فلسطيننا

الجدول بعرض الصفحة

فلسطين قبل النكبة

الخليل قبل النكبة: مدينة العنب والزجاج من الحارات والأسواق إلى استقبال اللاجئين

الخليل قبل النكبة: مدينة العنب والزجاج من الحارات والأسواق إلى استقبال اللاجئين

في الخليل قبل النكبة، كان موسم العنب يمتد من الكرم إلى البيت والسوق: يُؤكل طازجًا، ويُجفّف زبيبًا، ويُطبخ دبسًا وملبنًا. وفي البلدة القديمة، خرجت من أفران الزجاج الأباريق والقناديل والأساور، بينما ربطت الأسواق المدينة بقرى الجبل والسهل والبادية. كانت الخليل مدينة عبادة وعمل، تحيط بها أرض زراعية واسعة، وتقوم فيها مدارس وعيادات ومؤسسات لإطعام المحتاجين. [2][5][7]

ثم جاءت النكبة عام 1948. بقيت مدينة الخليل خارج سيطرة القوات الإسرائيلية، لكن هذه القوات احتلّت قرى من قضائها في الغرب والشمال الغربي، وارتكبت في الدوايمة واحدة من أبشع مجازر النكبة، وطردت أهلها ومنعتهم من العودة. فوصل اللاجئون إلى المدينة والقرى المحيطة بها، وصارت الخليل مدينة بقي أهلها فيها، وملجأً لمن اقتُلعوا من بيوتهم وأرضهم. [17][18][20][21]

يروي هذا المقال حكاية المدينة ومحيطها في أواخر العهد العثماني وعهد الانتداب: الزراعة والصناعة والأسواق والبيوت والعادات، والتعليم والصحة، ثم ما فعله التهجير بالمدينة وقضائها.

محتويات المقال

  1. الخليل قبل النكبة في سطور
  2. أصل التسمية: لماذا سُمّيت الخليل؟
  3. مدينة حول الحرم الإبراهيمي
  4. الكروم والمطر: الزراعة في جبل الخليل
  5. العنب الذي صار مؤونة وصناعة
  6. أفران القزازين: زجاج الخليل في الحياة اليومية
  7. الفخار والجلود والنسيج
  8. الأسواق: الخليل وصلات الجبل بالسهل
  9. المرأة والعمل والثوب
  10. العادات والأعراس والتعاون
  11. التكية الإبراهيمية: إطعام الناس جزء من حياة المدينة
  12. التعليم: مدارس حكومية ومبادرات أهلية
  13. تعليم البنات: تجربة خديجة قطينة
  14. الصحة: المستشفى والعيادات وصعوبة الوصول
  15. الطب زمن الثورة
  16. النكبة: المدينة بقيت وقرى قضائها احتُلّت
  17. مجزرة الدوايمة في غرب الخليل
  18. الخليل تستقبل اللاجئين
  19. كيف غيّرت النكبة اقتصاد الخليل وخدماتها؟
  20. الخليل بين مصر والأردن: من 1948 إلى 1967
  21. من النكبة إلى الاحتلال: الخليل بعد 1967
  22. أسئلة شائعة

الخليل قبل النكبة في سطور

البندالتفاصيل
الموقعجنوب القدس، في جبال جنوب فلسطين
الارتفاعنحو 950 مترًا فوق سطح البحر
سكان المدينة سنة 192216,577 نسمة
سكان المدينة سنة 194524,560 نسمة
النسيج العمرانيحارات وأحواش وأسواق متقاربة حول الحرم الإبراهيمي
أبرز وجوه الاقتصادالعنب ومنتجاته، والزجاج والفخار والجلود والتجارة
في النكبةاحتلال قرى من القضاء وتهجير أهلها، ومجزرة الدوايمة في 29 تشرين الأول 1948، واستقبال اللاجئين
احتلال المدينةحزيران 1967

أرقام السكان تخص مدينة الخليل، ولا تشمل قرى قضائها. وقضاء الخليل في عهد الانتداب لا يطابق حدود محافظة الخليل الحالية. [1][2][4][13][18][28]

منظر عام لمدينة الخليل قبل النكبة، 9 كانون الأول 1945
منظر عام لمدينة الخليل، 9 كانون الأول 1945. تصوير خدمة ماتسون. المصدر: مكتبة الكونغرس، مجموعة ماتسون.
مدينة الخليل من الجنوب، 1877
الخليل من الجنوب، 1877. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.

