فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

التراث الفلسطيني

أرشيف بيروت المنهوب: كيف سرق الاحتلال الإسرائيلي ذاكرة فلسطين عام 1982

أرشيف بيروت المنهوب: كيف سرق الاحتلال الإسرائيلي ذاكرة فلسطين عام 1982

في أيلول/سبتمبر 1982، وبينما كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي تجتاح بيروت الغربية، توقّفت ثلاث شاحنات عسكرية أمام مبنى في شارع الحمراء. لم تكن تحمل جنودًا ولا ذخيرة، بل كانت تنتظر حمولة من نوع آخر: ذاكرة الشعب الفلسطيني.

في تلك الأسابيع نهب جيش الاحتلال مكتبة مركز الأبحاث الفلسطيني وأرشيفه، واختفى أرشيف السينما الفلسطينية الأول، وصودرت آلاف الصور التي وثّقت حياة الفلسطينيين قبل النكبة وبعدها. بعضها أُعيد بعد عام في صفقة تبادل أسرى، ثم ضاع في الصحراء. وبعضها لا يزال حتى اليوم في أرشيف جيش الاحتلال، تحت تصنيف «مادة مقيّدة».

مبنى مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت الذي نهبه الاحتلال الإسرائيلي عام 1982
مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، الذي نهب الاحتلال مكتبته وأرشيفه عام 1982.

بيروت قبل 1982: عاصمة الذاكرة الفلسطينية

بعد نكبة 1948 واحتلال فلسطين وتشتّت الفلسطينيين في المنافي، صارت بيروت في السبعينيات المركز الثقافي للثورة الفلسطينية. هناك تأسّست مؤسسات حملت على عاتقها مهمة واحدة: أن يكتب الفلسطينيون تاريخهم بأنفسهم، ويصوّروه بعدساتهم.

المؤسسةالتأسيسما كانت تحفظه
مركز الأبحاث الفلسطيني التابع لمنظمة التحرير1965نحو 25,000 مجلد بالعربية والإنجليزية والعبرية، وأرشيف وثائق، ومجموعة ميكروفيلم
وحدة أفلام فلسطين، ثم مؤسسة السينما الفلسطينيةأواخر الستينياتنحو 90 فيلمًا فلسطينيًا وأفلامًا تضامنية عربية وعالمية، وصفته خديجة حبشنة بأنه «أول أرشيف أفلام في العالم العربي»
قسم الثقافة والفنون في منظمة التحريرالسبعينياتمجموعات صور توثّق فلسطين قبل 1948 وبعدها، وحياة اللاجئين في المخيمات

أسّس مركز الأبحاث الأكاديمي فايز صايغ بقرار من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير في 28 شباط/فبراير 1965، ثم أداره شقيقه أنيس صايغ حتى 1977، ومرّ عليه الشاعر محمود درويش، ثم تولّاه صبري جريس، بحسب ويكيبيديا. ووصفه أحمد الشقيري بأنه «عقل المنظمة». وفي أواخر السبعينيات عمل فيه نحو 80 باحثًا وموظفًا، بحسب تايمز أوف إسرائيل.

ولم يكن المركز آمنًا قبل 1982 أيضًا: انفجر فيه طرد مفخّخ عام 1971، وأفقد طرد آخر مديره أنيس صايغ أحد أصابعه وأضرّ بسمعه عام 1972، ثم أُصيب المبنى بالصواريخ أواخر 1974.

15 أيلول 1982: ثلاث شاحنات لمكتبة مركز الأبحاث

خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان، اقتحمت كتيبة من لواء «غولاني» مبنى مركز الأبحاث في الحمراء، ثم تولّت وحدة استخبارات متخصّصة جمع الوثائق، بحسب المجلة.

احتلّ جنود الاحتلال المبنى أسبوعًا كاملًا. وفي 15 أيلول/سبتمبر 1982 حُمّلت مكتبة المركز ومجموعة الميكروفيلم على ثلاث شاحنات ونُقلت إلى دولة الاحتلال. ولم يكتفِ الجنود بالكتب: حطّموا الأثاث، وكسروا الخزنة، وسرقوا الهواتف والمدافئ والمراوح والمطبعة. وقُدّرت الخسائر المادية بنحو 1.5 مليون دولار، بحسب ويكيبيديا.

لكن صبري جريس كان قد توقّع الأسوأ، فنقل قبل الاجتياح الوثائق النادرة والملفات الحساسة إلى خارج لبنان، ومنها مخطوطات شهادات فلسطينية سمّاها «الأرشيف الحقيقي»، بحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

أرشيف السينما الفلسطينية: «سرق الجنود فيلمي»

في الأيام نفسها، اختفى أثمن ما وثّقته الثورة الفلسطينية بالصورة المتحرّكة: أرشيف مؤسسة السينما الفلسطينية. كانت الوحدة قد تأسّست أواخر الستينيات ذراعًا بصرية لمنظمة التحرير، وكان من مؤسسيها المصوّر هاني جوهرية الذي استُشهد وهو يصوّر على خط الجبهة، والمخرج مصطفى أبو علي.

