فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

التراث الفلسطيني

كيف حاول الاحتلال الصهيوني سرقه الدبكة الفلسطينية؟

كيف حاول الاحتلال الصهيوني سرقه الدبكة الفلسطينية؟

في نوادي الرقص الشعبي حول العالم، من كاليفورنيا إلى برلين، يتعلّم الهواة رقصات بأسماء مثل «دبكة جلبوع» و«دبكة عبود»، ويُقال لهم إنها «رقصات شعبية إسرائيلية». وفي فلسطين، كانت الدبكة نفسها تُرقص في الأعراس والمواسم قبل أن تقوم إسرائيل بقرون.

هذه ليست صدفة. ففي أربعينيات القرن العشرين، قبيل النكبة، جلست مصمّمات رقص صهيونيات في أعراس القرى الفلسطينية يراقبن الدبكة، ثم صمّمن منها «فولكلورًا» جديدًا لشعب كان يُراد له أن يبدو أصيلًا في الأرض. هذه قصة كيف دخلت الدبكة الفلسطينية إلى «الفولكلور الإسرائيلي»، وكيف ردّ الفلسطينيون.

فرقة دبكة فلسطينية بالأزياء الشعبية المطرزة في عرس فلسطيني
الدبكة الفلسطينية: رقصة الجماعة في الأعراس والمواسم.

الدبكة الفلسطينية: رقصة الجماعة

الدبكة رقصة جماعية يقف فيها الراقصون، رجالًا ونساءً، في خط مستقيم أو نصف دائرة، متشابكي الأيدي أو الأكتاف، يضربون الأرض بأقدامهم ويقفزون على إيقاع واحد. ترافقها آلات النفخ الشعبية كالشبّابة واليرغول، وأغانٍ باللهجات المحلية عن الشجاعة والقوة والحب، بحسب وصف اليونسكو.

تُرقص الدبكة في الأعراس والتخرّج والمواسم، في الساحات العامة وأحواش البيوت. ويتعلّمها الصغار بالمشاركة والتقليد في الأفراح. وهي في جوهرها رقصة تعاون: يرتبط اسمها في الذاكرة الشعبية بـ«العونة»، حين كان أهل القرية يتعاونون في رصّ سطوح البيوت الطينية بأقدامهم. ولموقع «فلسطيننا» مقال مفصّل عن أصل الدبكة وأنواعها وقائدها «اللوّيح».

«فولكلور» صُنع في الأربعينيات

الحقيقة التي يعترف بها مؤرّخو الرقص الإسرائيلي أنفسهم أن «الرقص الشعبي الإسرائيلي» لم ينشأ شعبيًا، بل صُمّم عمدًا في الأربعينيات لبناء ثقافة جديدة للمستوطنين في فلسطين، بحسب ويكيبيديا.

كان المهاجرون اليهود قد جلبوا معهم رقصات بلدانهم الأوروبية، كالهورا الرومانية والبولكا. لكن الجيل الثاني أراد رقصات «محلية» تربطه بالأرض. وهنا ظهرت المشكلة: لا توجد رقصات يهودية قديمة في هذه الأرض يمكن إحياؤها. فاتّجه المصمّمون إلى أقرب مصدر «محلي» متاح: رقصات أهل البلاد الفلسطينيين.

وفي عام 1944، قبل النكبة بأربع سنوات، نظّمت غوريت كادمان أول مهرجان للرقص الشعبي في كيبوتس «داليا» على جبل الكرمل، وصار المهرجان حدثًا دوريًا أسّس لهذا «الفولكلور» الجديد.

ريفكا شتورمان: من أعراس القرى العربية إلى «دبكة جلبوع»

كانت ريفكا شتورمان من أبرز مصمّمات الرقص الإسرائيلي، وصمّمت بين 1942 و1983 أكثر من 90 رقصة. وتروي في سيرتها أن صهرها، الذي كان مفاوضًا مع العرب، كان يصطحبها إلى أعراس القرى العربية وولائمها، فتراقب الرقص هناك.

وتقول إن هذه المشاهدات أعطت رقصاتها الأولى «لونًا عربيًا»، خاصة في انحناءة الخطوة، والقامة المنتصبة المنضبطة، والإيقاع المتقطّع، بحسب سيرتها المنشورة. ومن رقصاتها:

الرقصةالسنةما تقوله سيرتها عنها
«هروعيم» (الرعاة)1942دبكة قُدّمت في حفل تخرّج بكيبوتس غيفع
«أني روعيه تسوني»1944وصفتها بأنها «أول دبكة صمّمتها»، وقُدّمت في مهرجان داليا
«دبكة جلبوع»1947دبكة عن «معركة جلبوع»، بحركات تقدّم وتراجع

لاحظ التاريخ: «دبكة جلبوع» صُمّمت عام 1947، أي عشية النكبة، عن «معركة». أي أن الرقصة التي أُخذت من أعراس الفلسطينيين أُعيد تقديمها لتحكي قصة القتال ضدّهم.

