عكا قبل النكبة: المدينة التي صمدت أسوارها
عكا مدينة صمدت أسوارها أمام نابليون عام 1799، وظلت حتى 1948 مدينة عربية بالكامل تقريبًا: كان فيها عام 1946 نحو 13,560 نسمة، منهم 50 يهوديًا فقط. وفي ربيع 1948 سُمّمت مياهها بجرثومة التيفوئيد، وفي 17 أيار 1948، بعد ثلاثة أيام من إعلان قيام إسرائيل، سقطت وهُجّر معظم أهلها. [1] [10]
يحكي هذا المقال قصة عكا قبل النكبة: أسوارها التي بناها ظاهر العمر والجزار، وجوامعها وخاناتها وميناءها وأسواقها، وأنديتها ومدارسها، وسجنها الذي صار رمزًا وطنيًا، ثم الأسابيع الأخيرة قبل سقوطها، وما حلّ بها وبقرى قضائها بعد 1948. أما جغرافيا المدينة وتاريخها العام، فتجدها في صفحة مدينة عكا.
عكا قبل النكبة في سطور
| البند | التفاصيل |
|---|---|
| السكان (1946) | 13,560 نسمة: 10,930 مسلمًا، و2,490 مسيحيًا، و50 يهوديًا [1] |
| بناة الأسوار | ظاهر العمر، ثم أحمد باشا الجزار [2] [3] |
| حصار نابليون | آذار–أيار 1799، وانتهى بانسحابه [4] |
| الثلاثاء الحمراء | 17 حزيران 1930، إعدام جمجوم والزير وحجازي في سجن عكا [5] |
| آخر رئيس بلدية عربي | حسني خليفة [1] |
| تسميم المياه | ربيع 1948، ضمن عملية بيولوجية بدأت في نيسان [10] |
| سقوط المدينة | 17 أيار 1948 [1] |
| قرى القضاء المهجّرة | 27 قرية [9] |
الأسوار: من ظاهر العمر إلى الجزار
في القرن الثامن عشر حكم الشيخ ظاهر العمر وأبناؤه عكا، وبنى ظاهر أسوارها الشهيرة. [2] وبعد عام 1750 ارتفعت الأسوار بطول نحو 500 متر في الشمال و300 متر في الشرق، وبارتفاع يصل إلى 8 أمتار. [3]
ثم جاء أحمد باشا الجزار، المولود في البوسنة عام 1734، الذي عُيّن واليًا على صيدا عام 1773، وجعل عكا مركز حكمه حتى وفاته في 7 أيار 1804. [4] فحصّنها بسور ثانٍ على بعد نحو 15 مترًا خارج السور الداخلي، فيه تسعة أبراج للمراقبة، منها برج كريم وبرج السلطان وبرج القومندان. [2] [3] وبنى في المدينة الأبراج والجسور والسوق والحمام والثكنة العسكرية وخانًا كبيرًا، وجلب إليها الماء. [4]

1799: نابليون أمام أسوار عكا
بعد أن احتل نابليون بونابرت مصر وساحل يافا، وصل جيشه إلى عكا في 20 آذار 1799، وأمر بالهجوم في 28 آذار، ثم تتابعت الهجمات في 1 نيسان و7 أيار و9 أيار. وفي 7 أيار اخترق الفرنسيون السور الأول ووصلوا إلى الثاني، لكنهم فشلوا في اقتحامه. [4] وانتشر الطاعون في جيش نابليون، ومات نحو 3 آلاف من جنوده بين قتيل ومريض، فانسحب بعد حصار دام نحو شهرين، وقصف المدينة أربعة أيام ليغطي انسحابه. [3] [4]
ويُنسب إلى نابليون قوله: «تحطمت أحلامي على أسوارك يا عكا، سلامًا لا لقاء بعده». [2]
جوامع عكا والمدرسة الأحمدية
كان جامع الجزار، الذي بناه أحمد باشا الجزار في القرن الثامن عشر، أبرز جوامع عكا وأكبرها، بقبته الخضراء الكبيرة وطرازه العثماني. وجُلبت حجارته وأعمدته الرخامية من أطلال قيسارية وعتليت، وفي ساحته قبر الجزار. وكانت الغرف المحيطة به مقرًا لطلاب «المدرسة الأحمدية» حتى 1948. وفيه شعرات من لحية النبي ﷺ في صندوق زجاجي، أهداها السلطان عبد الحميد الثاني إلى الشيخ أسعد الشقيري. [11]

