القدس الغربية قبل النكبة: القطمون والطالبية والبقعة
القدس الغربية لم تكن يهودية قبل 1948. ففي الأحياء الجديدة خارج السور، مثل القطمون والطالبية والبقعة والمصرارة، عاش عشرات آلاف الفلسطينيين في بيوت حجرية بنوها بأيديهم. وفي 1948 هُجّر من هذه الأحياء نحو 45 ألف فلسطيني، ولم يبقَ منهم سوى نحو 200. [1]
يحكي هذا المقال قصة المدينة الجديدة التي بناها المقدسيون: كيف خرجوا من البلدة القديمة إلى الأحياء الحديثة، وكيف عاشوا فيها، وكيف سقطت أحياؤهم واحدًا بعد الآخر عام 1948، ومن سكن بيوتهم بعدهم. أما تاريخ القدس العام وقراها المهجرة، فتجده في صفحة مدينة القدس.
القدس الغربية قبل النكبة في أرقام
| البند | الرقم |
|---|---|
| الفلسطينيون الذين هُجّروا من المدينة الجديدة عام 1948 | نحو 45,000 [1] |
| الذين هُجّروا من القرى المحيطة | 28,256 [1] |
| الذين بقوا في المدينة الجديدة | نحو 200 [1] |
| القرى المهجّرة حول القدس | 40 قرية وبلدة، دُمّر 55% منها كليًا [1] |
| مساحة القدس البلدية (1947) التي احتُلّت وضُمّت | 84.12% [1] |
| العائلات في حي القطمون قبل النكبة | نحو 200 عائلة [4] |
الخروج من السور: نشأة المدينة الجديدة
منذ أواخر العهد العثماني بدأت العائلات المقدسية الميسورة تخرج من البلدة القديمة المكتظة، وتبني بيوتها الحجرية على التلال المحيطة بها غربًا وجنوبًا. ونشأت بذلك أحياء جديدة، منها البقعة الفوقا والتحتا، والطالبية، والقطمون، وماميلا، والمصرارة، وأبو طور، إلى جانب الحي الألماني والحي اليوناني. [2]
لم تكن هناك يومها «قدس شرقية» و«قدس غربية»؛ فقد نمت المدينة الجديدة امتدادًا طبيعيًا للبلدة القديمة، وبنى الفلسطينيون أحياءها وطوّروها، وعاشوا فيها حياة مدنية منفتحة. [1] وكانت في بعض الأحياء المجاورة أقلية يهودية صغيرة. [2]

القطمون
نشأ حي القطمون في منتصف تسعينيات القرن التاسع عشر، على مساحة نحو 157 دونمًا، وكانت تسكنه نحو 200 عائلة قبل النكبة. ويقع على تلة تطل على البقعة الفوقا والتحتا، وعليها دير قديم هو «دير القطمون» (دير مار سمعان)، ومن يسيطر عليه يسيطر على غرب المدينة وجنوبها. [4]
وكان في القطمون بيت المربي خليل السكاكيني، الذي صار بعد النكبة روضة أطفال. [2] وفيه أيضًا فندق «سميراميس»، الذي صار رمزًا لبداية سقوط الحي.
