فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

التراث الفلسطيني

الحمص المسروق: حين يُقدَّم طبق الجدّات الفلسطينيات للعالم بعلم إسرائيل

الحمص المسروق: حين يُقدَّم طبق الجدّات الفلسطينيات للعالم بعلم إسرائيل

في رفوف المتاجر الأمريكية، تتصدّر علبة حمص تحمل اسم «سبرا»، وهي كلمة يُلقَّب بها اليهودي المولود في إسرائيل. وفي قوائم المطاعم حول العالم، يُكتب «حمص إسرائيلي» بجانب طبق أكله الفلسطينيون صباح كل جمعة قبل قيام إسرائيل بقرون.

هذا المقال يروي قصة الحمص المسروق: من أقدم وصفاته المكتوبة بالعربية في القرن الثالث عشر، إلى بيوت الجدّات الفلسطينيات ومطاعم القدس ويافا، ثم كيف تحوّل خلال عقود إلى رمز وطني إسرائيلي يُصدَّر للعالم.

صحن حمص فلسطيني بالطحينة وزيت الزيتون والحمص الحب
صحن حمص بالطحينة وزيت الزيتون، فطور الجمعة في البيت الفلسطيني.

800 عام من الحمص: ماذا تقول المخطوطات العربية؟

كلمة «حمص» في العربية هي اسم الحبّة نفسها، أما الطبق فاسمه الكامل «الحمص بالطحينة». وتكشف كتب الطبخ العربية في العصور الوسطى أن هذا الطبق وأشباهه كانت حاضرة على موائد المشرق قبل قيام إسرائيل بنحو سبعة قرون.

أقدم الوصفات المكتوبة

الكتابالقرن والمكانما يذكره عن الحمص
«الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب»، المنسوب إلى ابن العديمالقرن الثالث عشر، حلبيُعدّ أقدم وصفة مسجّلة لـ«الحمص الكسا»، وتضمّ الحمص والطحينة والليمون مع الجوز والأعشاب
«كنز الفوائد في تنويع الموائد»، مؤلفه مجهولالقرن الرابع عشر، مصرنحو اثنتي عشرة وصفة للحمص المهروس بالكمون وزيت الزيتون والليمون المخلّل
«كتاب وصف الأطعمة المعتادة»القرن الرابع عشر، عن أصل بغداديحمص مهروس بالطحينة والزيت والخل وأكثر من عشرة توابل
«تذكرة الخواتين وأستاذ الطباخين»1885، لبنانوصفة قريبة جدًا من الحمص الحديث: حمص وطحينة وليمون وثوم وزيت زيتون

تستند هذه المعلومات إلى أبحاث المؤرّخ تشارلز بيري والباحثة نوال نصر الله التي ترجمت «كنز الفوائد»، بحسب أطلس أوبسكورا ومجلة نيو لاينز. وكانت تلك الوصفات القديمة أغنى من حمص اليوم، فقد كانت أطباقًا لموائد الميسورين في حواضر الدولة الإسلامية.

الخلاصة التاريخية: الحمص بالطحينة طبق عربي مشرقي، تتقاسمه فلسطين وسوريا ولبنان والأردن ومصر. والفلسطينيون جزء أصيل من هذا التاريخ، لا ضيوف عليه. أما وصفه بـ«الإسرائيلي» فلا يجد له أي سند في هذه المخطوطات.

الحمص في البيت الفلسطيني

في فلسطين، الحمص ليس طبقًا جانبيًا. إنه فطور الجمعة العائلي، يُشترى ساخنًا من محل الحارة قبل الصلاة، ويؤكل مع الفول والفلافل والمخلّل والبصل الأخضر. ويدخل الحمص الحبّ في أطباق فلسطينية أصيلة، منها القدرة الخليلية والمسبّحة.

أبو شكري: حمص القدس منذ 1948

في البلدة القديمة بالقدس، على طريق الآلام بين المحطتين السابعة والثامنة، يقع مطعم أبو شكري الذي أسّسه صاحبه عام 1948. تديره عائلة طه منذ ثلاثة أجيال، وكان المصلّون المتّجهون إلى الأقصى يقفون في طابوره أيام الجمعة حتى ساعتين، بحسب غلف نيوز.

أبو حسن: «أفضل حمص في إسرائيل» صنعه فلسطيني من يافا

في يافا، بدأ علي كروان المعروف بـ«أبو حسن» ببيع الحمص على عربة في حي العجمي، ثم افتتح مطعمه الحالي في شارع الدولفين مطلع السبعينيات، بحسب ويكيبيديا. اليوم يتصدّر مطعمه قوائم «أفضل حمص في إسرائيل»، ويصفه دليل «لونلي بلانيت» بأنه «مكّة» الحمص.

