فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

مقال

حيفا قبل النكبة: مدينة الميناء والعمال والصحافة

حيفا قبل النكبة: مدينة الميناء والعمال والصحافة

كانت حيفا قبل نكبة 1948 أكبر مدينة عمالية في فلسطين وأهم موانئها، يعيش فيها نحو 75 ألف فلسطيني، ويلتقي فيها القطار القادم من دمشق ومصر بالسفن والنفط القادم من العراق. وفي ليلة واحدة من نيسان 1948 سقطت المدينة، ولم يبقَ من أهلها الفلسطينيين سوى نحو 4 آلاف. [2] [8]

يحكي هذا المقال عن حيفا التي كانت: أحياؤها وأسواقها، وميناؤها وسكة حديدها وعمالها، وصحفها ومنابرها، والشيخ القسام الذي انطلقت دعوته من مسجدها، ثم الليلة التي سقطت فيها. أما جغرافيا المدينة وتاريخها العام وقراها المهجرة، فتجدها في صفحة مدينة حيفا.

حيفا قبل النكبة في سطور

البندالتفاصيل
تأسيس حيفا الجديدة1761 على يد ظاهر العمر الزيداني [1]
السكاننحو 15 ألفًا عام 1905، ونحو 75 ألف فلسطيني قبيل النكبة [3] [8]
سكة الحديدخط حيفا–درعا الحجازي منذ 1905 [3]
الميناءأحواض عميقة للسفن الكبيرة منذ 1933 [7]
الصحافةنحو 35 صحيفة ومجلة، وأشهرها «الكرمل» (1908) [2] [4]
سقوط المدينة22 نيسان 1948 [7]
من بقينحو 4 آلاف من أصل 75 ألفًا [8]

من حيفا ظاهر العمر إلى مدينة الانتداب

تبدأ حكاية حيفا الحديثة عام 1761، حين نقلها الشيخ ظاهر العمر الزيداني من موقعها القديم في تل السمك، على بعد نحو 3 كيلومترات شرقًا، إلى موقعها الجديد، وأحاطها بسور. وصار ميناؤها يصدّر حاصلات الجليل، وخاصة القطن، إلى أوروبا. ومع الصراع بين ظاهر العمر والسلطة العثمانية ثم أحمد باشا الجزار، انتقلت القنصليات الأوروبية من عكا إلى حيفا، فبدأ صعودها حتى تجاوزت عكا في القرن التاسع عشر. [1]

ثم جاءت سكة حديد الحجاز عام 1905، فتضاعف عدد سكان المدينة: من نحو 6 آلاف عام 1880 إلى نحو 15 ألفًا عام 1905، ونحو 23 ألفًا عام 1914. [3] وفي عهد الانتداب صارت حيفا مركزًا للحياة الثقافية والتعليمية، يقصدها الكتّاب من سوريا ولبنان ومصر. [1]

منظر عام لمدينة حيفا من جبل الكرمل عام 1935
منظر عام لحيفا من جبل الكرمل باتجاه الغرب، 1935. من أرشيف صفحة حيفا في موقع فلسطيننا.

الأحياء والأسواق

امتدت حيفا العربية من البلدة القديمة قرب البحر إلى سفوح الكرمل. ومن أحيائها: وادي الصليب، ووادي النسناس، والحليصة، وعباس، ومحطة الكرمل، والكبابير. [12] وفي حي الحليصة جعل غسان كنفاني بيت سعيد وصفية، بطلي روايته «عائد إلى حيفا». [9]

حي وادي الصليب في حيفا عام 1937
وادي الصليب عام 1937، من كنيسة مار الياس للروم الأرثوذكس. من أرشيف صفحة حيفا في موقع فلسطيننا.

وكان قلب المدينة «ساحة الحناطير» قرب محطة القطار، حيث تتجمع العربات والمسافرون. وحولها انتشرت الأسواق: سوق الخضار في الجرينة، و«سوق الشوام» الذي اختص به تجار دمشق وحلب وحمص.

ساحة الحناطير في حيفا قرب محطة القطار عام 1934
ساحة الحناطير قرب محطة القطار، الساحة الحيوية في وسط حيفا، 1934. من أرشيف صفحة حيفا في موقع فلسطيننا.
سوق الشوام في حيفا عام 1910 الخاص بتجار دمشق وحلب وحمص
«سوق الشوام»، سوق تجار دمشق وحلب وحمص في حيفا، 1910. من أرشيف صفحة حيفا في موقع فلسطيننا.
بائع الكعك والمعجنات في شوارع حيفا عام 1941
بائع الكعك والمعجنات في حيفا، 1941. من أرشيف صفحة حيفا في موقع فلسطيننا.

