لقبته إسرائيل بالشبح: من هو الجزائري الذي أرعب الموساد حتى اغتالوه في باريس بعملية سموها “غضب الرب”؟
محمد بودية.. مسرحي جزائري حمل القضية الفلسطينية إلى أوروبا
جمع محمد بودية بين الإبداع المسرحي والعمل السياسي، وعاش تجربة امتدت من مقاومة الاستعمار الفرنسي في الجزائر إلى الانخراط في دعم القضية الفلسطينية. وبين خشبات المسرح وشبكات العمل السري في أوروبا، تشكّلت سيرة رجل انتهت حياته باغتياله في باريس يوم 28 يونيو/حزيران 1973، بينما ظل اسمه حاضرًا في تاريخ المسرح الجزائري والنضال الفلسطيني.
من القصبة إلى المسرح والعمل الوطني
وُلد محمد بودية في 24 فبراير/شباط 1932 بحي باب الجديد في قصبة الجزائر العاصمة. نشأ في بيئة تأثرت بالحركة الوطنية، ووجد في المسرح مجالًا للتعبير عن قضايا مجتمعه وتطلعاته إلى التحرر.
انخرط في صفوف جبهة التحرير الوطني خلال الثورة الجزائرية، ونشط في فرنسا ضمن شبكاتها. ورافق اهتمامه بالمسرح نشاطه السياسي، فبقي الفن جزءًا أساسيًا من تجربته، حتى في مراحل الملاحقة والسجن.
وبعد استقلال الجزائر، شارك في بناء مؤسساتها الثقافية، وتولى مسؤولية إدارية في المسرح الوطني الجزائري عام 1963. كما أسهم في الصحافة الثقافية، وكتب أعمالًا مسرحية من بينها «الزيتونة» و«الميلاد»، ليترك بصمة في المشهد الفني خلال السنوات الأولى للاستقلال.
باريس ومحطة التحول نحو القضية الفلسطينية
عارض بودية إطاحة الرئيس أحمد بن بلة عام 1965، وانتقل لاحقًا إلى فرنسا، حيث واصل نشاطه المسرحي. وعمل في إدارة مسرح الغرب الباريسي بين عامي 1968 و1972، بالتوازي مع توسيع علاقاته بالأوساط الداعمة للقضية الفلسطينية.
كان انخراطه في هذه القضية امتدادًا لقناعته بترابط حركات التحرر. ومن خلال علاقاته السياسية والثقافية، انتقل من التضامن إلى المشاركة في شبكات العمل الفلسطيني في أوروبا، وارتبط اسمه بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وبوديع حداد، أحد أبرز مسؤولي عملياتها الخارجية.
وتورد مصادر صحفية روايات عن دوره في التواصل مع إيليتش راميريز سانشيز، المعروف باسم «كارلوس»، وإدماجه في شبكات العمل الفلسطيني. غير أن تفاصيل اللقاء بينهما وظروف التجنيد تحتاج إلى التمييز بين الروايات المتداولة والوقائع الموثقة.
نشاط سري وروايات تحتاج إلى التدقيق
أصبح بودية موضع اهتمام أجهزة استخبارات أوروبية وإسرائيلية، بسبب دوره في شبكات الدعم والتنظيم المرتبطة بالعمل الفلسطيني المسلح. وتنسب إليه مصادر أدوارًا في الإعداد لعمليات وتوفير الاتصالات والإسناد اللوجستي، لكن حجم مسؤوليته عن كل عملية يختلف من رواية إلى أخرى.
ومن الوقائع التي تناولتها الصحافة المعاصرة للأحداث، اشتباه السلطات الإيطالية في صلته باعتداء استهدف منشآت نفطية في منطقة ترييستي خلال أغسطس/آب 1972. كما تتناول دراسة تاريخية منشورة لدى جامعة كامبريدج ارتباطه بالإعداد لهجوم على مركز شوناو قرب فيينا، الذي كان يستقبل مهاجرين يهودًا قادمين من الاتحاد السوفياتي في طريقهم إلى إسرائيل.
وتقتضي الدقة التاريخية عدم تقديم جميع العمليات المتداولة في سيرته باعتبارها حقائق محسومة؛ فالتخطيط لعملية لا يعني تنفيذها، والاشتباه الاستخباري لا يساوي إثبات المسؤولية. وينطبق ذلك أيضًا على الروايات التي تربطه مباشرة بعملية ميونخ وغيرها من أحداث تلك المرحلة.
اغتياله في باريس
في صباح 28 يونيو/حزيران 1973، قُتل محمد بودية بانفجار عبوة ناسفة وُضعت تحت مقعد السائق في سيارته «رونو 16»، التي كانت متوقفة في شارع فوسي سان برنار بالدائرة الخامسة في باريس. وكان يبلغ من العمر 41 عامًا.
وتنسب المصادر التاريخية اغتياله إلى جهاز الموساد الإسرائيلي، ضمن حملة الاغتيالات المعروفة باسم «غضب الرب»، التي أعقبت عملية ميونخ عام 1972. وتكشف أبحاث مستندة إلى وثائق استخبارية أن تبادل المعلومات بين أجهزة أوروبية والموساد ساعد في تعقبه، ولا سيما المعلومات المتعلقة بسيارته وتحركاته.
وتوضح هذه المعطيات أهمية التعاون الاستخباري في ملاحقته، لكنها لا تبرر الجزم بكل الروايات المتداولة بشأن مشاركة جهات فرنسية مباشرة في تنفيذ الاغتيال.
إرث يتقاطع فيه الفن والسياسة
تكشف سيرة محمد بودية عن تداخل الثقافة والسياسة في مرحلة اتسمت بصعود حركات التحرر والصراعات الدولية. فقد جمع بين الكتابة والإدارة المسرحية والعمل الوطني، ثم نقل جانبًا من تجربته إلى دعم القضية الفلسطينية.
ولا تكتمل قراءة تجربته باختزالها في نشاطه السري أو ظروف اغتياله؛ إذ يشكل إسهامه في تأسيس الحياة المسرحية الجزائرية بعد الاستقلال جانبًا أساسيًا من سيرته. وبين الفنان والناشط السياسي، بقي بودية شخصية تستدعي قراءة تاريخية تجمع بين توثيق الوقائع وفهم سياقها.
معرض الصور
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.