أصل التسمية: لماذا سُمّيت الخليل؟

ارتبط اسم الخليل بالنبي إبراهيم عليه السلام، المعروف بخليل الرحمن؛ فحملت المدينة اسم «خليل الرحمن»، ثم شاع اختصاره إلى «الخليل». [1][4]

وتذكر لجنة إعمار الخليل من أسمائها التاريخية «حبرون» و«قرية أربع»، وتورد لتفسيرهما احتمالات متعددة. [4] وقد استعار الاحتلال الاسم الثاني لمستوطنة «كريات أربع»، التي أقامها عام 1968 على أطراف المدينة. [28]

مدينة حول الحرم الإبراهيمي

كان الحرم الإبراهيمي مركزًا دينيًا وعمرانيًا للمدينة؛ تصل إليه طرق الحارات، وتحيط به الأسواق والزوايا والتكية والمباني العامة. وتُظهر دراسة اليونسكو أن الخليل احتفظت بنسيج مملوكي واضح، أضاف إليه العهد العثماني طبقات من البناء والتوسع. [2]

في داخل هذا النسيج، تجمعت غرف البيوت حول أفنية صغيرة تُعرف بالأحواش. وكانت الحارة تضم البيوت والممرات والمرافق، وتتصل بالحارات المجاورة عبر الأزقة والقناطر. ولم يكن الحوش بيتًا منفصلًا بالمعنى الحديث، بل فضاءً يجمع وحدات سكنية متقاربة، تتداخل فيه صلات القرابة والجوار. [2]

ومن حارات المدينة القزازين والسواكنة وبني دار والمشارقة، ومن أحيائها الشيخ علي البكاء وقيطون وباب الزاوية. وقد انتظمت الطرق الداخلية حول الوصول إلى المسجد، ثم امتدت المدينة خارج نسيجها الأقدم. [3]

الخليل والحرم الإبراهيمي في صورة أرشيفية بين 1898 و1946
الخليل والحرم الإبراهيمي في صورة أرشيفية مؤرخة ضمن الفترة 1898–1946. المصدر: مكتبة الكونغرس، مجموعة ماتسون.

الكروم والمطر: الزراعة في جبل الخليل

ساعد ارتفاع جبال الخليل ومناخها على زراعة الكرمة وأشجار الفاكهة، ومنها اللوز والمشمش والبرقوق. وكانت الكروم والبساتين جزءًا من رزق السكان ومن حركة التجارة والحرف الغذائية في المدينة. [4]

لكن الزراعة لم تكن واحدة في جميع أنحاء القضاء. ففي المرتفعات برزت الكروم والأشجار، بينما اتسعت زراعة الحبوب في السفوح الغربية. وفي عجّور، مثلًا، خُصص سنة 1944/1945 نحو 25,227 دونمًا للحبوب، مقابل 2,428 دونمًا للأراضي المروية والبساتين. وجاءت تربية المواشي، وخصوصًا الماعز، بعد الزراعة في الأهمية الاقتصادية. [6]

فاسم الخليل يستحضر العنب، لكن اقتصاد قضائها جمع أيضًا القمح والزيتون والمواشي والحِرف القروية. ولم تكن القرى مجرد محيط للمدينة؛ كانت مراكز إنتاج وأسواقًا ومدارس لها حياتها الخاصة. [6][17]

اقرأ أيضًا على موقعنا: الزراعة في فلسطين قبل النكبة.

نساء من منطقة الخليل يحرثن الأرض، 1937
نساء من منطقة الخليل يحرثن الأرض، 1937. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.