غوريت كادمان: «من الدبكات العربية»

تُلقَّب غوريت كادمان بـ«أمّ الرقص الشعبي الإسرائيلي». وفي نصّ كتبته عام 1973، شرحت بوضوح كيف صُنع هذا الرقص: لم يكن الهدف إحياء رقصات قديمة، لأن رقصات التوراة ضاعت، بل ابتكار رقصات جديدة تمزج عناصر من مصادر عدة، بحسب نصّها المنشور.

وعدّدت كادمان هذه المصادر: الرقصات الحسيدية، واليمنية، والبلقانية، و«الدبكات العربية»، التي وصفتها بأنها رقصات في صفوف مفتوحة، بخطوات صغيرة منضبطة ومعقّدة أحيانًا، وحركات جسد مهتزّة. ووصفت العملية كلها بأنها «جسر» بين الشرق والغرب.

بعبارة أخرى: «أمّ الرقص الشعبي الإسرائيلي» نفسها تعترف بأن الدبكة العربية مصدر من مصادره. لكن هذا الاعتراف يبقى في الكتب، أما في القاعات حول العالم فتُقدَّم الرقصات على أنها «إسرائيلية» فقط.

بعد النكبة: الدبكة في يد المنتصر

بعد النكبة واحتلال فلسطين، تحوّل استخدام الدبكة من «الاستلهام» إلى ما هو أبعد. ففي كتابه «إثارة الغبار: تاريخ ثقافي للرقص في فلسطين»، يوثّق الباحث نيكولاس رو كيف قدّم مصمّمو الرقص الصهاينة قبل 1948 رقصات فلسطينية على أنها رقصات صهيونية، بحثًا عن «جذور محلية» تمنح الدولة اليهودية شرعية، بحسب ذا لندن ماغازين.

ويذكر رو أن الراقصة فيرا غولدمان زعمت في الأربعينيات أن المهاجرين اليهود الأوروبيين يشعرون بـ«صلة فطرية» بهذه الرقصات الفلّاحية العربية. أي أن رقصة الفلاح الفلسطيني صارت دليلًا على «أصالة» المستوطن الأوروبي.

وفي أول احتفال بـ«عيد الاستقلال» عام 1949، أدّى مئات الجنود الإسرائيليين عرضًا راقصًا بعنوان «نعم، سيخسرون»، يحاكي الهجوم على السكان المحليين والانتصار عليهم. كانت النكبة قد حدثت قبل أشهر، وها هي تُرقص احتفالًا.

دبكات بأسماء عربية وصفة «إسرائيلية»

واستمر تصميم «الدبكات الإسرائيلية» بعد النكبة. فعام 1974 صمّم موشيكو هاليفي رقصة «يا عبود» (دبكة عبود) لفرقة درزية في عسفيا على جبل الكرمل، مستخدمًا عناصر عربية تعلّمها من أحد كبار راقصيها، على لحن أغنيتين لبنانيتين للمطربة صباح: «الندّة الندّة» و«جيب المجوز يا عبود»، بحسب موقع فورت كولينز للرقص الشعبي.

رقصة عربية، لفرقة عربية، على أغنية عربية، بخطوات عربية. لكنها تُدرَّس حتى اليوم في نوادي الرقص حول العالم ضمن قوائم «الرقص الشعبي الإسرائيلي».

الفرق الفلسطينية: الدبكة تعود إلى أهلها

في المقابل، جعل الفلسطينيون من الدبكة أداة لاستعادة هويتهم. فبعد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة عام 1967، تأسّست فرق فلسطينية كبرى، منها فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية عام 1979، وسرية رام الله عام 1985، وكلتاهما في الضفة الغربية.

ولم يكن ذلك بلا ثمن. فبحسب نيكولاس رو، اعتُقل راقصون خلال العروض، وخضعت مهرجانات الفولكلور للرقابة والتعطيل، وتعرّض منظّموها للتحقيق والسجن والاعتداء، وفُرضت قيود عسكرية على سفر أعضاء الفرق. أي أن الاحتلال الذي «استلهم» الدبكة، كان يعاقب الفلسطينيين حين يرقصونها هم.

وفي عام 2004 قدّمت فرق رام الله عرضًا ساخرًا بعنوان «ممنوع العبور»، عن تجارب الفنانين تحت الاحتلال. وصارت الدبكة حاضرة في كل مناسبة وطنية، وفي المخيمات والشتات، رمزًا لوحدة الصف وثبات الأقدام في الأرض.

فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية تقدم عرض دبكة على المسرح
فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية، تأسّست عام 1979. (استخدم صورة بإذن من الفرقة)

2023: الدبكة الفلسطينية في اليونسكو

في كانون الأول/ديسمبر 2023، خلال الدورة الثامنة عشرة للجنة الحكومية الدولية لصون التراث غير المادي، أدرجت اليونسكو «الدبكة، الرقصة التقليدية في فلسطين» على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، بالقرار رقم 18.COM 8.B.3، بحسب اليونسكو.

جاء الإدراج بعد عامين من إدراج التطريز الفلسطيني عام 2021، ليصبح لفلسطين عنصران من أبرز رموز هويتها مسجّلان باسمها وحدها، وكلاهما من العناصر التي يتكرّر تقديمها عالميًا على أنها «إسرائيلية».

«تأثّر» أم استيلاء؟

الحجة الإسرائيلية

يقول المدافعون عن «الدبكة الإسرائيلية» إن كل الرقصات الشعبية تتأثّر ببعضها، وإن الرقص الإسرائيلي «جسر بين الشرق والغرب» يجمع تقاليد يهودية وعربية وبلقانية، وإن الدروز الذين يرقصون الدبكة مواطنون في إسرائيل.

الرد

  1. التأثّر يحفظ الاسم، والاستيلاء يمحوه. لا أحد يعترض على أن يتعلّم أحد الدبكة. الاعتراض على تقديمها للعالم باسم «إسرائيلي»، بينما يُحذف منها اسم فلسطين.
  2. السياق ليس تبادلًا بين متساويين. أُخذت الدبكة من أعراس قرى فلسطينية، في بلاد هُجّر معظم أهلها بعد سنوات قليلة، وبعض «الدبكات الإسرائيلية» صُمّم ليحكي «معارك» ضدّهم.
  3. الاحتلال يعاقب أصحاب الرقصة. في الوقت الذي كانت فيه «الدبكات الإسرائيلية» تجول العالم، كان الراقصون الفلسطينيون يُعتقلون وتُمنع فرقهم من السفر.
  4. الدروز عرب. دبكة الدروز في الكرمل والجليل جزء من التراث العربي في فلسطين وبلاد الشام، لا دليل على «إسرائيليتها».
  5. المصمّمون أنفسهم اعترفوا. ريفكا شتورمان تعلّمت في أعراس القرى العربية، وغوريت كادمان سمّت «الدبكات العربية» مصدرًا صريحًا.

الدبكة ليست مجرد رقصة. إنها أقدام تضرب الأرض نفسها التي يُراد انتزاعها، بإيقاع واحد وأيدٍ متشابكة. ولهذا بالذات أراد الاحتلال الصهيوني أن يرقصها: لأن من يرقص رقصة الأرض يبدو كأنه منها. لكن الدبكة، مثل الثوب والحمص واسم القرية، تعرف أصحابها.

أسئلة شائعة عن الدبكة و«الرقص الشعبي الإسرائيلي»

هل الدبكة إسرائيلية؟

لا. الدبكة رقصة عربية شعبية في فلسطين وبلاد الشام. ومؤسّسو «الرقص الشعبي الإسرائيلي» أنفسهم، مثل غوريت كادمان وريفكا شتورمان، اعترفوا بأنهم أخذوا من «الدبكات العربية» ومن أعراس القرى الفلسطينية.

متى نشأ الرقص الشعبي الإسرائيلي؟

صُمّم عمدًا في الأربعينيات، قبيل النكبة، لبناء ثقافة جديدة للمستوطنين. ونُظّم أول مهرجان له في كيبوتس داليا عام 1944.

ما هي «دبكة جلبوع»؟

رقصة صمّمتها ريفكا شتورمان عام 1947 عن «معركة جلبوع»، ضمن رقصات قالت إنها استوحت «لونها العربي» من أعراس القرى العربية.

ما هي رقصة «يا عبود»؟

دبكة صمّمها موشيكو هاليفي عام 1974 لفرقة درزية في عسفيا، على لحن أغنيتين لبنانيتين للمطربة صباح، وتُدرَّس اليوم عالميًا ضمن «الرقص الشعبي الإسرائيلي».

متى أُدرجت الدبكة الفلسطينية في اليونسكو؟

في كانون الأول/ديسمبر 2023، على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، باسم «الدبكة، الرقصة التقليدية في فلسطين».

ما أشهر فرق الدبكة الفلسطينية؟

من أشهرها فرقة الفنون الشعبية الفلسطينية التي تأسّست عام 1979، وسرية رام الله التي تأسّست عام 1985.

اقرأ أيضًا في فلسطيننا

المصادر

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.