فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

التراث الفلسطيني

زيت الزيتون الفلسطيني تحت الاحتلال: شجر يُقتلع وزيت مستوطنات يُباع في أوروبا

زيت الزيتون الفلسطيني تحت الاحتلال: شجر يُقتلع وزيت مستوطنات يُباع في أوروبا

في تشرين الأول من كل عام، تخرج العائلات الفلسطينية إلى كروم الزيتون: الجدّ يفرد الشوادر تحت الشجرة، والأولاد يتسلّقون الأغصان، والأم تعدّ الطعام تحت الظل. موسم الزيتون في فلسطين ليس موسم حصاد فقط، بل عيد عائلي ورابطة بالأرض تتوارثها الأجيال.

لكن هذا العيد صار في السنوات الأخيرة ساحة حرب. فبعد النكبة عام 1948 التي استولى فيها الاحتلال الصهيوني على كروم مئات القرى المهجّرة، ثم احتلال الضفة عام 1967، اقتلع الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنوه أكثر من مليون شجرة زيتون بحسب أقلّ التقديرات، وصار موسم القطاف أخطر مواسم السنة. وفي الوقت نفسه، أعلنت دولة الاحتلال الزيتون «شجرتها الوطنية»، ويصل زيت مستوطناتها إلى الأسواق الأوروبية. هذه قصة زيت الزيتون الفلسطيني تحت الاحتلال.

عائلة فلسطينية تقطف الزيتون في موسم القطاف في الضفة الغربية
موسم قطاف الزيتون: عيد عائلي فلسطيني صار ساحة مواجهة.

الزيتون في فلسطين: نصف الأرض ورزق مئة ألف عائلة

الزيتون ليس محصولًا عاديًا في فلسطين. فبحسب موقع ميدل إيست آي:

  • يُزرع الزيتون في نحو نصف الأراضي الزراعية في الأرض الفلسطينية المحتلة.
  • تعتمد نحو 100,000 عائلة في الضفة الغربية على دخل موسم الزيتون، بينها نحو 15% من النساء العاملات، بحسب أرقام الأمم المتحدة.
  • تُدخل صادرات الزيتون في الموسم الجيد قرابة 200 مليون دولار إلى الاقتصاد الفلسطيني، بحسب مركز التجارة الفلسطيني.
  • الزيتون هو المحصول الأوسع انتشارًا في فلسطين، والأعلى قيمة للكيلوغرام.

وكثير من الأشجار عمرها مئات السنين، زرعها الأجداد قبل الاحتلال بزمن طويل. ولذلك يقول المزارعون إن شجرة الزيتون تحمل ذاكرة أسلافهم، بحسب مونغاباي.

ملايين الأشجار المقتلعة منذ 1967

تتفاوت التقديرات، لكنها كلها تشير إلى حجم هائل:

الفترةعدد أشجار الزيتون المقتلعة أو المدمّرةالمصدر
منذ 1967 (تقدير رسمي حديث)نحو 2.5 مليون شجرةمصادر رسمية فلسطينية، 2026
منذ 1967 (تقدير أقدم، نحو 2006)أكثر من 1.2 مليون شجرةمعهد الأبحاث التطبيقية (أريج)
2000–2005 (الانتفاضة الثانية)464,945 شجرة في الضفة وغزةوزارة الزراعة الفلسطينية
2020 – نيسان 2026أكثر من 120,000 شجرة في الضفةهيئة مقاومة الجدار والاستيطان
2025 وحدهاأكثر من 26,000 شجرةهيئة مقاومة الجدار والاستيطان

المصادر: أريج وصحيفة القدس.

والفرق بين التقديرين الأول والثاني يعكس أن الاقتلاع لم يتوقّف، بل تسارع خلال العقدين الأخيرين.

موسم القطاف: من عيد إلى ساحة حرب

تُظهر أرقام مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) قفزة حادة في اعتداءات المستوطنين خلال مواسم القطاف، بحسب تقرير منظمة يش دين الإسرائيلية الصادر في 22 كانون الأول/ديسمبر 2025:

الموسماعتداءات المستوطنين المرتبطة بالقطاف (تشرين الأول – تشرين الثاني)
حتى 202330 إلى 60 اعتداءً في الموسم
2024213 اعتداءً
2025178 اعتداءً، أي نحو 3 اعتداءات يوميًا

وفي موسم 2025 وحده:

  • طالت الاعتداءات 88 تجمّعًا فلسطينيًا، أي أربعة أضعاف عددها عام 2020.
  • خُرّبت أكثر من 6,000 شجرة زيتون وشتلة، وهو أعلى رقم منذ ست سنوات.
  • كان تشرين الأول/أكتوبر 2025 أعنف شهر لاعتداءات المستوطنين منذ بدأت أوتشا التوثيق عام 2006، بـ264 اعتداءً، أي 8.5 يوميًا.