العنب الذي صار مؤونة وصناعة

لم ينتهِ موسم العنب عند بيع الثمر. فقد عُرفت الخليل بصناعة الدبس والملبن والزبيب، أي بتحويل محصول سريع التلف إلى طعام يُحفظ ويُتداول بعد انتهاء الموسم. ويستشهد مركز «معًا» بمجلة زراعية من سنة 1937 تُدرج الزيني والعينوني والدابوقي والحمداني ضمن أصناف العنب المعروفة في المنطقة. [5]

وتحفظ الروايات المحلية صورة للتبادل بين الجبل والساحل: كان العنب يُحمل على الجمال من منطقة الشيوخ إلى قرى غزة، ويُستبدل بالحبوب، في صلة بين مناطق تنتج سلعًا مختلفة ويحتاج بعضها إلى بعض. [5]

أفران القزازين: زجاج الخليل في الحياة اليومية

في البلدة القديمة، حملت حارة القزازين اسم المهنة التي اشتهرت بها. وكان الحرفي يشكّل الزجاج بالنفخ قرب فرن الصهر، فتخرج من المعمل أدوات للاستعمال والزينة: أكواب وأباريق وقناديل، وأساور وخواتم ومسابح. [7][8]

وفي أواسط القرن التاسع عشر كان في المدينة سبعة معامل للزجاج، بحسب وزارة السياحة والآثار، وكانت منتجاتها تصل إلى القدس ونابلس والقاهرة، وتُصدَّر عبر ميناء يافا. [7]

وكانت المهنة معرفة متوارثة داخل العائلات، وأصبحت في بداية القرن العشرين شبه محصورة في عائلة النتشة، بحسب لجنة إعمار الخليل. والزجاج الذي يُعرض اليوم تحفةً، كان يؤدي أيضًا وظائف يومية في بيوت الناس. [8]

حرفيّو نفخ الزجاج في الخليل بين 1898 و1946
حرفيّو نفخ الزجاج في الخليل. يؤرخ سجل الأرشيف الصورة ضمن الفترة 1898–1946. المصدر: مكتبة الكونغرس، مجموعة ماتسون.

اقرأ أيضًا على موقعنا: الصناعات الفلسطينية قبل النكبة.

الفخار والجلود والنسيج

إلى جانب الزجاج، صنعت الخليل الجرار والأواني الفخارية التي يحتاجها البيت، وارتبطت الحرفة بعائلة الفاخوري، وتوزعت مشاغلها في مواضع من البلدة القديمة. أما الخزف المزجّج المرسوم المعروف اليوم، فظهر في المدينة في النصف الثاني من القرن العشرين. [8]

وكانت الدباغة تحوّل جلود المواشي إلى مادة قابلة للاستعمال، في سلسلة تصل تربية المواشي والذبح بالصناعات الجلدية. وتوثق وكالة وفا توارث الدباغة في المدينة لأكثر من قرن، وتصف دراسة ميدانية لمؤسسة هاينريش بُل استمرار المدابغ التقليدية وطرق معالجة الجلود. [9][10]

واعتمد الغزل والنسيج على صوف الضأن وشعر الماعز ووبر الجمال، وهي مواد يوفرها الريف والبادية. [8]

صانع أحذية في الخليل، 1920
صانع الأحذية في الخليل، 1920. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.
صناعة الفخار في الخليل، بداية القرن العشرين
صناعة الفخار، بداية القرن العشرين. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.
صناعة النسيج في الخليل، نهاية القرن التاسع عشر
صناعة النسيج، نهاية القرن التاسع عشر. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.

الأسواق: الخليل وصلات الجبل بالسهل

وضعت طرق التجارة الخليل في صلة بجنوب فلسطين وسيناء وشرق الأردن وشمال الجزيرة العربية، وكانت الأسواق والخانات جزءًا من البنية التي استقبلت التجار والبضائع والزائرين. [2]

وللقرى أسواقها أيضًا. ففي عجّور أُقيمت سوق الجمعة شرق القرية، واجتذبت التجار من مدن وقرى مختلفة. وفي بيت جبرين كانت سوق أسبوعية يوم الثلاثاء، تخدم القرية ومحيطها. [6][17]

أما سوق الجمعة في الدوايمة فعُرفت باسم «سوق البرّين»، في إشارة إلى منتوجات السهل والجبل التي كانت تُعرض فيها: الحبوب والمواشي ومنتجات القرى تنتقل بين البيئات المتجاورة، قبل أن يقطع الاحتلال هذه الصلات بتهجير أهل القرى. [18]

سوق مدينة الخليل، نهاية القرن التاسع عشر
سوق المدينة، نهاية القرن التاسع عشر. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.
سوق الخليل، نهاية القرن التاسع عشر
سوق الخليل، نهاية القرن التاسع عشر. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.