تولّت المخرجة خديجة حبشنة تنظيم الأرشيف وبناءه. وحين اجتاح الاحتلال بيروت، كانت تعمل على مونتاج فيلمها الثاني «نساء في فلسطين» في استوديو ببيروت. أرسلت بعد أيام من يُحضر المواد، فلم يجدوا شيئًا. وتقول: «جنود إسرائيليون سرقوا فيلمي، ولم يعد موجودًا»، مضيفة أن الجنود الإسرائيليين وحدهم كانوا في المنطقة، بحسب صحيفة آرا.

عاد القائمون على الأرشيف بعد الاجتياح فوجدوا المكتب خاليًا. ولم تنجُ إلا أفلام قليلة كانت في مختبرات أجنبية أو عند موزّعين. وقد صادر جيش الاحتلال ما لا يقل عن 120 فيلمًا ووثائقيًا جُمعت في بيروت، ونقلها إلى تل أبيب.

البحث عن الأرشيف المفقود

أمضت حبشنة سنوات تبحث عن الأرشيف: في لبنان وسوريا وداخل دولة الاحتلال. ووثّقت المخرجة عزة الحسن هذا البحث في فيلمها «ملوك وكومبارس» (2004)، الذي وصل فيه البحث حتى مقبرة الشهداء في بيروت، تحسّبًا لأن يكون الأرشيف قد دُفن، بحسب فريز.

وظهرت لاحقًا شذرات متفرّقة: نحو 200 بكرة من الأفلام الفلسطينية عُثر عليها في روما، كان مصطفى أبو علي قد هرّبها إلى الحزب الشيوعي الإيطالي، ونسخة أصلية من فيلم «فلسطين في العين» (1976) وُجدت في بيت ابنة هاني جوهرية. أما الأرشيف الكامل، فما زال مفقودًا.

شباط 1983: تفجير المركز بعد نهبه

بعد أشهر من النهب، عاد مركز الأبحاث إلى العمل في مبناه. لكن في شباط/فبراير 1983 انفجرت سيارة مفخّخة أمام المبنى، فدمّرت آخر مكتب عامل لمنظمة التحرير في بيروت. وقُتل في الانفجار ما لا يقل عن 20 شخصًا وأُصيب نحو 100، بحسب كريستيان ساينس مونيتور.

وكان بين الضحايا حنّة شاهين، زوجة مدير المركز صبري جريس، التي مرّت بالمكتب قبل عطلة نهاية الأسبوع. واختنق ثلاثة أشخاص علقوا في المصعد، وقُتل حارس المبنى وعاملة الهاتف. بعدها انتقل المركز إلى نيقوسيا في قبرص.

أرشيف رهينة: من صفقة الأسرى إلى صحراء الجزائر

جعلت منظمة التحرير إعادة الأرشيف شرطًا في مفاوضات تبادل الأسرى. وفي 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1983 تمّت الصفقة: أفرج الاحتلال عن نحو 5,000 أسير عربي مقابل 6 جنود إسرائيليين، وسلّم ما قال إنه أرشيف المنظمة. لكن الاحتلال كان قد صوّر الأرشيف كاملًا قبل إعادته. وفي كانون الأول/ديسمبر 1983 أدانت الجمعية العامة للأمم المتحدة دولة الاحتلال على مصادرته، بحسب ويكيبيديا.

ثم بدأت رحلة ضياع ثانية. فقد أُعيد توضيب الأرشيف في 100 صندوق، وأُرسل عبر الصليب الأحمر الدولي إلى الجزائر، ونُقل بين مواقع عدة حتى استقرّ في قاعدة بمنطقة البيّض جنوب غرب البلاد، وتُرك هناك.

واليوم يقول مدير مركز الأبحاث في رام الله، سميح شبيب، إن مكان الأرشيف غير معروف، ويُفترض أنه في الجزائر. وتشير تقارير إلى أن المطر والحرّ والقوارض والإهمال ربما أتلفت ما فيه. أي أن الأرشيف الذي نجا من النهب، قد لا ينجو من النسيان.

في أرشيف جيش الاحتلال: «منهوب ومخفي»

ما لم يُعَد في صفقة 1983 بقي في دولة الاحتلال. وقد أمضت الباحثة والقيّمة الفنية الإسرائيلية رونا سيلع، المحاضرة في جامعة تل أبيب، نحو عشرين عامًا تنقّب في الأرشيفات الإسرائيلية عن المواد الفلسطينية المصادرة.

وكشفت سيلع أن جيش الاحتلال صادر خلال اجتياح 1982 مجموعة صور كاملة من قسم الثقافة والفنون في منظمة التحرير ببيروت، إلى جانب الأفلام، بحسب ذا آرت نيوزبيبر. وتضمّ هذه المواد صورًا وأفلامًا لحياة الفلسطينيين قبل 1948 وبعدها وفي الشتات، وتسجيلات صوتية لفنانين ومنتجين فلسطينيين.

