المصارف الفلسطينية قبل النكبة: من البنك العربي إلى أموال اللاجئين المجمّدة
في صيف عام 1930، افتتح رجل من قرية بيت حنينا قرب القدس مصرفًا صغيرًا برأسمال 15 ألف جنيه فلسطيني. كان اسمه عبد الحميد شومان، وكان قد عاد لتوّه من نيويورك بعد عشرين عامًا من الغربة. سمّى مصرفه «البنك العربي»، وقال لموظفيه في اليوم الأول: «كل مشروع عربي ينجح هو درع لحماية فلسطين والدفاع عنها».
تكشف هذه القصة جانبًا يغيب كثيرًا عن صورة فلسطين قبل النكبة: بلد له عملته، ومصارفه، وحسابات مواطنيه وودائعهم وخزائن أماناتهم. ثم جاءت النكبة عام 1948، فهُجّر الفلسطينيون، وجمّد الاحتلال الإسرائيلي حساباتهم المصرفية، ولم يُفرج عنها إلا بالتقسيط وبشروط على مدى سنوات. هذه قصة المصارف الفلسطينية قبل النكبة، ومصير أموال اللاجئين بعدها.

الجنيه الفلسطيني: عملة بلد قبل النكبة
حتى منتصف العشرينيات كان الفلسطينيون يتداولون الجنيه المصري. وفي عام 1927 أصدرت سلطات الانتداب البريطاني عملة خاصة بالبلاد هي الجنيه الفلسطيني، وظلّت متداولة حتى النكبة عام 1948، بحسب الجزيرة نت.
صدرت الأوراق النقدية بفئات 500 مل، وجنيه، و5 و10 و50 جنيهًا، إضافة إلى ورقة نادرة بقيمة 100 جنيه، وحملت صور قبة الصخرة ومقام النبي صالح المملوكي في الرملة. واليوم يصل سعر ورقة العشرة جنيهات عند هواة الجمع إلى 5,000 دولار.
لكن الجنيه الفلسطيني لم يكن عملة «عربية» خالصة. فقد كتبت حكومة الانتداب عليه بالعبرية عبارة «أرض إسرائيل» (إيرتس يسرائيل) إلى جانب «فلسطين»، في انعكاس مبكّر لسياسة بريطانيا المنحازة إلى المشروع الصهيوني منذ وعد بلفور.
خريطة المصارف في فلسطين الانتداب
في ظل الانتداب، عملت في فلسطين ثلاثة أنواع من المصارف: مصارف أجنبية بريطانية، ومصارف صهيونية أسّستها الحركة الصهيونية، ومصارف عربية فلسطينية أسّسها رجال أعمال فلسطينيون لحماية الاقتصاد الوطني.
| المصرف | النوع | التأسيس | ملاحظات |
|---|---|---|---|
| البنك الإنجليزي الفلسطيني (Anglo-Palestine) | صهيوني | 1902 (لندن) | موّل شراء الأراضي والاستيطان، وصار بعد النكبة «بنك لئومي» |
| باركليز | بريطاني | مصرف بريطاني | عرض عام 1954 قرضًا لسداد أرصدة اللاجئين المجمّدة |
| البنك العربي | عربي فلسطيني | 1930 (القدس) | أسّسه عبد الحميد شومان، وله فروع في يافا وحيفا |
| البنك الزراعي العربي | عربي فلسطيني | زمن الانتداب | أسّسه أحمد حلمي عبد الباقي لإقراض الفلاحين |
| بنك الأمة العربية | عربي فلسطيني | 1937 | أسّسه أحمد حلمي عبد الباقي، وقدّم قروضًا زراعية طويلة الأجل |
البنك الإنجليزي الفلسطيني: مصرف المشروع الصهيوني
قبل أن يولد البنك العربي بنحو ثلاثة عقود، كانت الحركة الصهيونية قد أسّست مصرفها. ففي عام 1899 أنشأ المؤتمر الصهيوني الثاني «صندوق الاستعمار اليهودي»، الذي أسّس عام 1902 في لندن «الشركة الإنجليزية الفلسطينية»، وافتتحت أول مكتب لها في فلسطين عام 1903، بحسب موسوعة Encyclopedia.com.
لم يكن هذا مصرفًا تجاريًا عاديًا. فقد أدّى، بحسب المصدر نفسه، «دورًا مهمًا في تمويل شراء الأراضي والاستيطان في حيفا والقدس وما صار تل أبيب». أي أن المال كان أداة مبكرة من أدوات احتلال فلسطين، قبل البندقية بسنوات طويلة.