ومن جوامع عكا الأخرى: [11]
- جامع الزيتونة (1745): بُني على أنقاض مسجد أموي، وكان في القرن التاسع عشر مقرًا للشيخ علي نور الدين اليشرطي، مؤسس الطريقة الشاذلية اليشرطية.
- جامع الرمل (1704): بُني على أساسات كنيسة صليبية، وفيه يُقال إن ظاهر العمر مدفون.
- جامع البحر (سنان باشا): قرب الميناء، حوّله الصليبيون إلى كنيسة ثم استُعيد.
- جامع المجادلة: بناه الوالي سليمان باشا العادل في القرن التاسع عشر للقادمين من مجدل عسقلان.
- جامع البرج: بُني على السور لحامية المدينة العثمانية.
وفي جنوب المدينة، في المقبرة الإسلامية، مقام النبي صالح. [2]
الخانات والأسواق والحمامات
- خان العمدان: الخان الكبير الذي بناه الجزار، وكان يُعرف بخان الجزار، ينزل فيه التجار وتُخزّن فيه البضائع. [4]
- السوق الأبيض: من أسواق البلدة القديمة. [3]
- حمام الباشا: الحمام الذي بناه الجزار. [3] [4]
- القلعة: التي صارت في عهد الانتداب سجنًا. [3] [5]


من عاصمة الجزار إلى ظل حيفا
كانت عكا في عهد ظاهر العمر والجزار أهم مدن الساحل الشمالي ومركز الحكم فيه. لكن الأمر تغير في أواخر العهد العثماني: فمع افتتاح سكة حديد الحجاز إلى حيفا عام 1905 وتطور ميناء حيفا، انتقلت التجارة إلى حيفا، وتراجعت تجارة عكا بينما ارتفعت إيرادات جمرك حيفا ارتفاعًا كبيرًا. [12]
ومع ذلك بقيت عكا مدينة حية: يعمل أهلها في التجارة والصيد والخدمات والصناعات الصغيرة [2] [9]، وكان فيها مكتب للجمارك، ومصنع للكبريت في الثلاثينيات، ومحطة لسكة الحديد تنطلق منها الرحلات إلى بيروت.

الميناء والبحر
كان ميناء عكا من أهم موانئ الصيد التاريخية في فلسطين [2]، ومن أهم موانئ البحر المتوسط للتجارة وحجاج الأرض المقدسة. [3] وكان الصيد مهنة كثير من أهل البلدة القديمة. اقرأ عن الصيد قبل النكبة.

العائلات والأندية والحياة الحديثة
كانت عكا مدينة تديرها عائلات عريقة، منها آل أبو الهدى والسعدي والشقيري وخليفة، وكان حسني خليفة آخر رئيس بلدية عربي لها. [1] ومن أبنائها أحمد الشقيري، ابن الشيخ أسعد الشقيري، الذي صار أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، ويظهر في صورة لفريق نادي عكا الرياضي عام 1928. [6] وفيها وُلد الأديب غسان كنفاني في 9 نيسان 1936. [7]
وعرفت المدينة الحياة الحديثة: ففي 1939 افتُتحت فيها سينما «الأهلي» التي استأجرها ميشيل صيقلي من الحاج محمد اللبابيدي [8]، وكانت فيها فرقة مسرحية في النادي الأرثوذكسي، وعُقد فيها عام 1930 مؤتمر الطلبة العرب العام. اقرأ: الفن في فلسطين قبل النكبة، والرياضة في فلسطين قبل النكبة.


سجن عكا والثلاثاء الحمراء
بعد ثورة البراق عام 1929 اعتقلت السلطات البريطانية عددًا من الفلسطينيين، وحكمت على 26 منهم بالإعدام، ثم خففت الحكم عن 23 إلى المؤبد. وفي يوم الثلاثاء 17 حزيران 1930 أعدمت الثلاثة الباقين في سجن القلعة بعكا: فؤاد حجازي في الثامنة، ثم عطا الزير في التاسعة، ثم محمد جمجوم في العاشرة. ورفض البريطانيون تسليم جثامينهم، فدُفنوا داخل السجن 40 يومًا قبل نقلهم إلى المقبرة الإسلامية في عكا. [5]
وعُرف ذلك اليوم بـ«الثلاثاء الحمراء»، وصار الثلاثة رموزًا وطنية خالدة. [5] [9]