أم العمل: الميناء والقطار والمصفاة

قام اقتصاد حيفا على ثلاث ركائز: سكة الحديد، والميناء، والمنطقة الصناعية شرق المدينة بمصافيها ومصانعها. [2]

  • سكة الحديد: صارت حيفا مقرًا لإدارة سكة حديد الحجاز، وكانت السكة أكبر مشغّل في المدينة بين 1903 و1908، فلُقّبت حيفا بـ«أم العمل». [3] اقرأ: القطارات والموانئ في فلسطين قبل النكبة.
  • الميناء: اكتملت أحواضه العميقة للسفن الكبيرة عام 1933، فصار أهم موانئ فلسطين، وبوابة إلى العراق والأردن وجنوب سوريا. [7] [12]
  • النفط: وصل خط أنابيب النفط من كركوك إلى حيفا عام 1934، وبدأت مصفاة حيفا العمل. [3] [7]
ميناء حيفا عام 1940
ميناء حيفا، 1940. من أرشيف صفحة حيفا في موقع فلسطيننا.

ويقدّر المؤرخ جوني منصور أن الميناء كان يشغّل نحو 7 آلاف عامل، والمصافي نحو 10 آلاف، وسكة الحديد نحو 4 آلاف، وأن العمال جاؤوا إليها من لبنان وسوريا والعراق والأردن واليمن وشمال أفريقيا. [2] وكانت حيفا محطة لخطوط الباصات إلى بيروت ودمشق وبغداد منذ 1923. [11]

عمال حيفا

من محطة القطار وورشها خرجت الحركة العمالية العربية في فلسطين. ففي 1923 شكّل عمال السكة في حيفا «لجنة الإخاء لعمال سكة حديد فلسطين»، وفي 21 آذار 1925 أُعلن في حيفا عن تأسيس «جمعية العمال العربية الفلسطينية». [6]

وكان سامي طه، قائد الجمعية في حيفا، من أبرز وجوه الحركة العمالية، حتى اغتيل في المدينة في 11 أيلول 1947، وشيّعته حشود كبيرة إلى بلد الشيخ. [6] وفي 28 كانون الأول 1947 شهدت مصفاة حيفا واحدة من أعنف المواجهات العمالية قبل النكبة، بعد أن ألقى صهيوني قنبلة من حافلة على العمال العرب. [7]

الصحافة والثقافة

يقول جوني منصور إن حيفا عرفت نحو 35 صحيفة ومجلة أسبوعية وشهرية وفصلية، وإنها كانت تتقدم على بيروت في ذلك. وينقل عن الكاتب سمير قصير قوله إن بيروت لم تصبح عاصمة الثقافة العربية إلا بعد سقوط حيفا. [2]

  • جريدة «الكرمل»: أسسها نجيب نصار في حيفا عام 1908، وكرّسها للتحذير من الخطر الصهيوني، وساعدته زوجته ساذج نصار في تحريرها. أغلقها العثمانيون شهرين عام 1909، ثم أغلقتها سلطات الانتداب نهائيًا عام 1944. [4]
  • مجلة «الزهور» ومسرح الرابطة الأدبية: أصدر جميل البحري مجلته في حيفا عام 1921، وساهم في تأسيس مسرح «الرابطة الأدبية». [10]
  • الفن: قدّم يوسف وهبي وفرقة رمسيس عروضهما في حيفا، وأحيا فريد الأطرش فيها ست حفلات، وأم كلثوم حفلتين. ويقول جوني منصور إن لقب «كوكب الشرق» جاء من مقهى في حيفا يحمل هذا الاسم. [2] اقرأ: الفن في فلسطين قبل النكبة.
  • الشعر: ارتبطت بحيفا أسماء شعراء مثل حسن البحيري وعبد الكريم الكرمي (أبو سلمى) ووديع البستاني. [1]

القسام وجامع الاستقلال

جعل الشيخ عز الدين القسام حيفا قاعدته بعد وصوله إلى فلسطين عام 1921. فقد درّس في المدرسة الإسلامية فيها، وترأس جمعية الشبان المسلمين، ومن على منبر جامع الاستقلال ألقى إحدى أشهر خطبه التي دعا فيها إلى حمل السلاح. [5] وفي 20 تشرين الثاني 1935 استشهد في أحراج يعبد قرب جنين، فاشتعلت بعد استشهاده الثورة الكبرى. [1] [5]

النكبة: سقوط حيفا

وضع قرار التقسيم عام 1947 حيفا داخل الدولة اليهودية المقترحة. [12] وفي 21 نيسان 1948 أعلن الحاكم العسكري البريطاني للعرب انسحاب قواته، بعد أن أبلغ الجانب الصهيوني بذلك قبل أربعة أيام. [12] وبدأت معركة حيفا، فقصفت العصابات الصهيونية الأحياء العربية من مواقعها على الكرمل. [2] [9]

دافع عن المدينة نحو 580 شابًا، استشهد منهم نحو 60 في المعركة الأخيرة، إلى جانب 10 مسعفين وأكثر من 100 مدني. وفي 22 نيسان 1948 سقطت حيفا. [7] وحملت الزوارق أهل حيفا عنوة إلى عكا [9]، وتشرّد الباقون إلى لبنان وسوريا.