وبعد النكبة، صار هذا المصرف المصرفَ الوحيد لحكومة الاحتلال، وأصدر أولى عملاتها، ثم تحوّل عام 1954 إلى «بنك لئومي لإسرائيل»، أحد أكبر مصارف دولة الاحتلال اليوم.
البنك العربي: من مدخرات مغترب إلى مصرف الأمة
وُلد عبد الحميد شومان عام 1888 في بيت حنينا، وعمل في شبابه في مقالع الحجارة. وفي عام 1911 هاجر إلى الولايات المتحدة، فبدأ بائعًا متجوّلًا في نيويورك، ثم صار صاحب مصنع ملابس وسلسلة متاجر أحذية في نيويورك وبالتيمور وفيلادلفيا، بحسب موقع «قصة القدس».
عاد شومان إلى فلسطين عام 1929، وسُجّل البنك العربي رسميًا في 21 أيار/مايو 1930، وبدأ أعماله في القدس في 14 تموز/يوليو 1930، برأسمال قدره 15,000 جنيه فلسطيني قدّمه سبعة مستثمرين، بحسب الموقع الرسمي للبنك العربي. وكان شومان قد حاول جمع رأس المال من أثرياء العرب في نيويورك، لكنهم لم يشاركوه رؤيته.
واختار شومان اسم المصرف عن قصد: لم يسمّه باسمه أو باسم قريته، بل باسم «الأمة العربية، الوطن الأكبر». وتوسّع البنك بسرعة، فافتتح فروعًا في معظم المدن الفلسطينية خلال سنوات قليلة، ومنها يافا وحيفا.
أحمد حلمي عبد الباقي: مصارف لمواجهة الصهيونية
شارك في تأسيس البنك العربي أحمد حلمي عبد الباقي، الذي ترك منصبه الحكومي عام 1930 ليصبح مديره العام. وحلمي، المولود في صيدا عام 1882، كان يرى في المصارف سلاحًا لمواجهة استيلاء الحركة الصهيونية على الأرض، بحسب موسوعة الجزيرة. فأسّس:
- البنك الزراعي العربي: لتقديم القروض الزراعية للفلاحين.
- بنك الأمة العربية (1937): أقرض الفلاحين العرب لمدد تصل إلى سنة، في حين كانت المصارف التجارية تقرض لثلاثة أشهر على الأكثر. والهدف: إبقاء الفلاح في أرضه، وعدم اضطراره إلى بيعها تحت ضغط الدَّين.
- صندوق الأمة: لإنقاذ الأراضي العربية المهدّدة بالاستيلاء الصهيوني، وأعاد تأسيسه مع اثنين من زملائه في آب/أغسطس 1943.
- مشروع الدونم: ليملك كل فلسطيني دونمًا واحدًا على الأقل في المناطق المهدّدة.
كانت المعادلة واضحة: الحركة الصهيونية تملك مصارف تموّل شراء الأرض، فلا بدّ للفلسطينيين من مصارف تموّل البقاء فيها.
1948: مصارف تُهجَّر مع أصحابها
مع النكبة عام 1948، لم يُهجَّر الناس وحدهم، بل هُجّرت مصارفهم أيضًا:
- البنك العربي خسر فرعَي يافا وحيفا. فانتقل فرع حيفا إلى بيروت ثم عمّان، وفرع يافا إلى نابلس ثم رام الله، وانتقلت عمليات القدس إلى البلدة القديمة، ثم نُقل المقر الرئيسي إلى عمّان.
- بنك الأمة العربية استأنف عمله من القاهرة برئاسة أحمد حلمي. لكن كثيرًا من الفلاحين المدينين له لم يتمكّنوا من السداد بعد أن طُردوا من أراضيهم.
وفي موقف يُذكر له، أعاد البنك العربي ودائع عملائه الذين اضطُرّوا إلى مغادرة البلاد، وقال البنك إنه «سدّد جميع المطالبات بالكامل»، بحسب موقعه الرسمي. أما الأموال المودعة في المصارف التي بقيت في المناطق التي احتلّتها إسرائيل، فكانت قصتها مختلفة تمامًا.