المرأة والعمل والثوب

لا تكتمل صورة اقتصاد الخليل من دون النساء. ففي التراث المادي لمنطقة الخليل، يتصل التطريز بالعمل الزراعي والبيت والسوق. ويعرض مركز «طراز» أثوابًا تاريخية من المنطقة، منها ثوب من دير سامت يعود إلى نحو سنة 1928، وغُدفة تعود إلى نحو سنة 1925 زُخرفت بعروق العنب. [11]

ويحفظ المركز قصة فاطمة موسى من القبيبة، التي كانت تقايض البيض مع أمها بالخيوط الحريرية والقماش في سوق الفالوجة؛ واقعة صغيرة تكشف كيف شاركت النساء في التبادل الاقتصادي وفي صنع الملابس. [11]

ولم يكن هناك زي واحد لجميع نساء القضاء؛ فقد اختلف الثوب بين القرى، وبين لباس العمل والمناسبات، وبحسب القدرة على شراء القماش والخيط. وتوثق دراسات الزي تنوع الأثواب في دورا ويطا والسموع والظاهرية ومغلس وغيرها. [12]

اقرأ أيضًا على موقعنا: الثوب الفلسطيني حسب المدن، والمرأة الفلسطينية قبل النكبة.

العادات والأعراس والتعاون

كانت القرابة والجيرة حاضرتين في الفرح والحزن والعمل. وفي رواية محلية منشورة عن بيت نتيف قبل النكبة، تظهر الزفة والغناء والزغاريد والدبكة والولائم و«النقوط»، كما يظهر إعداد الطعام لأهل المتوفى والتعاون في الزراعة والحصاد. [14]

وهي تفاصيل من ذاكرة قرية بعينها، لكنها تُظهر المناسبات عملًا اجتماعيًا تشارك فيه جماعة واسعة، وتتوزع فيه واجبات الضيافة والمساعدة وتبادل العطاء. ولم يكن المجتمع متساويًا في الثروة أو فرص التعلم؛ فسجلات المدارس تكشف الحاجة المتكررة إلى إعفاء أبناء الأسر الفقيرة من الرسوم. [14][16]

اقرأ أيضًا على موقعنا: العرس الفلسطيني وعادات الفرح.

التكية الإبراهيمية: إطعام الناس جزء من حياة المدينة

ارتبطت الضيافة في الخليل بالتكية الإبراهيمية، المعروفة أيضًا بتكية صلاح الدين، التي قدمت الطعام للفقراء والزوار. وتبحث دراسة للمؤرخ شوكت رمضان حجة تاريخها الاجتماعي والاقتصادي، ودور الوقف والتبرعات في استمرار عملها. [15][22]

وقدمت التكية سنة 1936 نحو 74,472 وجبة حساء خلال أحد عشر شهرًا، ونحو 16,500 وجبة في رمضان، بحسب باحث محلي تنقل عنه الجزيرة نت، التي تشير أيضًا إلى دورها في إطعام الناس خلال نكبة 1948. [22]

التعليم: مدارس حكومية ومبادرات أهلية

عرفت الخليل التعليم النظامي قبل النكبة؛ فقد تأسست مدرستها الرشيدية سنة 1883، ثم توسعت المدارس في عهد الانتداب. وفي العام الدراسي 1942/1943 ضمت المدينة ابتدائية الخليل وثانويتها، ومدرسة البلدية، ومدرسة البنات، والمدرسة العلائية للمكفوفين التي تأسست سنة 1937. [13]

وفي ذلك العام ضمت مدارس المدينة نحو 1,934 طالبًا و727 طالبة، وبلغت نسبة الالتحاق التقريبية 60% للبنين و25% للبنات من الأطفال في سن الدراسة، في فجوة واسعة بين الجنسين. [13]

وفي قرى القضاء بلغ عدد المدارس الرسمية أواخر الانتداب 25 مدرسة متفاوتة المراحل. وجمع أهالي القضاء 44 ألف جنيه فلسطيني لبناء مدرسة ثانوية داخلية في دورا، بدأ العمل فيها سنة 1946. [13]