هنا تكمن المفارقة: أشهر حمص يُقدَّم للسيّاح بوصفه «إسرائيليًا»، صنعه فلسطيني يافاوي، في مدينة هُجّر معظم أهلها عام 1948.

مطعم أبو شكري للحمص في البلدة القديمة بالقدس
مطعم أبو شكري في البلدة القديمة بالقدس، يقدّم الحمص منذ 1948.

كيف صار الحمص «إسرائيليًا»؟

المفاجأة أن المستوطنين الصهاينة الأوائل لم يحبّوا الحمص. فبحسب عالمة الاجتماع الإسرائيلية دفنا هيرش من الجامعة المفتوحة في إسرائيل، تجاهل كثير منهم الحمص وأطعمة فلسطينية أخرى أو رفضوها في البداية، وكانت تُصنَّف «عربية» أو «شرقية»، بحسب ملخّص كتابها «المسيرة الإسرائيلية للحمص: الاستيلاء الاستعماري والأصالة والتمايز» (2026).

من مطابخ الجيش إلى رمز وطني

  • الخمسينيات: بدأ الجيش الإسرائيلي يقدّم الحمص في مطاعمه، لأنه رخيص ومشبع ومكوّناته توافق قواعد الطعام اليهودي (الكشروت)، بحسب مقال علي قليبو لمؤسسة هاينريش بول.
  • هوية «الصبار»: صار الحمص جزءًا من هوية الإسرائيلي المولود في البلاد، وطبقًا يُربط بالرجولة يؤكل في مطاعم «الحمّوصيات».
  • اليوم: تقول هيرش إن الحمص صار رمزًا وطنيًا إسرائيليًا وموضوعًا لهوس شبه ديني، ويُربط أكله بفكرة «الانتماء الأصلي» إلى الأرض.

الأصل العربي: يُخفى حينًا ويُستعرض حينًا

أهم ما تكشفه هيرش أن هوية الحمص العربية لم تُمحَ ببساطة، بل تُستخدم بانتقائية. فهي تُخفى حين يُراد تقديم الحمص طبقًا وطنيًا إسرائيليًا، وتُستعرض حين يُراد إضفاء «الأصالة» عليه وعلى من يأكله. وهكذا يصبح الفلسطيني ديكورًا في قصة طبقه: يُستحضر اسمه ليمنح الطبق نكهة «الشرق الأصيل»، ثم يُنسب الطبق لغيره.

«سبرا»: حين صار الحمص علامة تجارية بمئات الملايين

اسم «سبرا» نفسه رسالة: هو لقب اليهودي المولود في فلسطين المحتلة، مأخوذ من نبتة الصبّار. وقد أسّست شركة شتراوس الإسرائيلية وشركة بيبسيكو الأمريكية علامة «سبرا» شراكةً مناصفة عام 2008، بحسب فود دايف.

  • بلغت مبيعات «سبرا» في متاجر التجزئة الأمريكية نحو 400 مليون دولار.
  • وصلت حصّتها في سوق الحمص الأمريكية في وقت ما إلى أكثر من 60%، ثم تراجعت إلى نحو 37%.
  • في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، اشترت بيبسيكو حصة شتراوس كاملة بنحو 241 مليون دولار.

بهذا تحوّل طبق الجدّات الفلسطينيات إلى منتج بمئات الملايين، يحمل اسمًا يرمز إلى الهوية الإسرائيلية، ولا يعود منه شيء على أصحابه.

علب حمص جاهزة على رفوف متجر أمريكي
الحمص الجاهز في المتاجر الأمريكية. (استخدم صورة من تصويرك الخاص)

حرب الحمص: معركة الأرقام القياسية

بين 2008 و2010 اندلعت ما سمّاه الإعلام «حرب الحمص»، وكان أبطالها لبنان وإسرائيل:

  1. 2008: أعلن رجال أعمال لبنانيون نيّتهم مقاضاة إسرائيل لمنعها من تسويق الحمص وأطباق المنطقة على أنها إسرائيلية، بحسب إن بي سي نيوز.
  2. تشرين الأول/أكتوبر 2009: حطّم لبنان الرقم القياسي العالمي لأكبر صحن حمص، بقيادة وزير السياحة آنذاك فادي عبود.
  3. 8 كانون الثاني/يناير 2010: استعادت بلدة أبو غوش العربية قرب القدس الرقم بصحن تجاوز أربعة أطنان، بمبادرة من صاحب مطعم فيها هو جودت إبراهيم.
  4. أيار/مايو 2010: ردّ لبنان بصحن يزن 23,042 رطلًا (نحو 10.4 أطنان)، بحسب إذاعة NPR.