الجيش حاضر، لكن لا يتدخّل

يوثّق تقرير «يش دين» أن جنود الاحتلال وحرس الحدود وأمن المستوطنات كانوا حاضرين في كثير من الاعتداءات دون أن يوقفوها، بل منعوا الفلسطينيين أحيانًا من الوصول إلى أرضهم. وفي المناطق التي تتطلّب «تنسيقًا» مسبقًا، صدرت التصاريح متأخرة جدًا ولمدة يوم أو يومين فقط، وهي مدة لا تكفي لإنهاء القطاف، فيتعفّن الثمر أو يسرقه مستوطنو البؤر المجاورة.

ومن الأمثلة الموثّقة: في بورين في 1 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، طرد حارس أمن مستوطنة مزارعين يحملون تنسيقًا، وسكب زيتونهم على الأرض، والجيش حاضر لا يتدخّل. وفي كيسان قطف المستوطنون أرضًا فلسطينية واقتلعوا أشجارها وطاردوا العائلة. وفي موسم 2024 بقي نحو 20% من زيتون الضفة دون قطاف، بخسائر قدّرتها الأمم المتحدة بنحو 10 ملايين دولار.

أشجار زيتون فلسطينية محروقة بعد اعتداء المستوطنين في الضفة الغربية
أشجار زيتون تم قطعها من جرافات الإحتلال الضفة الغربية.

حين يقتلع الجيش: المغيّر وعرّابة

لا يقتصر الاقتلاع على المستوطنين. ففي آب/أغسطس 2025، اقتلع جيش الاحتلال آلاف أشجار الزيتون في قرية المغيّر شمال شرق رام الله، خلال حصار استمر ثلاثة أيام. وقدّر رئيس المجلس المحلي العدد بنحو 3,000 شجرة بحسب الجزيرة، بينما أورد ميدل إيست آي رقم 10,000 شجرة. وبرّر الجيش ذلك بأن الأشجار تشكّل «تهديدًا أمنيًا» لطريق استيطاني يمرّ في أراضي القرية.

وفي أيلول/سبتمبر 2026، جرّفت آليات الاحتلال مئات أشجار الزيتون المعمّرة في عرّابة جنوب غرب جنين، تحت حماية عسكرية وتمهيدًا لمشاريع استيطانية جديدة. ووثّقت الكاميرات امرأة فلسطينية تحتضن شجرة زيتون في أرضها، تودّعها قبل أن تصلها الجرافات، بحسب صحيفة القدس.

غزة: 74% من كروم الزيتون مدمّرة

وفي قطاع غزة، دمّرت الحرب منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 نحو 74% من المساحة المزروعة بالزيتون، أي قرابة 2,290,000 شجرة، بحسب وزارة الزراعة الفلسطينية. وانخفض عدد معاصر الزيتون العاملة في القطاع من 37 معصرة إلى 4 فقط، بحسب أوتشا. ودُمّرت في الضفة أكثر من 52,300 شجرة خلال الفترة نفسها، بحسب مونغاباي.

الزيتون «شجرة إسرائيل الوطنية»

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها. ففي عام 2021، أعلنت دولة الاحتلال الزيتون شجرتها الوطنية، مستندة إلى رمزيته للسلام وطول العمر، بحسب مونغاباي.

الدولة التي اقتلعت هي ومستوطنوها أكثر من مليون شجرة زيتون فلسطينية، تتّخذ الزيتون رمزًا وطنيًا لها. إنه النمط نفسه الذي رأيناه مع الحمص والدبكة والثوب: يُنتزع العنصر من أصحابه، ثم يُقدَّم رمزًا لهوية من انتزعه.

زيت المستوطنات في أوروبا: معركة الملصق

بينما يُمنع المزارع الفلسطيني من قطف زيتونه، تُصدِّر مستوطنات الضفة الغربية منتجاتها، ومنها زيت الزيتون، إلى أوروبا. وظلّت هذه المنتجات لسنوات تحمل ملصق «صُنع في إسرائيل».

2015: قواعد الاتحاد الأوروبي

في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 أصدرت المفوضية الأوروبية قواعد تمنع وسم منتجات المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية والجولان بعبارة «صُنع في إسرائيل». وذكرت القواعد زيت الزيتون صراحة إلى جانب النبيذ والدواجن والتمور. وصار يجب أن يحمل زيت المستوطنات ملصق «منتج من الضفة الغربية (مستوطنة إسرائيلية)»، بينما يحمل الزيت الفلسطيني ملصق «منتج من فلسطين»، بحسب سكريبس نيوز وأوليف أويل تايمز. ووصف نتنياهو القرار بأنه «نفاق» و«ازدواجية معايير».