الطالبية
بُني حي الطالبية بين 1920 و1930 على أرض اشتُريت من بطريركية الروم الأرثوذكس، وكان معظم سكانه الأوائل من العائلات المقدسية المسيحية الميسورة، التي بنت بيوتًا أنيقة تحيط بها الأشجار وحدائق الورد. [3]
ومن عائلاته: سلامة، وطرشة، وسنونو، وبشارة، وشكري الجمال، وتوفيق كنعان، وإلياس الجلاد. [3] ومن أشهر بيوته:
- فيلا قسطنطين سلامة (1930–1935): من أفخم بيوت القدس، صممها مهندس فرنسي، وعاش فيها صاحبها حتى 1948 ثم رحل إلى لبنان، وصارت مقرًا للقنصلية البلجيكية. [3] [7]
- فيلا هارون الرشيد (1926): بناها حنا إبراهيم بشارات من طابقين بقناطر وحديقة أمامية، وسكنتها بعد النكبة غولدا مائير. [3]
- بيت عائلة طرشة: صار مقرًا للقنصلية الإسبانية. [2] [3]
- بيت توفيق كنعان: صار في عهد الانتداب فندق «ياسمين». [3]
وفي الطالبية أيضًا وُلد المفكر إدوارد سعيد وعاشت عائلته قبل النكبة. [2]

البقعة والمصرارة وأحياء أخرى
- البقعة الفوقا والتحتا: من أكبر الأحياء العربية جنوب غرب المدينة، وفيها حي النمامرة الذي يخصص له كتاب «القدس 1948» ملحقًا عن نشأته. [6]
- المصرارة: حي يقع خارج السور قرب باب العمود. [2]
- ماميلا وأبو طور: من الأحياء التي امتدت إليها المدينة خارج السور. [2]
- أراضي لفتا: امتدت المدينة الجديدة إلى أراضي قرية لفتا، حيث لا تزال بيوت عربية قرب المحطة المركزية تحمل نقوشًا عربية وآيات قرآنية. [7]

البيوت: حجر وقناطر وحدائق
بنت العائلات الميسورة في هذه الأحياء قصورًا حجرية تمزج الطراز الإسلامي بالحديث، وكانت القناطر علامتها المميزة، وفي حدائقها شجر الليمون والرمان والياسمين. وصمّمها مهندسون أجانب وفلسطينيون، وبناها بنّاؤون وحجّارون من بيت لحم، وجاء حجرها من مقالع دير ياسين. [2]
وما زالت على بعض واجهاتها نقوش من الرخام كتب عليها أصحابها عبارات مثل «هذا من فضل ربي». [2]
1948: سقوط الأحياء
تفجير فندق سميراميس
في ليلة 5 كانون الثاني 1948 فجّرت عصابة «الهاغاناه» فندق سميراميس في القطمون. وصل ثمانية من أفرادها في سيارتين، وفجّروا عبوة صغيرة عند المدخل ثم عبوة كبيرة في الطوابق السفلى. فقُتل 26 مدنيًا، معظمهم من عائلة أبو صوان، إلى جانب عمال مصريين ونائب القنصل الإسباني مانويل سالازار، وجُرح أكثر من 20. وبعد التفجير بدأ سكان القطمون يغادرون الحي. [5]
معركة القطمون
في 22 نيسان 1948 أمرت اللجنة القومية في القدس بإخراج النساء والأطفال والمسنين من الأحياء الغربية. وبين 27 و29 نيسان شنّت قوات «البلماخ» هجمات متتالية على القطمون، ودارت المعركة حول دير مار سمعان. ودافع عن الحي مقاتلو جيش الجهاد المقدس بقيادة إبراهيم أبو دية، الذي شكّل مجموعة من 130 مقاتلًا لم يبقَ منهم في النهاية سوى 15. واستشهد 35 مقاتلًا بين 27 و29 نيسان، وسقط الحي في 2 أيار 1948. [4]

وكتب الوسيط الدولي فولك برنادوت أن كثيرين ممن تأخروا في الخروج «حُرموا كل شيء». [4]
بعد النكبة: من سكن بيوتنا؟
- التهجير: هُجّر من المدينة الجديدة نحو 45 ألف فلسطيني، ومن القرى المحيطة 28,256، ولم يبقَ سوى نحو 200 فلسطيني حُصروا عامين ونصفًا في «منطقة أمنية» عسكرية في البقعة التحتا. [1]
- النهب: نُهبت البيوت وأُفرغت، بما فيها مكتباتها. [2] ثم أُجّرت للمستوطنين بأسعار زهيدة، وصارت ملكًا لهم. [4]
- أملاك الغائبين: فقدت العائلات، ومنها عائلة سلامة، بيوتها بموجب قانون «أملاك الغائبين». [3]
- السكان الجدد: سكن البيوت أكاديميون وكتّاب ومحامون وأطباء وكبار موظفين، وطلبها أساتذة الجامعة العبرية لقربها من مبنى «تيرا سانطا». [2] [3]
- الأسماء: سُمّيت شوارع الطالبية بأسماء أجانب خدموا المشروع الصهيوني، مثل وينغيت. [3]
- اليوم: صارت بيوت عربية مقرات لقنصليات ومؤسسات إسرائيلية، وفي الطالبية اليوم مقر رئيس الوزراء الإسرائيلي ومسرح القدس. [2] [3]
اقرأ أيضًا في موقعنا: مدينة القدس وقراها المهجرة، والتعليم في فلسطين قبل النكبة، والفن في فلسطين قبل النكبة، ويافا قبل النكبة.