مدينة حيفا بعد تهجير سكانها الفلسطينيين في نيسان 1948
حيفا بعد تطهير سكانها الفلسطينيين عرقيًا، نيسان 1948. من أرشيف صفحة حيفا في موقع فلسطيننا.
  • التهجير: من نحو 75 ألف فلسطيني، هُجّر أكثر من 95%، ولم يبقَ سوى نحو 4 آلاف. [8]
  • الغيتو: جُمع من بقي في حي وادي النسناس تحت الحكم العسكري. [8]
  • الأملاك: استولت الدولة على البيوت الفلسطينية بموجب قانون «أملاك الغائبين»، وهُدم معظم وادي الصليب عام 1949، وهُدمت سرايا حيفا العثمانية في العام نفسه. [8]
  • اليوم: لم يبقَ من بيوت حيفا الفلسطينية الأصلية سوى نحو 20%، وتُباع البيوت الباقية في وادي الصليب عقارات فاخرة. [8]

وقبل سقوط المدينة بأيام، فقد رشيد الحاج إبراهيم، أحد قادتها، ابنه سميح في بيروت، ثم كتب في مذكراته عن حيفا التي غادرها عمال القرى في الأسابيع الأخيرة فخسرت روحها. [7]

اقرأ أيضًا في موقعنا: مدينة حيفا وقراها المهجرة، ويافا قبل النكبة، والرياضة في فلسطين قبل النكبة، والصناعات الفلسطينية قبل النكبة.

خاتمة

كانت حيفا قبل النكبة مدينة الحاضر والمستقبل في فلسطين: ميناء يستقبل السفن، وقطار يعبر إلى دمشق، وعمال من كل البلاد العربية، وصحف ومسارح وأسواق. وفي ليلة واحدة من نيسان 1948 خسرت فلسطين «عروس الكرمل»، وبقي من أهلها بضعة آلاف في وادي النسناس، يحرسون ذاكرة مدينة لم تعد لهم.

أسئلة شائعة عن حيفا قبل النكبة

كم كان عدد الفلسطينيين في حيفا قبل النكبة؟

كان في حيفا قبيل سقوطها نحو 75 ألف فلسطيني، هُجّر منهم أكثر من 95%، ولم يبقَ سوى نحو 4 آلاف.

متى سقطت حيفا عام 1948؟

بدأت معركة حيفا في 21 نيسان 1948 بعد إعلان الانسحاب البريطاني، وسقطت المدينة في 22 نيسان 1948، قبل نحو ثلاثة أسابيع من إعلان قيام إسرائيل.

لماذا سُمّيت حيفا «أم العمل»؟

لأنها كانت أكبر مدينة عمالية في فلسطين: فيها سكة حديد الحجاز والميناء والمصافي، وكانت تشغّل آلاف العمال القادمين من فلسطين والبلاد العربية.

ما هي جريدة الكرمل؟

جريدة أسسها نجيب نصار في حيفا عام 1908، وكانت من أوائل الصحف التي حذّرت من الخطر الصهيوني، وأغلقتها سلطات الانتداب نهائيًا عام 1944.

ما علاقة عز الدين القسام بحيفا؟

جعل القسام حيفا قاعدته، فدرّس فيها، وترأس جمعية الشبان المسلمين، وخطب في جامع الاستقلال داعيًا إلى الجهاد، حتى استشهد في أحراج يعبد عام 1935.

ماذا بقي من حيفا العربية اليوم؟

بقي نحو 20% من بيوتها الفلسطينية الأصلية، ويعيش فلسطينيوها في أحياء مثل وادي النسناس وعباس والحليصة، بينما يُهدم ما تبقى من وادي الصليب أو يُباع عقارات فاخرة.

المصادر والمراجع

  1. جوني منصور، «حيفا الجديدة تحتفي بعيدها الـ250»، ديوان العرب، 8 شباط 2011.
  2. بيسان العمري، «جوني منصور: حيفا قبل النكبة لؤلؤة بلاد الشام»، الجزيرة نت، 10 أيار 2016.
  3. منصور جوين، «دور سكة حديد الحجاز في تطور مدينة حيفا»، مجلة الدراسات الفلسطينية، المجلد 17، العدد 65، 2006.
  4. «نجيب نصار»، الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
  5. أمين حبلا، «الشهيد عز الدين القسام.. معلم القرآن الذي أرعب المحتلين حيًا وميتًا»، الجزيرة نت، 20 أيار 2021.
  6. «العمل النقابي الفلسطيني 1920–1948»، الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
  7. علي حبيب الله، «حيفا وطريق نكبتها في مذكرات رشيد الحاج إبراهيم»، نون بوست، 10 أيار 2024.
  8. «أطلال النكبة في حيفا.. منازل الفلسطينيين التاريخية تباع عقارات فاخرة لأثرياء إسرائيليين»، الجزيرة نت، 19 أيار 2023.
  9. ديمة غسان، «حيفا.. المدينة الحكاية بعيون أدبية»، نون بوست، 20 تشرين الأول 2018.
  10. أحمد مروات، «جميل البحري»، ديوان العرب، 2 كانون الأول 2007.
  11. «إحياء باص حيفا–بيروت في ذكرى سقوط المدينة»، العربي الجديد (بالإنجليزية)، 23 نيسان 2021.
  12. عبد القادر بن مسعود، «تاريخ مدينة حيفا الفلسطينية»، عربي بوست، 20 كانون الثاني 2024.
افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.