«مادة مقيّدة»

حين طلبت سيلع الاطّلاع على «أرشيف منظمة التحرير»، أُبلغت بأنه «مادة مقيّدة». وأُغلق كثير من هذه المواد قرابة خمسة عقود، ولا يزال بعضها ممنوعًا من الوصول، بحسب مؤسسة الدراسات الفلسطينية. ويسمح القانون الإسرائيلي بإغلاق وثائق الأرشيف العسكري حتى 70 عامًا، أو إلى أجل غير مسمّى إذا تعلّقت بالأمن أو العلاقات الدولية.

وفي عام 2017 أخرجت سيلع فيلمها الوثائقي «منهوب ومخفي» (Looted and Hidden)، المبني على رسائل متبادلة بينها وبين فلسطينيين لهم صلة بالمواد المسروقة، وجندي إسرائيلي خدم في بيروت، بحسب مجلة +972.

نهب ليس الأول

لم تكن بيروت أول مرة يلاحق فيها الاحتلال الصهيوني الذاكرة الفلسطينية. ففي النكبة عام 1948 نُهبت ورشة المصوّر المقدسي خليل رصّاص، أحد روّاد التصوير الفلسطيني، خلال الهجوم على أحياء القدس الغربية، كما نُهبت عشرات آلاف الكتب من البيوت الفلسطينية في ما يُعرف بـ«سرقة الكتب الكبرى». وفي 2001 صادر الاحتلال أرشيفات مركز الأبحاث مرة أخرى، حين حاول المركز إعادة تأسيس نفسه في القدس الشرقية.

لماذا يسرق الاحتلال الأرشيف؟

قد يبدو غريبًا أن يرسل جيش في منتصف حرب شاحنات لنقل الكتب والأفلام. لكن القصة تتكرّر من 1948 إلى 1982 إلى 2001 لسبب واضح: الأرشيف هو الدليل.

  • الصور تثبت الوجود: صورة لعرس في يافا أو حصاد في الجليل قبل 1948 تهدم وحدها رواية «أرض بلا شعب».
  • الوثائق تثبت الحق: الشهادات والسجلات هي ما يبني عليه اللاجئون مطالبتهم بالعودة والتعويض.
  • من يملك الأرشيف يملك الرواية: حين تُحفظ الصور الفلسطينية في أرشيف جيش الاحتلال، يقرّر الاحتلال من يراها، ومتى، وكيف تُفسَّر.

نهب أرشيف بيروت لم يكن حادثًا عرضيًا في حرب، بل امتدادًا مباشرًا للنكبة: الاحتلال الصهيوني الذي هجّر الفلسطينيين من أرضهم عام 1948، لاحق ذاكرتهم إلى منفاهم بعد 34 عامًا. لكن ما بقي من هذه الذاكرة، في روما وفي بيت ابنة شهيد وفي قلوب من صنعوها، يكفي ليقول إن الفلسطينيين كانوا هنا، وصوّروا، وكتبوا، وسيبقون.

أسئلة شائعة عن أرشيف بيروت المنهوب

ماذا نهب الاحتلال الإسرائيلي من بيروت عام 1982؟

نهب مكتبة مركز الأبحاث الفلسطيني (نحو 25,000 مجلد) ومجموعة الميكروفيلم وأرشيف الوثائق، وصادر ما لا يقل عن 120 فيلمًا فلسطينيًا ووثائقيًا، ومجموعة صور من قسم الثقافة والفنون في منظمة التحرير.

متى نُهبت مكتبة مركز الأبحاث الفلسطيني؟

في 15 أيلول/سبتمبر 1982، بعد أن احتلّ جنود الاحتلال المبنى في شارع الحمراء ببيروت أسبوعًا، حُمّلت المكتبة على ثلاث شاحنات ونُقلت إلى دولة الاحتلال.

هل أُعيد أرشيف منظمة التحرير؟

أُعيد جزء منه في صفقة تبادل الأسرى في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 1983، بعد أن صوّره الاحتلال. ثم أُرسل في 100 صندوق إلى الجزائر، ولا يُعرف مكانه ولا حالته اليوم.

ما مصير أرشيف السينما الفلسطينية؟

اختفى بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، ولم يُعثر عليه كاملًا حتى اليوم. وظهرت منه شذرات، منها نحو 200 بكرة في روما.

ما هو فيلم «منهوب ومخفي»؟

فيلم وثائقي أخرجته الباحثة الإسرائيلية رونا سيلع عام 2017، يكشف الأفلام والصور الفلسطينية التي صادرها جيش الاحتلال من بيروت ويحتفظ بها في أرشيفه.

من هي خديجة حبشنة؟

مخرجة فلسطينية نظّمت أرشيف مؤسسة السينما الفلسطينية في بيروت، وسُرق فيلمها «نساء في فلسطين» خلال الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، وأمضت سنوات تبحث عن الأرشيف المفقود.

اقرأ أيضًا في فلسطيننا

المصادر

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.