2019: محكمة العدل الأوروبية تحسم

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2019 قضت محكمة العدل الأوروبية بأن على دول الاتحاد الأوروبي وسم المنتجات المصنوعة في المستوطنات بما يبيّن مصدرها، ومنع وسمها بـ«صُنع في إسرائيل». وقالت المحكمة إن المستهلكين يحتاجون إلى هذه المعلومة ليتّخذوا «خيارات مستنيرة»، ووصفت المستوطنات بأنها سياسة نقل سكان تنتهك القانون الإنساني الدولي، بحسب يسرائيل هيوم.

لكن خبراء أشاروا إلى أن التطبيق غير واضح، لأن المصدر الحقيقي للمنتجات ليس سهل التتبّع دائمًا. ودعت المسؤولة الفلسطينية حنان عشراوي أوروبا إلى الذهاب أبعد، وحظر منتجات المستوطنات بالكامل بدل الاكتفاء بوسمها.

لماذا الزيتون؟

لماذا يُستهدف الزيتون بهذا الشكل؟ لأن شجرة الزيتون في فلسطين أكثر من مصدر رزق:

  1. الزيتون دليل ملكية: شجرة عمرها مئات السنين في أرض ما تشهد بأن أحدًا زرعها واعتنى بها قبل الاحتلال بزمن طويل. واقتلاعها يمحو هذا الشاهد.
  2. الزيتون يُبقي المزارع في أرضه: الأرض المزروعة يزورها صاحبها كل موسم. أما الأرض الخالية، فتسهل مصادرتها بحجة أنها «متروكة».
  3. الزيتون رمز الصمود: شجرة تعيش قرونًا وتثمر رغم الجفاف، صارت رمزًا للفلسطيني الذي يبقى في أرضه رغم كل شيء.

ولذلك فإن اقتلاع شجرة زيتون ليس اعتداءً على محصول، بل امتداد للنكبة بوسيلة أخرى: الاحتلال الصهيوني الذي هجّر أهل القرى عام 1948 واستولى على كرومهم، يقتلع اليوم كروم من بقوا. وحين تحتضن امرأة في عرّابة شجرتها قبل أن تصلها الجرافة، فهي لا تودّع شجرة فقط، بل جزءًا من عائلتها.

أسئلة شائعة عن الزيتون الفلسطيني

كم شجرة زيتون اقتلع الاحتلال منذ 1967؟

تتفاوت التقديرات: نحو 2.5 مليون شجرة بحسب مصادر رسمية فلسطينية حديثة، وأكثر من 1.2 مليون بحسب تقدير أقدم لمعهد «أريج» يعود إلى نحو 2006. واقتُلعت أكثر من 26,000 شجرة في الضفة عام 2025 وحده.

لماذا يهاجم المستوطنون موسم الزيتون؟

لأن الزيتون مصدر رزق نحو 100,000 عائلة ويربط المزارع بأرضه. ومنع القطاف وإتلاف الأشجار يُفقر المزارعين ويدفعهم إلى ترك أرضهم، ما يسهّل مصادرتها والتوسّع الاستيطاني.

كم عدد اعتداءات المستوطنين في موسم الزيتون 2025؟

وثّقت أوتشا 178 اعتداءً مرتبطًا بالقطاف بين 1 تشرين الأول و30 تشرين الثاني 2025، في 88 تجمّعًا فلسطينيًا، وخُرّبت أكثر من 6,000 شجرة.

ما نسبة كروم الزيتون المدمّرة في غزة؟

نحو 74% من المساحة المزروعة بالزيتون، أي قرابة 2.29 مليون شجرة، بحسب وزارة الزراعة الفلسطينية، وانخفضت المعاصر العاملة من 37 إلى 4.

هل يُباع زيت المستوطنات في أوروبا؟

نعم. لكن منذ قواعد الاتحاد الأوروبي عام 2015 وحكم محكمة العدل الأوروبية عام 2019، يجب أن يحمل ملصقًا يبيّن أنه من مستوطنة إسرائيلية، لا «صُنع في إسرائيل».

كيف أميّز زيت الزيتون الفلسطيني؟

بحسب قواعد الاتحاد الأوروبي، يحمل الزيت الفلسطيني ملصق «منتج من فلسطين»، بينما يجب أن يحمل زيت المستوطنات ملصق «منتج من الضفة الغربية (مستوطنة إسرائيلية)».

متى أعلنت إسرائيل الزيتون شجرتها الوطنية؟

عام 2021، مستندة إلى رمزيته للسلام وطول العمر، رغم أن قواتها ومستوطنيها اقتلعوا مئات آلاف أشجار الزيتون الفلسطينية.

اقرأ أيضًا في فلسطيننا

المصادر

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.