أموال اللاجئين المجمّدة: 17 عامًا من الإفراج بالتقسيط
بعد النكبة، جمّدت دولة الاحتلال الحسابات المصرفية للفلسطينيين الذين هُجّروا، ومعها محتويات خزائن الأمانات من أسهم وسندات ومجوهرات. وكان أصحاب هذه الحسابات في الغالب من سكّان المدن، أما الفلاحون فكانوا يحتفظون بمدخراتهم في بيوتهم، وبعضهم دفنها في الأرض.
وتولّت لجنة التوفيق الدولية بشأن فلسطين التابعة للأمم المتحدة التفاوض مع إسرائيل لفكّ الحسابات. وتكشف وثائقها مسارًا طويلًا من المماطلة والشروط:
| التاريخ | ماذا حدث |
|---|---|
| 1948 | تجميد حسابات اللاجئين في المصارف داخل المناطق المحتلّة |
| شباط 1950 | اتفاق في جنيف بين إسرائيل ومصر (نيابة عن الدول العربية)، رفضته الحكومات العربية لاحقًا |
| حزيران 1952 | إسرائيل توافق «مبدئيًا» على إفراج «تدريجي» مرهون بوضعها من العملة الأجنبية، وتربطه بأموال اليهود في العراق. وتقدّر اللجنة عدد المتضرّرين بـ20 إلى 30 ألف عربي |
| 1953 | الدفعة الأولى: 740,408 جنيهات إسترلينية |
| أيار 1954 | بنك باركليز يعرض قرضًا بالإسترليني يكفي لسداد كل الأرصدة المتبقية، فيزول عائق العملة |
| آب – تشرين الثاني 1954 | إسرائيل تشترط إجراءات جديدة تتضمن «التفاوض» مع المودعين، واللجنة تعترض |
| تموز 1965 | المجموع المدفوع لأصحاب الحسابات يبلغ 3,588,008 جنيهات إسترلينية |
المصادر: رسالة الولايات المتحدة إلى لجنة التوفيق، حزيران 1952، والتقرير المرحلي الرابع عشر للجنة، والتقرير المرحلي الثالث والعشرون.
خزائن الأمانات: حتى عام 1965 لم يُفرج عن كل شيء
وبحسب التقرير الثالث والعشرين للجنة التوفيق، كان وضع محتويات خزائن الأمانات حتى 31 تموز/يوليو 1965، أي بعد 17 عامًا من النكبة:
| الصنف | المجموع | المُفرج عنه | المتبقّي |
|---|---|---|---|
| صناديق وطرود | 60 | 48 | 12 |
| أسهم وسندات | 800 | 274 | 526 |
| سندات حكومية لحاملها | 434 | 332 | 102 |
| خزائن أمانات | 178 | 143 | 35 |
أي أن ثلثي الأسهم والسندات التي يملكها لاجئون فلسطينيون ظلّت محتجزة حتى منتصف الستينيات.
ما وراء الأرقام
تبدو 3.6 مليون جنيه إسترليني رقمًا صغيرًا مقارنة بما خسره الفلسطينيون من أرض وبيوت وبيارات. لكن الحسابات المجمّدة تكشف منطق الاحتلال كاملًا:
- المال رهينة: ربطت إسرائيل الإفراج عن أموال اللاجئين بأموال يهود العراق، وكأن الفلسطيني المهجّر مسؤول عن سياسات حكومة أخرى.
- الضحية تفاوض: اشترطت إسرائيل «التفاوض» مع المودعين أنفسهم على أموالهم، في حين اعترضت لجنة الأمم المتحدة على ذلك.
- المال فقط، لا الأرض: الإفراج عن الحسابات المصرفية لم يرافقه أي إفراج عن أملاك اللاجئين الأخرى، التي بقيت بيد «حارس أملاك الغائبين».

الجنيه الفلسطيني بعد النكبة
ولم تسلم العملة نفسها من الاستيلاء. ففي 18 آب/أغسطس 1948، أصدر البنك الإنجليزي الفلسطيني أولى العملات الورقية لدولة الاحتلال، طُبعت سرًا في نيويورك. ولأن اسم الدولة وعملتها لم يكونا قد حُسما بعد، حملت الأوراق اسم «الجنيه الفلسطيني»، وظلّت متداولة حتى 23 حزيران/يونيو 1952، بحسب بنك إسرائيل نفسه.
وفي عام 1950 استبدل الاحتلال ما تبقّى من الجنيهات الفلسطينية بالليرة الإسرائيلية، فاختفى اسم فلسطين من العملة كما اختفى من الخريطة. ويقول الباحث مصطفى كبها إن سلطات الانتداب نفسها استولت على كمية كبيرة من الأموال الفلسطينية عام 1948، بحسب الجزيرة نت.