الأسابيع الأخيرة: من سقوط حيفا إلى حصار عكا
بعد قرار التقسيم في تشرين الثاني 1947 أمرت الهيئة العربية العليا في 27 تشرين الثاني بتشكيل لجان قومية في المدن والقرى، لكن تشكيلها في عكا تأخر نحو شهر بسبب خلاف بين معسكر رئيس البلدية والقوى الموالية للحاج أمين الحسيني. [1]
وكانت عكا في قرار التقسيم خارج حدود الدولة اليهودية المقترحة. [1] لكن سقوط حيفا في 22 نيسان 1948 جعلها مكشوفة، فتتابعت الهجمات عليها، وغادرتها عائلات كثيرة، منها عائلة غسان كنفاني التي رحلت إلى لبنان في أواخر نيسان. [7] وفي 14 أيار سقطت قرى الساحل شمال المدينة، مثل البصة والزيب والسميرية والمنشية، فصارت عكا محاصرة. [9]
تسميم مياه عكا بالتيفوئيد
في ربيع 1948 تعرّضت عكا لجريمة لم تُكشف وثائقها إلا بعد أكثر من سبعين عامًا. ففي تشرين الأول 2022 نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية وثائق عسكرية تكشف عملية بيولوجية سرية حملت اسم «ألقِ خبزك»، لتسميم مصادر المياه في المدن والقرى الفلسطينية بجراثيم الأمراض. [10]
- البداية: بدأت العملية في نيسان 1948 في المنطقة بين القدس وتل أبيب، ثم امتدت شمالًا إلى عكا وجنوبًا إلى غزة. [10]
- عكا: بحسب تقارير مختلفة، أُصيب عشرات العرب بالمرض، وخاصة في عكا. [10]
- غزة: في 22 أيار 1948 أُرسل رجلان لتنفيذ عملية مماثلة في غزة. [10]
- المسؤولية: تشير الوثائق إلى أن العملية جرت بعلم دافيد بن غوريون، وأشرف عليها يغئال يادين، وشارك فيها موشيه دايان، وعلماء من وحدة علمية في الجيش. [10]
- القانون الدولي: كانت العملية انتهاكًا لبروتوكول جنيف لعام 1925 الذي يحظر الأسلحة البيولوجية، وواجهت انتقادًا حتى من داخل القيادة الصهيونية. [10]
ويدّعي المؤرخان الإسرائيليان اللذان كشفا الوثائق أن العملية لم تغيّر مسار الحرب، لكنها تبقى شاهدًا على أن تهجير أهل عكا لم يكن بالقتال وحده. [10] اقرأ عن المجازر الصهيونية في موقعنا.
17 أيار 1948: سقوط عكا
في 17 أيار 1948، بعد ثلاثة أيام من إعلان قيام إسرائيل، سقطت عكا بيد الهاغاناه بعد مقاومة محدودة، فكانت أول مدينة كبيرة تسقط خارج حدود الدولة اليهودية في قرار التقسيم، بعد يافا. [1] وجاء سقوطها ضمن هجوم الربيع على الساحل الشمالي الذي حمل اسم «بن عامي»، وهُجّر معظم أهلها العرب. [9]