وسعى لبنان أيضًا إلى تسجيل الحمص لدى الاتحاد الأوروبي بوصفه «منتجًا محميّ المنشأ»، لكن الاتحاد رفض لأن الحمص طبق إقليمي. وهذا الرفض نفسه يهدم الادعاء الإسرائيلي: إذا كان الحمص لا يُنسب لبلد عربي واحد، فكيف يُنسب لدولة قامت عام 1948؟

واللافت أن الرقم «الإسرائيلي» عام 2010 صنعته بلدة عربية فلسطينية في الداخل، بأيدٍ فلسطينية، ثم نُسب في الإعلام العالمي إلى «إسرائيل».

بطاقة توضيحية لحرب الحمص بين لبنان وإسرائيل وأرقام غينيس القياسية 2009-2010
حرب الحمص: أرقام غينيس القياسية بين 2009 و2010.

«مطبخ مشترك» أم سرقة؟ تفنيد الرواية الإسرائيلية

الحجة الإسرائيلية

يقول المدافعون عن «الحمص الإسرائيلي» إن اليهود القادمين من العراق والمغرب واليمن وسوريا أكلوا الحمص في بلدانهم قبل الهجرة، وإن المطبخ الإسرائيلي «مطبخ مهاجرين» يجمع أطباق المنطقة، فلا معنى للحديث عن سرقة.

الرد

  1. اليهود العرب أكلوا الحمص بوصفه طعامًا عربيًا. يرى الكاتب ستيفن سلايطة أن تسمية هذه الأطباق «إسرائيلية» تشوّه حتى تاريخ اليهود الشرقيين أنفسهم، الذين عرفوها جزءًا من ثقافتهم العربية، بحسب ذا نيو عرب.
  2. المشكلة في الاسم لا في الأكل. لا يعترض الفلسطينيون على أن يأكل أحد طعامهم؛ بل على من يملك العلامة التجارية والرواية والأرباح.
  3. السياق ليس تبادلًا ثقافيًا عاديًا. انتقال البيتزا أو البطاطا بين الشعوب جرى بلا احتلال. أما «أسرلة» الحمص فجرت بالتوازي مع تهجير أصحابه ومحو أسماء قراهم، كما يوضح علي قليبو.
  4. حتى باحثون إسرائيليون يسمّونها استيلاءً. عنوان كتاب دفنا هيرش نفسه يصف مسيرة الحمص في إسرائيل بـ«الاستيلاء الاستعماري».

ولا يقتصر الأمر على الحمص. فبحسب سلايطة، تُقدَّم الفلافل والشاورما والفتّوش والمجدّرة والكنافة في حملات «براند إسرائيل» على أنها أطباق إسرائيلية أصيلة، بينما تصف الحكومة الإسرائيلية الفلافل بـ«الوجبة الخفيفة الوطنية».

الحمص إذن ليس مجرّد صحن. إنه نموذج مصغّر للصراع كله: أرض تُؤخذ، ثم تاريخ يُعاد كتابته، ثم يُقدَّم الطبق للعالم بعلم جديد.

أسئلة شائعة عن الحمص وأصله

هل الحمص إسرائيلي؟

لا. أقدم وصفات الحمص بالطحينة مكتوبة بالعربية في حلب ومصر في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، أي قبل قيام إسرائيل بنحو سبعة قرون. والحمص طبق عربي مشرقي يتقاسمه الفلسطينيون والسوريون واللبنانيون والأردنيون والمصريون.

ما أصل الحمص بالطحينة؟

يُعدّ كتاب «الوصلة إلى الحبيب» المنسوب إلى ابن العديم في حلب (القرن الثالث عشر) أقدم مصدر معروف لوصفة حمص بالطحينة، يليه «كنز الفوائد» المصري في القرن الرابع عشر.

هل الحمص فلسطيني أم لبناني؟

الحمص طبق مشرقي مشترك، ولا يملكه بلد عربي واحد. وقد رفض الاتحاد الأوروبي تسجيله منتجًا محميّ المنشأ للبنان لهذا السبب تحديدًا. والفلسطينيون جزء أصيل من تاريخه.

ما هي حرب الحمص؟

تسمية إعلامية للتنافس بين لبنان وإسرائيل بين 2008 و2010 على نسبة الحمص، شمل أرقامًا قياسية في موسوعة غينيس لأكبر صحن حمص، وانتهى بصحن لبناني يزن نحو 10.4 أطنان.

ما هي شركة سبرا للحمص؟

علامة تجارية أسّستها شركة شتراوس الإسرائيلية مع بيبسيكو الأمريكية عام 2008، وتبيع بنحو 400 مليون دولار سنويًا في أمريكا. واسمها لقب اليهودي المولود في إسرائيل. اشترت بيبسيكو حصة شتراوس كاملة عام 2024.

ما أشهر مطاعم الحمص في فلسطين؟

من أشهرها مطعم أبو شكري في البلدة القديمة بالقدس (تأسّس عام 1948)، ومطعم أبو حسن في يافا الذي أسّسه علي كروان.

اقرأ أيضًا في فلسطيننا

المصادر

افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.