خاتمة: اقتصاد بلد لا «أرض بلا شعب»
تنقض قصة المصارف الفلسطينية واحدة من أشهر أساطير الدعاية الصهيونية: «أرض بلا شعب». فقبل النكبة كان في فلسطين عملة ومصارف وطنية وودائع وأسهم وسندات، ورجال أعمال مثل عبد الحميد شومان وأحمد حلمي عبد الباقي يبنون مؤسسات لحماية الأرض بالمال.
وما فعله الاحتلال الإسرائيلي بالحسابات المجمّدة هو صورة مصغّرة لما فعله بفلسطين كلها: استولى أولًا، ثم ساوم، ثم أعاد القليل بالتقسيط وبشروطه، وأبقى الباقي. واليوم، لا يزال البنك العربي الذي وُلد في القدس واحدًا من أكبر مصارف العالم العربي، شاهدًا على أن المؤسسات الفلسطينية لم تُمحَ، بل هُجّرت مع أصحابها.
أسئلة شائعة عن المصارف في فلسطين قبل النكبة
متى تأسس البنك العربي؟
سُجّل في 21 أيار/مايو 1930 وبدأ أعماله في القدس في 14 تموز/يوليو 1930، برأسمال 15,000 جنيه فلسطيني، وأسّسه عبد الحميد شومان من بيت حنينا.
ما المصارف العربية التي كانت في فلسطين قبل 1948؟
أبرزها البنك العربي (1930)، والبنك الزراعي العربي، وبنك الأمة العربية (1937) الذي أسّسه أحمد حلمي عبد الباقي، إضافة إلى صندوق الأمة لإنقاذ الأراضي.
ما هو البنك الإنجليزي الفلسطيني؟
مصرف صهيوني أسّسه «صندوق الاستعمار اليهودي» في لندن عام 1902، وموّل شراء الأراضي والاستيطان في فلسطين، وصار بعد النكبة «بنك لئومي لإسرائيل».
ماذا حدث لحسابات اللاجئين الفلسطينيين المصرفية بعد النكبة؟
جمّدتها دولة الاحتلال، ثم أفرجت عنها تدريجيًا بعد مفاوضات مع لجنة التوفيق الأممية بدءًا من 1953. وبحلول تموز 1965 بلغ مجموع ما دُفع 3,588,008 جنيهات إسترلينية، وبقي جزء من الأسهم والسندات محتجزًا.
متى صدر الجنيه الفلسطيني؟
عام 1927 في عهد الانتداب البريطاني، بدلًا من الجنيه المصري، وظلّ متداولًا حتى النكبة عام 1948، ثم استبدلته إسرائيل بالليرة الإسرائيلية عام 1950.
هل أعاد البنك العربي أموال المودعين بعد النكبة؟
نعم، بحسب البنك نفسه، فقد أعاد ودائع العملاء الذين اضطُرّوا إلى مغادرة البلاد وسدّد جميع المطالبات بالكامل، رغم خسارته فرعَي يافا وحيفا.
اقرأ أيضًا في فلسطيننا
- البرتقال اليافاوي: من رمز فلسطين إلى علامة تجارية للاحتلال
- سرقة الكتب الكبرى: 70 ألف كتاب فلسطيني نُهب في النكبة
- ملف النكبة الفلسطينية
- كل مواد التراث الفلسطيني في موسوعة فلسطيننا
المصادر
- Our History، الموقع الرسمي للبنك العربي
- Abd al-Hamid Shuman، موقع Jerusalem Story
- أحمد حلمي عبد الباقي.. المصرفي الذي أسس بنوكا لمحاربة الصهيونية، موسوعة الجزيرة، 19 حزيران 2024
- الجنيه الفلسطيني.. صراع التاريخ والمستقبل، وديع عواودة، الجزيرة نت، 29 نيسان 2015
- Bank Leumi le-Israel B.M.، Encyclopedia.com
- Anglo Palestine Bank Series، بنك إسرائيل
- Transmission of Israel's Aide Memoire on Arab blocked accounts، لجنة التوفيق الدولية، 26 حزيران 1952
- Fourteenth Progress Report (A/2897)، لجنة التوفيق الدولية، 1955
- Twenty-third Progress Report (A/6225)، لجنة التوفيق الدولية، 28 كانون الأول 1965
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.