خاتمة
ما زالت بيوت القطمون والطالبية والبقعة قائمة بحجرها وقناطرها وحدائقها، لكن أصحابها لا يستطيعون العودة إليها. وكثير منهم يعيشون اليوم على بعد كيلومترات قليلة في القدس الشرقية، أو في المنافي. هذه البيوت شهادة حية على أن القدس الغربية مدينة فلسطينية بناها أهلها، ثم سُلبت منهم عام 1948.
أسئلة شائعة عن القدس الغربية قبل النكبة
هل كانت القدس الغربية عربية قبل 1948؟
نعم، كانت فيها أحياء فلسطينية كبيرة مثل القطمون والطالبية والبقعة والمصرارة، هُجّر منها نحو 45 ألف فلسطيني عام 1948، ولم يبقَ منهم سوى نحو 200.
متى سقط حي القطمون؟
بعد معارك بين 27 نيسان و1 أيار 1948 حول دير مار سمعان، سقط حي القطمون في 2 أيار 1948.
ما هو تفجير فندق سميراميس؟
تفجير نفّذته عصابة الهاغاناه في فندق سميراميس بحي القطمون ليلة 5 كانون الثاني 1948، وقُتل فيه 26 مدنيًا معظمهم من عائلة أبو صوان، فبدأ سكان الحي يغادرونه.
من بنى حي الطالبية؟
بنته عائلات مقدسية مسيحية ميسورة بين 1920 و1930، منها عائلة سلامة، على أرض اشتُريت من بطريركية الروم الأرثوذكس.
ماذا حدث لبيوت الفلسطينيين في القدس الغربية؟
نُهبت بعد 1948، ثم استولت عليها إسرائيل بموجب قانون أملاك الغائبين، وسكنها أكاديميون وموظفون إسرائيليون، وصار بعضها قنصليات ومؤسسات رسمية.
أين وُلد إدوارد سعيد؟
وُلد المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد في القدس، وعاشت عائلته في حي الطالبية قبل النكبة.
المصادر والمراجع
- «West Side Story» (القصة الغربية: القدس الجديدة)، Jerusalem Story.
- وديع عواودة، «بيوت غربي القدس تشهد على هويتها»، الجزيرة نت، 30 آذار 2016.
- «حي الطالبية.. مقر المعالم التاريخية والقنصليات في القدس»، الموسوعة، الجزيرة نت، 25 آب 2024.
- «معركة القطمون بالقدس.. حين رفع المقاومون شعار "لن يمر الصهاينة إلا على جثثنا"»، الموسوعة، الجزيرة نت، 6 تشرين الأول 2024.
- «مجزرة تفجير فندق سميراميس في القدس عام 1948»، الموسوعة، الجزيرة نت، 7 تشرين الأول 2024.
- سليم تماري (محرر)، «القدس 1948: الأحياء العربية ومصيرها في حرب 1948»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز بديل، 2002.
- «بالصور: جمال وأناقة مباني القدس قبل النكبة»، الجزيرة نت، 15 أيار 2024.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.