الرملة.. مدينة الرمال والتاريخ العربي العريق
تُعد الرملة من المدن الفلسطينية العريقة التي ارتبط اسمها بتاريخ الدولة الإسلامية الأولى في بلاد الشام، وقد كانت أول مدينة أسسها العرب المسلمون في فلسطين خلال العهد الأموي، وعاشت تحت الحكم الإسلامي قرونًا طويلة قبل أن تتعرض لسلسلة من الاحتلالات الصليبية والعثمانية والبريطانية،
ثم سقطت تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 بعد تهجير أغلب سكانها الفلسطينيين. ورغم محاولات التهويد المستمرة، ما زالت الرملة تحتفظ بملامحها التاريخية الإسلامية والعربية، وشاهدة على أحد فصول النكبة الفلسطينية الكبرى.
أسس سليمان بن عبد الملك مدينة الرملة سنة 715م (97 هـ)، وجعلها عاصمة لجند فلسطين بدل مدينة اللد، وبنى فيها القصر الكبير والجامع الأبيض ومرافق الدولة.
كانت المدينة آنذاك مركزًا إداريًا وتجاريًا هامًا في بلاد الشام، وملتقى للقوافل المتجهة بين مصر ودمشق، وازدهرت فيها الأسواق والحمامات والبيوت الفخمة.
في العهد العباسي، تبعت الرملة ولاية الشام، وشهدت ازدهارًا حضاريًا وثقافيًا واسعًا، ثم تعاقب عليها الطولونيون، والإخشيديون، والقرامطة، والفاطميون. وفي تلك الفترة تعرضت لعدة زلازل وحرائق أعادت تشكيل عمرانها أكثر من مرة.
احتلها الصليبيون عام 1099م بعد معارك عنيفة، لكن المسلمين استعادوها عام 1102م، ثم أعاد الصليبيون احتلالها قبل أن يحررها صلاح الدين الأيوبي عقب معركة حطين عام 1187م.
في عام 1204م عادت مجددًا للصليبيين، إلى أن حررها نهائيًا الظاهر بيبرس المملوكي عام 1261م، الذي أعاد بناءها وجعلها مركزًا إداريًا مهمًا في جنوب بلاد الشام.
دخلها العثمانيون عام 1547م، وأصبحت جزءًا من ولاية دمشق ثم سنجق القدس. ازدهرت الزراعة فيها، وخاصة القمح والزيتون والحمضيات، كما أصبحت محطة رئيسية على طريق الحجاج المصريين إلى مكة المكرمة.
خلال الحملة الفرنسية على المشرق (1799م)، احتلها نابليون بونابرت لفترة قصيرة قبل انسحابه من عكا.
بعد سقوط الدولة العثمانية، خضعت الرملة للانتداب البريطاني، وشهدت توسعًا عمرانيًا ونموًا سكانيًا كبيرًا، وكانت من أكبر مدن فلسطين الوسطى وأكثرها ازدهارًا تجاريًا.
في يوليو/تموز 1948، شنت العصابات الصهيونية (لواء يفتاح ولواء كيريات) هجومًا واسعًا على الرملة واللد ضمن عملية “داني”، بأوامر مباشرة من إسحاق رابين وبتغطية جوية من الطيران الإسرائيلي.
قُصفت المدينة بعنف، وارتُكبت فيها مجازر بحق المدنيين، ثم تم تهجير أكثر من 50 ألف فلسطيني قسرًا سيرًا على الأقدام في حرّ الصيف نحو رام الله والقرى المجاورة. ولم يُسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم رغم المناشدات الدولية.
استولى الاحتلال على منازلهم وأراضيهم، وأسكن فيها مهاجرين يهود من أوروبا الشرقية واليمن والمغرب، كما غُيّر اسمها في السجلات الرسمية إلى "رملا"، في محاولة لطمس هويتها العربية الإسلامية.
اليوم، تقع الرملة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة، ويحاول الاحتلال تحويلها إلى مدينة يهودية الطابع من خلال مشروعات التهويد العمراني والديمغرافي، إلا أن سكانها الفلسطينيين ما زالوا يحافظون على وجودهم وهويتهم رغم التضييق والتمييز.
تُعد الرملة اليوم رمزًا للمدن الفلسطينية المهجرة الباقية داخل الخط الأخضر، وشاهدًا على صمود الفلسطينيين في وجه محاولات الطمس والنسيان.
الرملة.. مدينة الرمال التي قاومت الرياح، وما زالت جذورها تمتد عميقًا في تراب فلسطين.
معرض الصور
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.