ولم يعتمد الأهالي على المدارس الرسمية وحدها؛ فدراسة ياسر حسين صالح توثق مدارس الهداية والإصلاح والنجاح والنهضة الأهلية، ومساهمات المجتمع المحلي والمجلس الإسلامي الأعلى في تمويلها. [16]

طلاب مدرسة المكفوفين في الخليل مع مديرها الدجاني، 1940
طلاب مدرسة المكفوفين في الخليل على درجات مبناها، مع مديرها الدجاني، سنة 1940. المصدر: مكتبة الكونغرس، مجموعة ماتسون.

اقرأ أيضًا على موقعنا: التعليم الفلسطيني قبل 1948.

مدرسة للبنين في الخليل، 1932
مدرسة للبنين في الخليل، 1932. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.

تعليم البنات: تجربة خديجة قطينة

افتتحت المربية خديجة رمزي قطينة مدرسة أهلية للبنات في العام الدراسي 1927/1928، وهي أول مدرسة أهلية للبنات في المدينة. وبلغ عدد طلبتها سنة 1933/1934 اثنين وستين، بينهم أربعة صبيان صغار. [16]

تكشف هذه التجربة جانبًا مهمًا من تاريخ النساء في الخليل: امرأة تؤسس مؤسسة تعليمية، ومعلمات يعملن فيها، وأسر ترسل بناتها. كما تُظهر أن اتساع تعليم البنات كان مسارًا تدريجيًا، في ظل محدودية المراحل العليا والموارد. [16]

طفل يقرأ بطريقة برايل في مدرسة المكفوفين في الخليل، 1940
طفل يقرأ بطريقة برايل في مدرسة المكفوفين في الخليل، سنة 1940. المصدر: مكتبة الكونغرس، مجموعة ماتسون.

الصحة: المستشفى والعيادات وصعوبة الوصول

كانت للخليل خدمات طبية حديثة قبل 1948، لكنها عانت نقصًا واضحًا. ويوثق المؤرخ كريس ساندال ويلسون وجود مستشفى للإرسالية الأنجليكانية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر، بسعة عشرين سريرًا في مرحلته المبكرة، إلى جانب مستوصف حكومي وعيادات أخرى. وأُعيد افتتاح المستشفى بعد توسعته سنة 1929 باسم القديس لوقا. [19]

ومن العاملين في المدينة الطبيب المصري أحمد عبد العال، طبيب الحكومة للمدينة والقضاء، الذي كشفت مراسلاته سنة 1929 ضغط المرضى وقصور الخدمات. وفي الثلاثينيات أدار الطبيب إليوت فورستر المستشفى وأقام عيادات في قرى مجاورة. [19]

أما في الريف، فتذكر رواية بيت نتيف طبيبًا ذا عيادة في بيت جبرين كان يزور القرية يومين في الأسبوع. [14]

وتُظهر صور أرشيفية من سنة 1944 جناح النساء وغرفة العمليات في مستشفى الخليل. [23]

جناح النساء في مستشفى الخليل، 1944
جناح النساء في مستشفى الخليل، سنة 1944. المصدر: مكتبة الكونغرس، مجموعة ماتسون.

اقرأ أيضًا على موقعنا: الطب والصحة في فلسطين قبل النكبة.

غرفة العمليات في مستشفى الخليل، 1944
غرفة العمليات في مستشفى الخليل، 1944. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.
الدكتور والكر وطاقم مستشفى الخليل، 1944
الدكتور والكر وطاقم المستشفى، 1944. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.

