوحيدة.

والمقدّسات في هذا ليست استثناء، بل جزء من سياسة أوسع بدأت بالنكبة: محو الأسماء، ونهب الكتب، والاستيلاء على الأرض. والفرق أن معركة المقدّسات لا تزال تُخاض الآن، كل يوم، في الخليل وبيت لحم، تحت عيون العالم.

أسئلة شائعة عن الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال

ما الاسم الذي يطلقه الاحتلال على الحرم الإبراهيمي؟

يسمّيه «مغارة الماكفيلا» أو «كهف البطاركة» (Cave of the Patriarchs)، ويقدّمه موقعًا يهوديًا، رغم أنه مسجد إسلامي قائم منذ قرون.

متى وقعت مجزرة الحرم الإبراهيمي؟

فجر الجمعة 25 شباط/فبراير 1994، في رمضان، حين قتل المستوطن باروخ غولدشتاين 29 مصلّيًا وأصاب نحو 150 خلال صلاة الفجر.

كيف قُسّم الحرم الإبراهيمي؟

بعد المجزرة أوصت لجنة شمغار الإسرائيلية بتخصيص 63% من الحرم للمستوطنين و37% فقط للمسلمين، ويُغلق المسجد أمام المسلمين عشرة أيام في السنة.

ما هو مسجد بلال بن رباح؟

مسجد وقبة عند المدخل الشمالي لبيت لحم، يسمّيه الاحتلال «قبر راحيل». ضمّه الاحتلال خلف جدار الفصل بقرار في 11 أيلول/سبتمبر 2002، ويُمنع أهل بيت لحم من الوصول إليه.

ماذا قالت اليونسكو عن الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال؟

عام 2010 أكّد المجلس التنفيذي لليونسكو أن الموقعين «جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية المحتلة»، وحثّ دولة الاحتلال على إزالتهما من قائمة تراثها. وعام 2017 أدرجت البلدة القديمة في الخليل على قائمة التراث العالمي باسم فلسطين وعلى قائمة التراث المعرّض للخطر.

ما آخر إجراءات الاحتلال في الحرم الإبراهيمي؟

في تموز/يوليو 2025 نقل الاحتلال صلاحيات في المسجد من بلدية الخليل إلى المجلس الديني لمستوطنة كريات أربع. وفي أيار/مايو 2026 رفضت محكمته العليا الالتماس ضد الاستيلاء على سطح الصحن الداخلي للمسجد لتسقيفه.

اقرأ أيضًا في فلسطيننا

المصادر

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.