قرى قضاء عكا المهجّرة
لم تسقط عكا وحدها؛ فقد هُجّرت 27 قرية في قضائها خلال 1948، على مراحل: [9]
| تاريخ التهجير | القرى |
|---|---|
| 14 أيار 1948 | البصة، الزيب، السميرية، المنشية |
| 20–21 أيار 1948 | الغابسية، الكابري، النهر، التل، أم الفرج |
| حزيران–تموز 1948 | البروة، عمقا، كويكات، ميعار |
| أواخر تشرين الأول–تشرين الثاني 1948 | سحماتا، ترشيحا، دير القاسي، كفر عنان، إقرث، وغيرها |
وتجد القائمة الكاملة بصفحة كل قرية في صفحة قضاء عكا ضمن تبويب القرى المهجرة. اقرأ أيضًا: القرية الفلسطينية قبل النكبة.
عكا بعد النكبة واليوم
بعد 1948 بُنيت بجوار البلدة القديمة مدينة يهودية جديدة على الطراز الحديث للمهاجرين اليهود، وهُمّشت البلدة القديمة. [11] [13] وصادرت السلطات الإسرائيلية كثيرًا من أوقاف الجوامع، وأُغلق بعضها سنوات طويلة، مثل جامع اللبابيدي الذي لم يُفتح للصلاة إلا بعد حملة طويلة من الأهالي. [11]
واليوم يشكّل العرب نحو 30% من سكان عكا، ويعيش معظمهم في البلدة القديمة داخل الأسوار. [14] وقد أُدرجت البلدة القديمة على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2001، لكن سكانها يواجهون قيودًا بلدية على ترميم بيوتهم. [3]
اقرأ أيضًا في موقعنا: مدينة عكا وقراها المهجرة، ويافا قبل النكبة، والصيد قبل النكبة.
خاتمة
صمدت أسوار عكا أمام جيش نابليون، وصمد أهلها داخلها قرونًا. وفي ربيع 1948 حوصرت المدينة، وسُمّمت مياهها، وسقطت، وهُجّر معظم أهلها وأهل 27 قرية حولها. لكن أسوارها لا تزال قائمة على البحر، وفي داخلها بلدة قديمة عربية تحرس جامع الجزار وخان العمدان وذاكرة مدينة لم تنحنِ.
أسئلة شائعة عن عكا قبل النكبة
كم كان عدد سكان عكا قبل النكبة؟
كان في عكا عام 1946 نحو 13,560 نسمة: 10,930 مسلمًا و2,490 مسيحيًا و50 يهوديًا فقط، فكانت مدينة عربية بالكامل تقريبًا.
متى سقطت عكا عام 1948؟
سقطت عكا بيد الهاغاناه في 17 أيار 1948، بعد ثلاثة أيام من إعلان قيام إسرائيل، رغم أنها كانت خارج حدود الدولة اليهودية في قرار التقسيم.
هل سُمّمت مياه عكا عام 1948؟
نعم. كشفت وثائق عسكرية إسرائيلية نشرتها صحيفة هآرتس عام 2022 أن قوات صهيونية نفّذت عملية بيولوجية سرية لتسميم مصادر المياه بدأت في نيسان 1948، وأن عشرات العرب أُصيبوا بالمرض، وخاصة في عكا.
من بنى أسوار عكا؟
بنى الشيخ ظاهر العمر أسوار عكا في القرن الثامن عشر، ثم حصّنها أحمد باشا الجزار بسور ثانٍ فيه تسعة أبراج.
لماذا فشل نابليون في احتلال عكا؟
صمدت أسوار عكا وحاميتها بقيادة الجزار أمام هجماته المتكررة عام 1799، وانتشر الطاعون في جيشه، فانسحب بعد حصار دام نحو شهرين.
ما هي الثلاثاء الحمراء؟
يوم 17 حزيران 1930، الذي أعدمت فيه السلطات البريطانية فؤاد حجازي وعطا الزير ومحمد جمجوم في سجن عكا بعد ثورة البراق.
ما هو جامع الجزار؟
أكبر جوامع عكا، بناه أحمد باشا الجزار في القرن الثامن عشر بقبة خضراء وأعمدة رخامية من قيسارية وعتليت، وفيه قبره، وكانت حوله المدرسة الأحمدية حتى 1948.
هل وُلد غسان كنفاني في عكا؟
نعم، وُلد غسان كنفاني في عكا في 9 نيسان 1936، ورحلت عائلته إلى لبنان في أواخر نيسان 1948 بسبب الهجمات على المدينة.
المصادر والمراجع
- مصطفى عباسي، «سقوط عكا في حرب فلسطين عام 1948»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
- الموسوعة، «عكا»، الجزيرة نت، 2014.
- علي سعادة، «"عكا".. مدينة هزمت نابليون وقهرت جيوشه على أسوارها»، عربي21، 1 آذار 2021.
- بلقيس دارغوث، «أحمد باشا الجزار.. العثماني العجوز الذي هزم نابليون بونابرت في فلسطين»، عربي بوست، 1 نيسان 2020.
- غاندي عنتر، «ما هي قصة "الثلاثاء الحمراء"؟»، عربي بوست، 14 آذار 2023.
- عصام الخالدي، «Body and Ideology: Early Athletics in Palestine (1900–1948)»، حوليات القدس، العدد 27.
- «نصف قرن على اغتيال غسان كنفاني.. تسقط الأجساد لا الفكرة»، عربي21، 10 تموز 2022.
- «بدايات العروض السينمائية في فلسطين»، الجزيرة الوثائقية، الجزيرة نت، 24 شباط 2011.
- «عكا»، تبويب القرى الفلسطينية المهجرة، موقع فلسطيننا.
- «وثائق تكشف الحرب البيولوجية للجيش الإسرائيلي سنة 1948»، نون بوست، 16 تشرين الأول 2022 (ترجمة عن صحيفة هآرتس، 14 تشرين الأول 2022).
- وديع عواودة، «مساجد عكا شواهد على تاريخها»، الجزيرة نت، 10 تموز 2013.
- منصور جوين، «دور سكة حديد الحجاز في تطور مدينة حيفا»، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 17، العدد 65، 2006.
- «عكا»، الجزيرة نت، 22 أيار 2011.
- «"المدن المختلطة" في إسرائيل.. نتاج السلب والنهب والتهجير لمدن فلسطين الساحلية»، القدس العربي، 6 حزيران 2021.
اقرأ أيضاً من الأرشيف
تحميل تطبيق فلسطيننا
الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.
أضف تعليقك
الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.