الطب زمن الثورة

لم يكن الوصول إلى العلاج منفصلًا عن الحكم الاستعماري. ففي ثورة 1936–1939، أضعفت الحواجز وإغلاق الطرق والعقوبات الجماعية التي فرضتها سلطات الانتداب البريطاني وصول السكان إلى الرعاية الصحية، فيما عالج الأهالي جرحاهم، وحاول الثوار إقامة خدمات طبية في الجبال. [19]

النكبة: المدينة بقيت وقرى قضائها احتُلّت

لم تسقط مدينة الخليل في يد القوات الإسرائيلية عام 1948، لكن ذلك لم يحمِ قضاءها من النكبة. فقد احتلّت هذه القوات قرى في جهته الغربية والشمالية الغربية، وطردت سكانها، ثم منعتهم من العودة إلى بيوتهم. [6][17][18][24]

القريةما فعله الاحتلال بها
عجّورهاجمتها القوات الإسرائيلية في تموز 1948، ثم احتلّتها في 23 تشرين الأول، وطردت من بقي من سكانها
بيت جبريناحتلّتها القوات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول 1948، بعد قصفها ونزوح سكانها
الدوايمةاحتلّتها القوات الإسرائيلية في 29 تشرين الأول 1948، وارتكبت فيها مجزرة
زكريااحتُلّت سنة 1948، ثم طرد الاحتلال من بقي من سكانها في 9 حزيران 1950

ويكشف مثال زكريا أن التهجير لم ينتهِ بانتهاء معارك 1948؛ فقد بقي بعض الأهالي في قريتهم بعد احتلالها، ثم طُردوا منها بعد عامين. [24]

مجزرة الدوايمة في غرب الخليل

كانت الدوايمة قرية زراعية ذات سوق مهمة، بلغ عدد سكانها 3,710 نسمات سنة 1945. وفي 29 تشرين الأول 1948 هاجمتها الكتيبة 89 من اللواء الثامن في الجيش الإسرائيلي، وارتكبت مجزرة بحق سكانها، فقتلت مدنيين في البيوت والمسجد ومواضع الاحتماء. [18]

وتتفاوت تقديرات عدد الشهداء: فتقارير مخفر الخليل تحدثت عن نحو 200 شهيد معظمهم من المسنين الذين عجزوا عن الفرار، وقدّم مختار القرية حسن محمود هديب، الذي شهد المجزرة، قائمة بأسماء 455 شهيدًا إلى الحاكم العسكري الأردني، مشيرًا إلى ضحايا آخرين لم يُسجَّلوا. وقدّر القنصل الأميركي في القدس عدد الضحايا بين 500 و1,000. [26]

وتفرّق الناجون في قرى الضفة الغربية ومخيماتها وفي الأردن، ومنها مخيما العروب والفوار. [18]

اقرأ أيضًا على موقعنا: مجزرة الدوايمة، وقرية الدوايمة المهجّرة.

الخليل تستقبل اللاجئين

وصلت آثار التهجير إلى منطقة الخليل خلال الحرب نفسها. ففي بيان أممي مؤرخ في 14 أيلول 1948، ذُكر تجمّع للاجئين في الخليل ضمن المواقع التي زارها خبراء طبيون تابعون للأمم المتحدة. [25]

وأُقيم مخيما الفوار والعروب سنة 1949. وينحدر سكان الفوار من 18 قرية في مناطق غزة والخليل وبئر السبع، وسكان العروب من 33 قرية في مناطق الرملة والخليل وغزة، بحسب الأونروا. [20][21]

وهكذا نشأت حول المدينة تجمعات لأناس جرّدهم التهجير من أرضهم ومواردهم، فاحتاجوا إلى السكن والتعليم والعلاج والعمل، وبقوا متمسكين بقراهم الأصلية وبحقهم في العودة إليها.

كيف غيّرت النكبة اقتصاد الخليل وخدماتها؟

قطع التهجير شبكة العلاقات التي جمعت المدينة بقضائها: قرية تُنتج الحبوب وتستقبل سوقًا أسبوعية، وأخرى تربي المواشي وتمارس الحرف، ومدينة تتبادل معها البضائع والخدمات. فحين هجّر الاحتلال قرى مثل عجّور وبيت جبرين والدوايمة، فقد أهلها بيوتهم وأرضهم، وخسرت المنطقة أجزاء من مجالها الاقتصادي والاجتماعي. [6][17][18]

وفي التعليم، كان تهجير قرية ذات مدرسة يعني اقتلاع مجتمع المدرسة نفسه، فيما واجهت المدينة والقرى المستقبلة للاجئين حاجات تعليمية وصحية إضافية، وصارت المدرسة والعيادة والإغاثة عناصر أساسية في حياة اللجوء. [6][20][21][25]

مدينة الخليل، 1932
مدينة الخليل، 1932. المصدر: معرض صور الخليل على موقع فلسطيننا؛ التاريخ بحسب وصف المعرض.

الخليل بين مصر والأردن: من 1948 إلى 1967

في حرب 1948 دخلت القوات المصرية القطاع الجنوبي من فلسطين، ومنه الخليل، اعتبارًا من 20 أيار 1948، واتخذت من المدينة مقرًا لها، فيما عُيّن الأردني صالح المجالي حاكمًا عسكريًا عليها في حزيران من العام نفسه. وظلت المدينة تحت حكم مزدوج مصري أردني حتى غادرت القوات المصرية البلاد في 30 نيسان 1949. [27]

ثم خضعت الخليل للإدارة الأردنية عام 1950، وبقيت كذلك حتى احتلها الجيش الإسرائيلي في حزيران 1967. [28]

من النكبة إلى الاحتلال: الخليل بعد 1967

بعد احتلال المدينة بأشهر، في مطلع عام 1968، دخلت مجموعة من 73 مستوطنًا بقيادة الحاخام موشيه ليفنغر فندق «النهر الخالد» في الخليل بحجة قضاء عيد الفصح، ثم رفضت المغادرة، فكانت أول بؤرة استيطانية في المدينة. [29] وفي العام نفسه أقام الاحتلال مستوطنة «كريات أربع» على أطراف البلدة القديمة. [28]

وفي 25 شباط 1994 فتح المستوطن باروخ غولدشتاين النار على المصلين في الحرم الإبراهيمي أثناء صلاة الفجر، فقتل 29 وجرح آخرين. [28][29] وبدل محاسبة المستوطنين، قسّم الاحتلال الحرم، ومنح اليهود نحو 56% من مساحته. ثم قسّم «بروتوكول الخليل» في 15 كانون الثاني 1997 المدينة إلى منطقة H1 (نحو 80%) بيد السلطة الفلسطينية، ومنطقة H2 (نحو 20%) تشمل البلدة القديمة والحرم، تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية. [29]

وهكذا تحمل الخليل اليوم ذاكرتين: ذاكرة المدينة التي بقيت عام 1948 واستقبلت اللاجئين، وذاكرة البلدة القديمة التي يحاصرها الاستيطان منذ 1967.

اقرأ أيضًا على موقعنا: الخليل وقراها المهجّرة.

أسئلة شائعة

هل احتُلّت مدينة الخليل سنة 1948؟

لا؛ بقيت المدينة خارج سيطرة القوات الإسرائيلية عام 1948، واحتُلّت في حزيران 1967. لكن قرى من قضائها، منها عجّور وبيت جبرين والدوايمة، احتُلّت وهُجّر أهلها في النكبة. [17][18][28]

لماذا سُمّيت الخليل بهذا الاسم؟

نسبة إلى النبي إبراهيم عليه السلام، خليل الرحمن؛ فعُرفت المدينة باسم «خليل الرحمن»، ثم شاع اسم «الخليل». [1][4]

كم كان عدد سكان مدينة الخليل قبل النكبة؟

نحو 24,560 نسمة سنة 1945، مقابل 16,577 نسمة سنة 1922، من دون قرى القضاء. [1]

بماذا اشتهرت الخليل قبل النكبة؟

بالعنب ومنتجاته من الدبس والملبن والزبيب، وبصناعة الزجاج والفخار والجلود، وبالغزل والنسيج والتجارة. [4][5][7][8]

هل كان في الخليل تعليم للبنات قبل النكبة؟

نعم؛ كانت فيها مدرسة حكومية للبنات، ومدرسة أهلية أسستها خديجة قطينة سنة 1927/1928، لكن نسبة التحاق البنات لم تتجاوز نحو 25% عام 1942/1943. [13][16]

متى وقعت مجزرة الدوايمة؟

في 29 تشرين الأول 1948، حين هاجمت الكتيبة 89 من الجيش الإسرائيلي قرية الدوايمة غرب الخليل. وقدّم مختار القرية قائمة بأسماء 455 شهيدًا. [18][26]

كيف نشأ مخيما الفوار والعروب؟

أُقيما سنة 1949 لإيواء لاجئين هجّرهم الاحتلال من قراهم في مناطق الخليل وغزة وبئر السبع والرملة. [20][21]

اقرأ أيضًا في فلسطيننا

المصادر والمراجع

  1. مركز المعلومات الوطني الفلسطيني ـ وفا، «الخليل».
  2. اليونسكو، «البلدة القديمة في الخليل».
  3. لجنة إعمار الخليل، «الطبيعة العمرانية للبلدة القديمة».
  4. لجنة إعمار الخليل، «مدينة الخليل».
  5. عمر عاصي، «رحلة مع العنب من قلب الصحراء إلى غزة والخليل وحتى أقاصي الجليل»، مركز معًا، 2022.
  6. مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ PalQuest، «عجّور»، من كتاب «كي لا ننسى».
  7. وزارة السياحة والآثار الفلسطينية، المتحف الافتراضي، صناعة الزجاج.
  8. لجنة إعمار الخليل، «المهن والحرف اليدوية».
  9. وكالة وفا، «تحنيط الجلد».
  10. لينا إسماعيل ومنى دجاني، «أبو أحمد المحتسب ـ دباغة جلود الغنم التقليدية»، مؤسسة هاينريش بُل، 2021.
  11. مركز طراز، «إرث التطريز في الخليل»، معرض عبر Google Arts & Culture.
  12. موسوعة التراث الفلسطيني، «الملابس الشعبية للمرأة في محافظة الخليل».
  13. مركز المعلومات الوطني الفلسطيني ـ وفا، «التعليم في عهد الانتداب البريطاني»، قسم قضاء الخليل.
  14. «نظرة عامة عن بيت نتيف والحياة الاجتماعية فيها قبل النكبة»، رواية محلية منشورة في فلسطين في الذاكرة.
  15. شوكت رمضان حجة، «التطور التاريخي للتكية الإبراهيمية في مدينة الخليل ودورها الاجتماعي والاقتصادي»، مجلة الحوار المتوسطي، 2018.
  16. ياسر حسين صالح، «المدارس الأهلية في مدينة الخليل إبان الانتداب البريطاني 1920–1948»، مجلة جامعة القدس المفتوحة، العدد 66، 2025.
  17. مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ PalQuest، «بيت جبرين».
  18. سناء حمودي، «مجزرة الدوايمة، 29 تشرين الأول 1948»، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ PalQuest.
  19. Chris Sandal-Wilson, “The Colonial Clinic in Conflict: Towards a Medical History of the Palestinian Great Revolt, 1936–1939”, Culture, Medicine, and Psychiatry.
  20. الأونروا، «مخيم الفوار للاجئين».
  21. الأونروا، «مخيم العروب للاجئين».
  22. الجزيرة نت، «أهل الخليل يحفظون تكية صلاح الدين»، 2009.
  23. مكتبة الكونغرس، صورة جناح النساء في مستشفى الخليل، مجموعة ماتسون.
  24. مؤسسة الدراسات الفلسطينية ـ PalQuest، «زكريا».
  25. الأمم المتحدة، بيان زيارة خبراء طبيين لمواقع اللاجئين، 14 أيلول 1948.
  26. مريم الصايغ، «نُصب تذكارية في بريطانيا تتحدث عن مجزرة الدوايمة المنسية»، الجزيرة نت، 16 أيار 2024.
  27. Kimberly Katz, “Hebron between Jordan and Egypt: An Uncertain Transition Resulting from the 1948 Palestine War”, Urban History, 2019.
  28. موسوعة الجزيرة، «الخليل».
  29. عبد الوهاب المرسي، «من الخليل بدأ استيطان الضفة ومنه يبدأ مشروع الضم»، الجزيرة نت، 27 شباط 2025.
افتح المقال على شكل PDF

اقرأ أيضاً من الأرشيف

شارك هذا المقال

تحميل تطبيق فلسطيننا الأرشيف كاملاً في راحة يدك: القرى المهجّرة، النكبة، المجازر، والأقصى — مجاناً، بلا إعلانات تُمحى بها الحكاية.

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد — كن أول من يكتب.

أضف تعليقك

الاسم والبريد اختياريان. يُنشر التعليق بعد مراجعته.